People fleeing Israeli bombardment in Lebanon, carry their belongings as they prepare to continue their journey on foot along a…
يشهد لبنان أزمة إنسانية كبيرة نتيجة النزوح الكبير الناتج عن التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل.

في خضم الأزمة الإنسانية التي يشهدها لبنان نتيجة النزوح الكبير الناتج عن التصعيد العسكري بين حزب الله وإسرائيل، والذي أجبر نحو 1.4 مليون شخص على الفرار من منازلهم، ولجوء 190,882 نازحاً (44,121 عائلة) إلى مراكز إيواء، برزت أزمة صحية جديدة مع إعلان وزارة الصحة اللبنانية عن تسجيل أول حالة إصابة بالكوليرا، لإمرأةمن بلدة السمونية في عكار.

دق تسجيل الإصابة الأولى بالكوليرا ناقوس الخطر للسلطات اللبنانية، التي سارعت إلى إعلان تفعيل "الخطة الوطنية للكوليرا" لمكافحة أي انتشار محتمل للوباء.

يأتي هذا التحدي الجديد ليزيد من الأعباء التي يرزح تحتها لبنان، في ظل الوضع الصحي الهش وصعوبة تأمين الخدمات الأساسية للنازحين، مثل المياه النظيفة وشبكات الصرف الصحي، ما يوفر بيئة مثالية لانتشار الأمراض المعدية، ويشكل خطراً على صحة المواطنين.

يذكر أنه في أكتوبر 2022، أعلن لبنان عن تسجيل أول حالة إصابة بمرض الكوليرا منذ عام 1993، وفي يونيو 2023، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية انتهاء انتشار الوباء، مشيرة إلى أنه لم يتم تسجيل أي إصابة جديدة منذ نهاية فبراير من العام نفسه.

والكوليرا، كما تعرّفها منظمة الصحة العالمية هي "عدوى إسهالية حادة تتسبب فيها بكتيريا ضمة الكوليرا، وتنجم في أغلب الأحيان عن شرب مياه ملوثة أو تناول طعام ملوث، وهي تتسبب في وفاة ما بين 21 ألفاً و143 ألف شخص سنوياً حول العالم".

استنفار رسمي

هددت "الكوليرا لبنان عدة مرات في السنوات الأخيرة"، كما يقول النائب في البرلمان اللبناني وأخصائي الأمراض المعدية، الدكتور عبد الرحمن البزري، لافتاً إلى أنه "في عام 2022، شهدت البلاد نوعاً من الوباء الذي تم احتواؤهبسرعة بفضل التعاون بين وزارة الصحة والمنظمات الدولية والمجتمع الأهلي اللبناني، وذلك عبر حملة تلقيح منظمة وواسعة، وقبل حوالي شهرين نظمت حملة تلقيح جديد في المناطق اللبنانية المعرضة للخطر، وذلك بعد ورود أنباء عن عودة الكوليرا إلى سوريا".

الحالة التي ظهرت مؤخرا كانت في إحدى بلدات شمال لبنان التي تعد وفق ما يقوله البزري لموقع "الحرة"، "من المناطق المعرضة أساساً لهذه البكتيريا"، موضحاً أن المواطنة المصابة لم تكن قد حصلت على اللقاح، "بسبب عدم وصول حملات التلقيح إلى بلدتها".

ويؤكد البزري على "ضرورة احتواء هذه الحالة بسرعة، وإجراء تحقيق وبائي لمعرفة كيفية اصابتها، خاصة وأنها امرأة مسنّة ولا تتعرض للاختلاط". 

وبعد تأكيد أول إصابة بالعدوى البكتيرية الحادة في ظل الحرب بين إسرائيل وحزب الله، كشف وزير الصحة الدكتور فراس الأبيض أن "الفرق التابعة لبرنامج الترصد الوبائي قامت برصد شامل لبلدة السمونية والمخالطين والمياه والصرف الصحي، وتم أخذ عينات من المياه التي يتم استخدامها في المنطقة ومن مخيمات النزوح، ولم تظهر الفحوصات حتى الآن أي نتيجة إيجابية. ورغم ذلك تم تجييش كل الفرق والكل موجود على الأرض من أجل تحديد مصدر الإصابة، حيث سيتم إعلام الرأي العام بذلك حرصاً على الشفافية".

