أفراد عائلة نازحة في مأوى مؤقت على كورنيش بيروت الساحلي
الاحتياجات الإنسانية في لبنان تتزايد باستمرار بسبب التصعيد العسكري

شهد لبنان موجة نزوح جديدة نتيجة التصعيد العسكري الأخير بين حزب الله وإسرائيل، حيث اضطر حوالي مليون و400 ألف شخص إلى مغادرة المناطق المستهدفة بالقصف. هذه التطورات أدت إلى تفاقم الأزمة الإنسانية التي تعصف بالبلاد، والتي تتزامن مع ضغوط اقتصادية واجتماعية خانقة، مما يزيد من التحديات التي تواجهها الحكومة اللبنانية في توفير الدعم والرعاية للنازحين.

ويعاني النازحون من ظروف معيشية صعبة، حيث تكتظ مراكز الإيواء بهم، في وقت تواجه فيه المؤسسات الإنسانية والمنظمات الإغاثية صعوبات كبيرة في تأمين الاحتياجات الأساسية من غذاء وماء وأدوية نتيجة الضغط الكبير الناتج عن العدد المتزايد من النازحين. كما أن الوضع الصحي يزداد تعقيداً، خصوصاً بعد تسجيل حالة إصابة بالكوليرا لمريضة لبنانية من بلدة السمونية في عكار شمال البلاد، مما يثير مخاوف من تفشي الأوبئة بين النازحين ومجتمعاتهم المضيفة.

ورغم وضع الحكومة اللبنانية خطة طوارئ منذ بداية فتح حزب الله الجبهة الجنوبية، والجهود الدولية لإرسال المساعدات، إلا أن الاحتياجات على الأرض تفوق ما يتم تقديمه، ولذلك دقت منظمات دولية ناقوس الخطر، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية، داعية المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لتقديم الدعم والمساعدة للنازحين الذين يعيشون في ظروف كارثية.

في هذا السياق، أصدر برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" بياناً مشتركاً، يوم الثلاثاء، أكدا فيه أن الاحتياجات الإنسانية في لبنان تتزايد باستمرار بسبب التصعيد العسكري، ودعيا إلى حشد الجهود لتوفير تمويل إضافي لدعم المساعدات الإغاثية.

وأوضح البيان أن آثار النزاع امتدت لتشمل المجتمعات الأكثر هشاشة، مشيراً إلى أن نحو 190 ألف نازح يقيمون حالياً في مراكز الإيواء، بينما لا يزال مئات الآلاف يبحثون عن الأمان بين أفراد العائلة أو الأصدقاء.

تأتي الأزمة الحالية في لبنان في وقت حساس للغاية، حيث يرزح نحو 70% من اللبنانيين تحت خط الفقر المتعدد الأبعاد، بحسب ما أفاد البنك الدولي. ومع تزايد أعداد النازحين، تتصاعد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعميق معاناة البلاد، مما قد يشكل منعطفاً جديداً في مسار التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.

استجابة غير كافية؟

في الثامن من أكتوبر 2023، ومع فتح حزب الله لجبهة جنوب لبنان، سارعت الحكومة اللبنانية إلى وضع خطة طوارئ لمواجهة تداعيات التصعيد العسكري. الخطة، التي أعلنت عنها الحكومة في 31 أكتوبر، استندت إلى عدة افتراضات مبنية على مقارنة معيارية مع أحداث حرب يوليو 2006.

وتعتمد الخطة على توقع تهجير قسري لما يقارب مليون لبناني، لفترة تصل إلى 45 يوماً، والحاجة إلى مراكز إيواء جماعية تستوعب 20 في المئة من النازحين، أي نحو 200 ألف شخص، والضغط على القطاع الصحي وتأمين المستلزمات الإنسانية للنازحين في مراكز الإيواء، إضافة إلى حصار بحري وجوي.

وتهدف الخطة إلى تلبية احتياجات ثلاث فئات من اللبنانيين: النازحون في مراكز الإيواء، النازحون في شقق ومنازل خاصة، والمجتمع المضيف.

وفي يوليو الماضي، كشف منسّق لجنة الطوارئ الحكومية، وزير البيئة، ناصر ياسين خلال حديث إذاعي، أن "الحكومة تعمل على توسيع خطة الطوارئ لما يتطابق مع التطورات المستمرة"، لافتاً إلى "أن الخطة قيد التنفيذ منذ أكتوبر الماضي بالتنسيق مع المنظمات الدولية".

لكن "الاستجابة الحالية لأزمة النازحين، غير كافية، سواء من الحكومة أو المنظمات غير الحكومية"، كما تقول الناشطة الاجتماعية رنا غنوي، موضحة أن "الاحتياجات على الأرض لا تزال أقل بكثير من الحجم المطلوب".

