المبادرة الأميركية تدعم وقف إطلاق النار في لبنان - صورة لوكالة رويترز
المبادرة الأميركية تدعم وقف إطلاق النار في لبنان - صورة لوكالة رويترز

حث رئيس الوزراء اللبناني، نجيب ميقاتي، المجتمع الدولي على التحرك من أجل إبرام وقف لإطلاق النار في بلاده، وذلك في كلمة أمام مؤتمر دولي في باريس لدعم بيروت.

وشدد ميقاتي على أن حكومته لا تزال تدعم مبادرة أميركية فرنسية لوقف إطلاق النار 21 يوما، مؤكدا أنه يمكن نشر 8 آلاف جندي إضافي في الجنوب في إطار وقف إطلاق النار

وقال ميقاتي إن لبنان يدعو "المجتمع الدولي إلى التكاتف ودعم الجهود التي من شأنها إنهاء الاعتداءات المستمرة وفرض وقف فوري لإطلاق النار".

ويقول، خطار أبو دياب أستاذ العلاقات الدولية، في حديث لقناة "الحرة" من باريس إن هناك محاولات لتمرير المبادرة الأميركية - الفرنسية سيما وأن إسرائيل "لم تعلن رفضها من جهة، وحزب الله لم يعلن رسميا الموافقة عليها من جهة أخرى، فالطرفان يراوغان لتحقيق المزيد من المكاسب في المعركة".

وأضاف أبو دياب أن مصير هذه المبادرة "سيكون مثل سابقاتها بدون تنفيذ"، والمهم برأيه الان هو "إيجاد مخرج" لهذه الأزمة ومن يبدأ بوقف إطلاق النار.

 وأوضح أن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، يحاول أن "يمسك العصا من الوسط" من خلال إدانته لإيران ودعمها لحزب الله من جهة، وإدانة إسرائيل وعملياتها العسكرية التي خلفت مئات الضحايا.

ويقول أبودياب إن هناك مأزقا في لبنان، ومؤتمر باريس غير قادر على حله، مستبعدا أن تطرح مقترحات قابلة للتنفيذ، "فالعبرة ليس بفترة مؤقتة لإطلاق النار بل وضع أسس وآليات واضحة لإنجاح لحسم الصراع".

وقد لا يكون جمع مبلغ 800 مليون دولار لصالح الحكومة اللبنانية في الحرب الدائرة هو الحدث الأبرز في مؤتمر دعم لبنان الذي عقد في باريس الخميس، بالرغم من حاجة البلاد لتلك الأموال في ظل استمرار الحرب الدائرة.

فأهمية المؤتمر تكمن بحسب مصادر دبلوماسية في إعادة تجديد الثقة بالمبادرة الأميركية الفرنسية لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله وهو الأمر الذي أكده وزير الخارجية الفرنسي الذي شدد على أن هذه المبادرة لا تزال تشكل الأساس للوصول إلى الهدنة المرجوة.

وهذه المبادرة شكلت المنطلق الرئيسي لمؤتمر باريس الذي غاب عنه وزراء خارجية الدول التي تشكل ثقلا في الملف اللبناني، خصوصا أن الورقة الختامية للمؤتمر أعادت التذكير ببنود المبادرة المتعلقة بوقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع تطبيق قرار مجلس الأمن ألف وسبعمئة وواحد الذي يدعو إلى أن يكون جنوب لبنان خاليا من أي قوات أو أسلحة غير تلك التابعة للدولة اللبنانية.

وإعادة تعويم المبادرة الفرنسية الأميركية بهذا الشكل الجديد، تأتي بعدما غابت عن التداول منذ اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الشهر الماضي لصالح مطالب إسرائيلية أكثر تطرفا حملها المستشار الأميركي لشؤون الطاقة العالمية آموس هوكستين إلى المسؤولين اللبنانيين في زيارته الأخيرة قبل أيام.

وبحسب مصادر الحرة، فإن الورقة التي حملها هوكستين تنص على تعديل نص مقدمة القرار 1701 لجعله قرارا يهدف إلى إحلال السلام على الحدود بين لبنان وإسرائيل ومنع أي وجود مسلح في المناطق اللبنانية القريبة من هذه الحدود، كما طلبت توسيع النطاق الجغرافي لسلطة القرار الدولي، إلى شمال نهر الليطاني بمسافة عدة كيلومترات على أن تزيد عدد القوات الدولية العاملة ضمن قوات حفظ السلام.

وتشير تلك المصادر كذلك إلى أن من المطالب الإسرائيلية التي لقيت رفضًا لبنانيا صارما كذلك حرية العمل العسكري للتأكد من خلو الجنوب من سلاح حزب الله، والتدخل الجوي الدائم للمراقبة والإنذار المبكر.

حزب الله والسلاح الفلسطيني

لبنان يتغير.

سقط النظام السوري. خسر حزب الله حربا جديدة مع إسرائيل. والدولة تبدو جادة في سحب سلاح الحزب.