ولفت الأبيض خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الجمعة، إلى أن "الجهود مستمرة مع الشركاء لفحص كل مصادر المياه في المنطقة فضلاً عن التأكد من وجود الكلورين لتنقية المياه والمازوت لتأمين عمل المضخات. كما حصل تذكير للمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية بكيفية التصرف في حالة الكوليرا والكل يعرف ذلك نظراً للتجربة السابقة قبل سنتين"، وقال الأبيض "نحن في أعلى درجة من الجهوزية في حال حصل أي انتشار للوباء".

"القلق قد يأتي من اكتظاظ مراكز الإيواء وعدم توفر الكمية اللازمة من المياه"، كما أشار وزير الصحة، وقال إن "أعداد النازحين كبيرة وغالبيتهم من الجنوب، ولم تكن الوزارة قد قامت بحملة تلقيح قبل سنتين لعدم اعتبار الجنوب حينها منطقة معرضة لخطر انتشار الوباء".  لافتاً إلى إن الوزارة "مدركة لهذا الوضع وتبذل كل الجهود لضبطه بسرعة".

إلى أي مدى الخطر؟

حذرت منظمة الصحة العالمية، الأربعاء، من أن خطر تفشي الكوليرا في لبنان "مرتفع جدا" بين مئات الآلاف من الذين نزحوا، وقال ممثل المنظمة في لبنان عبد الناصر أبو بكر، للصحافيين خلال مؤتمر صحافي عبر الفيديو "في حال وصلت فاشية الكوليرا  إلى النازحين الجدد، قد يكون انتشارها سريعا".

وأضاف أبو بكر أن المنظمة التابعة للأمم المتحدة حذرت منذ أشهر من أن المرض قد يعاود الظهور في ظل "تدهور حالة المياه والنظافة" بين النازحين ومجتمعاتهم المضيفة.

وكان عدد النازحين قد بدأ بالارتفاع حتى ما قبل التصعيد الشهر الماضي، حيث كان حزب الله يتبادل إطلاق النار عبر الحدود مع إسرائيل "إسنادا لغزة" منذ اندلاع الحرب بين الدولة العبرية وحركة حماس في القطاع الفلسطيني في السابع من أكتوبر 2023.

ورغم أنه جرى تطعيم النازحين في شمال لبنان مؤخراً، حذر أبو بكر من أن بعض مجموعات النازحين التي انتقلت من جنوب لبنان ومنطقة بيروت لم تكتسب أي مناعة ضد الكوليرا منذ ثلاثة عقود.

وقال رئيس منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس للصحافيين إن المنظمة عززت "المراقبة" و"التعقب"، بما في ذلك "المراقبة البيئية وأخذ عينات من المياه".

وأضاف أن وزارة الصحة اللبنانية أطلقت في أغسطس حملة تطعيم ضد الكوليرا تستهدف 350 ألف شخص يعيشون في مناطق مرتفعة الخطورة، لكنها "توقفت بسبب تصاعد العنف".

لكن البزري يعتبر أنه "حتى الآن لا داعي للقلق أو الخوف من انتشار الكوليرا لأن هناك ترصداً وبائياً من قبل وزارة الصحة والمجتمع الدولي ولجنة الأمراض الجرثومية، الذين يراقبون الوضع عن كثب".

وفي ذات الوقت يشدد على أن الأمر يتطلب "الانتباه الشديد إلى سلامة المياه والغذاء، لاسيما وأن الوضع في لبنان يحتوي على بيئة حاضنة ومؤهلة لانتشار الأمراض المعدية". 

رصد سابق

بهدف رصد وجود أي تلوث ببكتيريا الكوليرا، قامت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني في سبتمبر 2024 بأخذ عينات من سبع نقاط في الحوض الأعلى للنهر، شملت مناطق شتورة (تجمع صرف صحي)، ونقاط نهر الليطاني عند جسر الدلهمية، نهر البردوني، جسر المرج، نهر الغزيل جسر الروضة، وجسر جب جنين، إضافة إلى بحيرة القرعون.

وقد أظهرت نتائج التحليل، كما يؤكد رئيس المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، الدكتور سامي علوية، "وجود تلوث بالمياه في موقعين رئيسيين: الأول في تجمع الصرف الصحي في شتورة بالبقاع، والثاني في نقطة نهر الليطاني عند جسر الدلهمية في زحلة بالبقاع. وأشارت التحاليل إلى أن نسبة وجود بكتيريا القولونية المتحملة للحرارة تجاوزت المليون مستعمرة في 100 ملليلتر من مياه النهر، وهو ما يؤكد تلوث المياه بالصرف الصحي".