وتشير غنوي في حديث لموقع "الحرة" إلى أن الحكومة اللبنانية "لم تتوقع أن يصل عدد النازحين إلى ما يزيد عن مليون شخص، أي ما يعادل ربع سكان لبنان"، شارحة "هناك فجوات كبيرة في الاستجابة، ولا توجد حتى الآن خطة واضحة المعالم، حيث لا تزال الحكومة في مرحلة التخطيط أي وضع الأفكار وهو ما يمثل إحدى أكبر الفجوات في استجابة الدولة اللبنانية"، موضحة أن أي خطة تتطلب "إعداد دراسة جدوى شاملة لتحديد التكلفة وآلية التنفيذ، وهو ما لم يحصل حتى الآن".

وتشرح "البلد متهالك في الأساس، بنظامه غير الواضح وميزانيته المهتزة، وبعد أن كان يكافح لعقد مؤتمر للمانحين، وجد نفسه يصطدم بأزمات متتالية، بدءاً من انفجار مرفأ بيروت، مروراً بانهيار العملة المحلية، وصولاً إلى الحرب التي قضت على ما تبقى من قدراته".

كذلك ينتقد رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار ومختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، غياب خطة حكومية فعّالة لدعم النازحين في عكار، مشيراً إلى أن محافظة عكار "لم تستلم حتى الآن سوى ألف حصة غذائية، رغم تجاوز عدد النازحين فيها 25,000 شخص، بينهم أكثر من 7,000 في بلدة ببنين وحدها".

ويكشف الكسار في حديث لموقع "الحرة" عن فجوة كبيرة في توزيع المساعدات على النازحين في ببنين، حيث "لم يصل الدعم إلى غالبية المنازل التي تستضيفهم، كما أن المدارس التي تم تحويلها إلى مراكز إيواء، مثل مدرسة المحمّرة الرسمية، لم تتلق أي مساعدات، سواء غذائية أو حتى مياه الشرب"، موضحاً أنه تواصل مع محافظ عكار الذي أبلغه بأنه "تم استلام كميات من الفرش، إلا أنها لا تكفي لتغطية احتياجات النازحين في مراكز الإيواء أو المنازل".

وفي هذا السياق، يوضح مختار ببنين أن المنظمات الدولية والجمعيات الأهلية تبذل جهوداً حثيثة لدعم النازحين، "إلا أنها لا تستطيع تعويض غياب دور الحكومة"، ويضيف أن "بعض المنظمات توفر وجبات ساخنة وفرش لعدد من النازحين في المدارس، في وقت يساهم فيه سكان البلدة المحليون بتقديم المساعدة قدر استطاعتهم، حيث يتقاسمون لقمة العيش مع النازحين"، مؤكداً أن هذه الجهود الفردية لها دور كبير في تخفيف وطأة الأزمة، و"لولاها لكانت الأوضاع أسوأ بكثير".

في المقابل، ترى مديرة جمعية "مفتاح الحياة" والأخصائية النفسية والاجتماعية، لانا قصقص، أن استجابة الحكومة اللبنانية لأزمة النازحين "تشهد تنسيقاً جيداً وإجراءات فعّالة، لكنها تواجه تحدياً كبيراً يتمثل في نقص التمويل اللازم لتغطية التكاليف الباهظة للتعامل مع الأعداد المتزايدة للنازحين".

وتوضح قصقص في حديث لموقع "الحرة" أن الوزارات المعنية، مثل وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة ووزارة الداخلية، "تقوم بجهود كبيرة في هذا الإطار"، لافتة إلى الدور "الحيوي" الذي تلعبه البلديات على الأرض في تنظيم وإدارة الأزمة.

قائمة الأولويات

تتصدر الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والمياه النظيفة والرعاية الطبية، قائمة الأولويات، وهو ما يعكسه "مثلث ماسلو" للاحتياجات، وفق ما تقوله غنوي، لافتة الانتباه إلى غياب المعينات الحركية للأشخاص المعوقين، "الذين وجدوا أنفسهم أثناء هروبهم من القصف، مجبرين على الاختيار بين معيناتهم الحركية، كالكرسي المتحرك أو أن يكونوا ركاباً في الحافلات خلال عمليات الإخلاء"، مشددة على أن هذه المعينات "تشكل جزءاً لا يتجزأ من جسد هؤلاء، ما يبرز الحاجة الملحة لتوفيرها".