ويوضح علوية في حديث لموقع "الحرة" أن "وصول بكتيريا الكوليرا إلى المياه السطحية يؤدي إلى انتشارها بسرعة في جميع النقاط، مما يهدد بشكل جدي صحة سكان الحوض الأعلى لنهر الليطاني، مع العلم أن هاتين النقطتين قد شهدتا تلوثاً بالكوليرا أيضاً خلال تفشي الوباء في عام 2022".

وكانت منظمة "اليونيسيف" قد حذّرت من أن "الأطفال في لبنان يتعرضون لخطر متزايد فيما يتعلق بقضايا الصحة والحماية، بما في ذلك الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا والتهاب الكبد الوبائي والإسهال، إذ يعرّض القصف المستمر في البلاد الخدمات الأساسية التي تعتمد عليها العائلات للتعطيل والضرر بشكل متزايد".

وأضافت في بيان صدر الأربعاء، أنه " في الأسابيع الأخيرة، تضرر ما لا يقل عن 28 منشأة مياه بسبب النزاع، مما أثر على إمدادات المياه لأكثر من 360 ألف شخص، معظمهم في جنوب البلاد. ومع ذلك، من المرجح أن يكون الحجم الحقيقي للأضرار التي لحقت بشبكات المياه أكبر، إذ لا يمكن للفرق الفنية الوصول إلى العديد من المناطق المتضررة لتقييم الأضرار، وإيصال الوقود وإجراء الإصلاحات الضرورية".

ولفتت إلى "تزايد احتمال انتشار أمراض أخرى بين العائلات النازحة خاصة في المناطق المزدحمة التي تفتقر إلى إمدادات النظافة وخدمات الصرف الصحي"، موضحة أنها "تلقّت تقارير عن حالات إصابة بالجرب والقمل بين الأطفال في أماكن الإيواء، وهناك قلق إزاء خطر انتشار التهابات الجهاز التنفسي في الأسابيع المقبلة مع ازدياد البرودة والرطوبة".

تحذير من تفشي المرض

لا تظهر أي أعراض على معظم الأشخاص المصابين ببكتيريا "ضمة الكوليرا"، كما تشير منظمة الصحة العالمية، وذلك "على الرغم من وجود البكتيريا في برازهم لمدة تتراوح بين يوم و10 أيام بعد الإصابة. وفي هذه الفترة، تنثر البكتيريا في البيئة المحيطة، مما قد يؤدي إلى إصابة أشخاص آخرين".

وتبيّن المنظمة أن معظم الأشخاص الذين يصابون بالمرض يعانون من أعراض خفيفة أو معتدلة، "وتستغرق الأعراض ما بين 12 ساعة و5 أيام للظهور. وفي حالات قليلة، يصاب المرضى بإسهال مائي حاد يترافق مع تجفاف شديد، مما قد يؤدي إلى الوفاة إذا لم يتم علاجهم بسرعة".

أما الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالكوليرا، فهم بحسب البزري "أولئك الذين يتعرضون للمياه أو الغذاء الملوث، أو الذين يعيشون في مناطق ينتشر فيها الوباء، بالإضافة إلى الذين يختلطون مع أشخاص مصابين بالعدوى".

ويشرح البزري أن "المسنين والأطفال هم الأكثر عرضة للمضاعفات الصحية الناتجة عن الكوليرا، حيث تكون العدوى لديهم أكثر خطورة، إذ قد تؤدي إلى إسهال شديد يتسبب في تجفاف الجسم، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل فشل الكلى أو فشل أعضاء حيوية أخرى".

وفي ذات السياق، يحذّر علوية من خطر عودة انتشار الكوليرا في حال استمرار تلوث المياه بالصرف الصحي، مشدداًعلى أن "الفشل في توفير مياه نظيفة ومرافق صرف صحي ملائمة يضاعف خطر تفشي المرض، خاصة في الأحياء الفقيرة والمخيمات التي تفتقر للبنية التحتية الأساسية ومراكز الإيواء".

من جانبه كشف الأبيض عن بدء المشاورات مع منظمة الصحة العالمية لتأمين كمية كافية من اللقاحات لتنفيذ حملة تلقيح، مشيراً إلى أن الحصول على اللقاح ليس بالأمر السهل، خصوصاً في ظل انتشار وباء الكوليرا في ثلاثين بلداً حول العالم، معرباً عن أمله في أن يكون لبنان من بين الدول التي ستتمكن من الحصول على ما تحتاجه من اللقاحات اللازمة لمواجهة هذا التهديد الصحي.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".