كما تنبّه غنوي على أهمية التركيز على الحاجات النفسية للنازحين، خاصة الأطفال، مشيرة إلى أن هذا الجانب لا يقل أهمية عن تأمين المأكل والمشرب، وتوضح أن "الدعم النفسي يمثل حاجة أساسية في حياة الأطفال، خصوصاً في مراحل نموهم، بالتالي إغفال احتياجاتهم النفسية والاجتماعية خلال الأزمات قد يكون له تأثيرات سلبية على تطورهم"، مشيرة إلى ضرورة مراعاة خصوصية كل مرحلة عمرية، معتبرة أن ذلك يعد عنصراً أساسياً في تقديم الدعم المناسب لهم.

ومن المتطلبات المهمة في الوقت الحالي، كذلك كما تقول الناشطة الاجتماعية "ضرورة إعادة هيكلة العمل الاجتماعي في لبنان للحفاظ على المكتسبات الحقوقية، لا سيما في مجال دعم الأشخاص المعوقين والنساء والأطفال والفئات المهمشة"، معتبرة أن "البرامج المستدامة هي الحل الأمثل لتجنب العودة إلى نقطة البداية".

كذلك تشير قصقص إلى أن الأطفال النازحين "يعانون من فقدان الاستقرار والأمان، مما يؤثر سلباً على حالتهم النفسية وسلوكياتهم"، وتوضح أن "الوضع الحالي للأطفال ليس جيداً، والسلوكيات السلبية التي تظهر منهم هي رد فعل طبيعي للوضع غير الطبيعي الذي يعيشونه، لذلك تقوم الجمعية بأنشطة دعم نفسي وإسعافات نفسية أولية للأطفال والكبار على حد سواء، بهدف تقديم المساعدة اللازمة لهم وخلق مساحة للتعبير عن مشاعرهم من خلال اللعب  والرسم والتواصل المباشر".

بالإضافة إلى ذلك، تسعى الجمعية "لتلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين، مع إيلاء اهتمام خاص بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة"، وتقول قصقص "يوفر فريقنا المتخصص خدمات مخصصة لهذه الفئة، وذلك بهدف ضمان حصولها على الرعاية اللازمة".

من جانبه يشير الكسار إلى الأوضاع الصحية للنازحين في البلدة، حيث "يعاني عدد منهم من حاجة ماسة إلى أجهزة التنفس والأوكسجين، من دون أي استجابة من الجهات المعنية رغم تدهور أوضاعهم الاقتصادية، مما يضاعف من معاناتهم"، معرباً عن قلقه من تفاقم الأزمة، "خاصة في ظل غياب خلية أزمة فعالة قادرة على التعامل مع الوضع".

وعن وضع الأطفال، يشير إلى أنه "يكفي أن الطفل ينتظر ساعتين لاستخدام دورة المياه في مركز الايواء، ولا يستطيع اللعب أو شراء الحلويات، فهم يعيشون حالة من الدمار النفسي".

مخاطر جسمية

تفيد تقديرات حكومية بنزوح نحو 400 ألف طفل، كما ذكرت "اليونيسف" في بيان، أمس الأربعاء، مشيرة إلى أن الأطفال يواجهون مخاطر شديدة، إذ إن "عدم توافر المياه الصالحة للشرب يعرّضهم للإصابة بأمراض منقولة عبر المياه، مثل الكوليرا والإسهال، والتي قد تؤدي إلى الجفاف والوفاة في حال غياب العلاج المناسب".

وأشار التقرير إلى أن "اليونيسف" تلقت تقارير حول انتشار حالات الجرب والقمل بين الأطفال في مراكز الإيواء، معربة عن قلقها من احتمال تفشي التهابات الجهاز التنفسي في الأسابيع المقبلة نتيجة انخفاض درجات الحرارة وزيادة الرطوبة.

وكان البيان المشترك الصادر عن برنامج الأغذية العالمي واليونيسف أضاء على مخاوف العائلات النازحة، حيث "لا يزال أفرادها يشعرون بعدم الأمان رغم فرارهم من الخطر المباشر. كما يعبر الأهالي عن قلقهم الكبير على سلامة أطفالهم، حتى في مراكز الإيواء"، وشدد البيان على "ضرورة توفير الحماية اللازمة لهم، وفقاً لما ينص عليه القانون الإنساني الدولي".

وفي هذا السياق، أعلنت لجنة الطوارئ الحكومية في بيان صدر الثلاثاء، أن جميع الأجهزة الأمنية تعمل على حفظ الأمن، بالإضافة إلى المساهمة في مساعدة النازحين من خلال توزيع المواد الغذائية والمحروقات، وحماية مراكز الإيواء، كما تقوم بمنع عمليات الاحتكار ومراقبة الأسعار وضبط الحدود.

كما أشارت إلى أنها تتولى مسؤولية استلام المساعدات الدولية وتوزيعها على النازحين وفق آلية واضحة وشفافة عبر المحافظات.

من جانبها أعلنت منظمة العمل الدولية، الاثنين، عن توسيع أنشطة برنامج التوظيف المكثف والبنى التحتية في لبنان (EIIP)، بتمويل من ألمانيا والمنظمة، استجابة للأزمة المتفاقمة في البلاد. يهدف البرنامج إلى تحسين الظروف المعيشية في الملاجئ الجماعية التي تستضيف النازحين، كالمرافق الأساسية مثل المطابخ والصرف الصحي، مع توفير "فرص عمل مقابل النقد" في إعادة تأهيل مباني مستخدمة كمراكز للإيواء.

كما تستهدف المبادرة الفئات الأكثر ضعفاً، بمن فيهم النساء وذوو الإعاقة، مع السعي لتعزيز الانتعاش الاقتصادي في مراحلها المقبلة. وتأتي هذه الجهود ضمن خطة الاستجابة الطارئة التي تشرف عليها لجنة الطوارئ التابعة للحكومة، بهدف التخفيف من آثار الحرب على السكان.

تفاقم التحديات

تتفاقم التحديات التي تواجه النازحين كما تشدد غنوي وذلك "بسبب العجز المادي، في ظل غياب مقدمي الخدمات المجهزين للتعامل مع مثل هذه الأزمات"، مشيرة إلى أن "الجمعيات الأهلية تبذل جهوداً كبيرة، لكن الواقع قد تغير بشكل جذري، ما جعل جهودهم غير كافية لمواجهة حجم الأزمة".

وتلعب المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية  دوراً مباشراً في تلبية احتياجات النازحين، وفق ما تقوله قصقص "وذلك بالتنسيق مع الجهات الحكومية المعنية"، موضحة أن "جمعية مفتاح الحياة تنسق بشكل مباشر مع خلية الأزمة، والنقابات، ووزارتي الشؤون الاجتماعية والصحة، بالإضافة إلى البلديات ضمن نطاق عملها، وذلك لضمان استجابة فعّالة".

وفي ذات السياق، تحذر غنوي من أن المبادرات الاجتماعية على مواقع التواصل، "رغم نبل أهدافها"، قد تتحول إلى سيف ذي حدين إذا لم تدار بشكل صحيح، موضحة أن "نشر المعلومات الشخصية للمحتاجين بشكل عشوائي، مثل الأسماء وأرقام الهواتف، يعرضهم للاستغلال، حيث تفتح المجال أمام المجرمين والمتحرشين لاصطياد ضحاياهم".

غنوي تشدد على ضرورة أن تتنبه الجمعيات والمنظمات الإنسانية إلى أهمية إدارة وتنظيم العمل التطوعي الإغاثي بشكل منهجي، وذلك من خلال "وضع نظام متكامل لحماية البيانات الشخصية في أي حملة أو مبادرة تهدف إلى تقديم المساعدة، فهذه الإجراءات، ضرورية لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون المساس بخصوصيتهم، ومنع تحول نوايا الخير إلى أداة للإيذاء".

أما الكسار فيقول "نحن في زمن حرب، وعلى الوزراء المعنيين التواصل فوراً مع البلديات والمخاتير والجمعيات في عكار لتوزيع الحصص الغذائية والمساعدات التي وصلت إلى المطار، والتي لا يجب أن يتم تأخير نقلها إلى المخازن لأيام قبل توزيعها، بل يجب توزيعها فوراً على النازحين. كما ينبغي أن يكون الخط الساخن فعالاً لتيسير التواصل بين البلدات النائية والوزارات المعنية. الوضع الاجتماعي بات صعباً، والمشاكل بدأت تظهر بشكل واضح، ما يهدد بتفاقم الجرائم، وهذا بالتأكيد ليس في مصلحة لبنان".

وكان منسّق لجنة الطوارئ الحكومية، الوزير ناصر ياسين، كشف أن "لبنان استقبل في الأيام الأخيرة أكثر من 32 طائرة من دول شقيقة وصديقة وباخرة تركية تحمل مساعدات، معظمها طبية تتولى وزارة الصحة العامة توزيعها، بينما تشمل المساعدات الغذائية أكثر من 13 ألف حصة".

وبيّن ياسين خلال مؤتمر صحفي عقده مع وزير الصحة فراس الأبيض، الثلاثاء، أن توزيع المساعدات الغذائية يتم وفق آلية محددة، تبدأ بتسليمها إلى المحافظات حيث توجد غرف عمليات للتنسيق مع الأقضية واتحادات البلديات، ويتم التوزيع بناء على أوامر ووثائق استلام تنشر فوراً على منصة رئاسة الوزراء لضمان الشفافية. وأضاف أن العمل لا يزال في بدايته، مشيراً إلى أن لبنان تلقى حتى الآن 10% فقط من احتياجاته.

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".