لكن يظل سلاح آخر، سلاح التنظيمات الفلسطينية في لبنان، وهو أقدم من سلاح حزب الله، وربما يكون ورقة يستخدمها الحزب في مستقبل صراعاته داخل الحدود، وخارجها، وفق محللين.

نظام سقط وجيش تحرك

بعد سقوط نظام بشار الأسد وراء الحدود، في سوريا الجارة، شن الجيش اللبناني ما سماها عملية "إجهاز" على كل المراكز المسلحة خارج المخيمات الفلسطينية، في قوسايا والسلطان يعقوب وحشمش في البقاع شرق لبنان، وهي مراكز كان يدعمها نظام الأسد.

وأعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن الجيش تسلم ستة مواقع فلسطينية وضبط ما فيها من أسلحة ومعدات.

لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أعلنت، من جانبها، خلو لبنان من أي سلاح فلسطيني خارج المخيمات.

لكن، ماذا عن السلاح داخل المخيمات؟

موقف الحكومة واضح. البيان الوزاري الصادر في السابع عشر من أبريل أكد التزامها ببسط سيادة الدولة على جميع أراضيها "بقواها الذاتية حصراً".

لكن المحلل السياسي اللبناني علي الأمين يقول لـ"الحرة" إن السلاح وإن كان سحب بالفعل من قوات فلسطينية في المناطق اللبنانية كلها، لكن تظل هناك أسلحة في مراكز لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في مناطق تابعة لنفوذ حزب الله خصوصاً في ضاحية بيروت الجنوبية.

ويتحدث الأمين عن خلايا لحماس والجهاد الإسلامي "تحت حصانة وإدارة حزب الله ولا تزال موجودة حتى اليوم وتعمل بغطاء من الحزب وتحت إدراته". لكن الأسلحة الموجودة في هذه المراكز من النوعية المتوسطة مثل صواريخ 107 وصواريخ كاتيوشا وبعض المسيرات.

تاريخ إشكالي

منذ عقود، وملف السلاح الفلسطيني له دور محوري في توازنات لبنان، داخليا بين أقطابه السياسية، وخارجيا في علاقاته مع الإقليم.

اتفاق القاهرة الموقع عام 1969 سمح للفلسطينين بالتسلح ضمن المخيمات، والعمل عسكريا ضد إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية.

بعد سنوات قليلة، عام 1975، كان الاتفاق فتيلة أخرى أدت لانفجار الحرب الأهلية.

وفي يونيو 1987، وقع الرئيس اللبناني أمين الجميل، قانوناً يلغي اتفاق القاهرة مع منظمة التحرير، بعدما صوت البرلمان اللبناني على إلغائه.

لكن ظل السلاح الفلسطيني موجوداً. وخاض فلسطينيون معارك ضد جهات لبنانية وغير لبنانية. لكن دوره في المعارك مع إسرائيل ظل محدودا بعد ما استأثر بها حزب الله منذ بداية الثمانينات.

يعيش في لبنان، حسب تقرير للدولية للمعلومات، حوالي 300 ألف لاجئ فلسطيني، يتوزعون على 12 مخيما، أكبرها مخيم عين الحلوة (50 ألف نسمة) قرب صيدا، جنوب لبنان.

وتنشط عسكريا في لبنان حركة "فتح"، أقدم الحركات الفلسطينية، ولرئيسها محمود عباس موقف معلن يؤيد تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات للدولة اللبنانية ضمن خطة أمنية واضحة وضمانات لحماية المخيمات.

تنشط كذلك حركة "حماس"، وهي حليفة لحزب الله، وتعرض عدد من قياداتها لاستهداف إسرائيلي في لبنان منذ اندلاع حرب غزة، أبرزهم صالح العاروري، الذي اغتالته إسرائيل في ضربة بالضاحية الجنوبية لبيروت في الثاني من يناير عام 2024، وحسن فرحات الذي اغتيل في الرابع من أبريل 2025 في صيدا.

وفي لبنان أيضا، نشطت "الجبهة الشعبية– القيادة العامة"، وهو فصيل احتفظ بمواقع عسكرية في البقاع بدعم سوري.

وينشط أيضا تنظيمان سلفيان هما "عصبة الأنصار" و"جند الشام"، ويتركزان في مخيم عين الحلوة ويُعدان من بين الأكثر تطرفاً.

كذلك، في السنوات الأخيرة، ظهرت تنظيمات عصابية مسلحة في غير مخيم تنشط في تجارة المخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية.

"خرطوشة أخيرة"

تقدر مصادر أن 90 في المئة من السلاح في المخيمات هو سلاح فردي، لكن بعض المخازن تحتوي على ذخيرة من الصواريخ.

وتتولى لجان فلسطينية أمن المخيمات.

وتؤكد مصادر فلسطينية أن الجيش يسيطر بشكل كامل على مداخل هذه المخيمات ومخارجها في المناطق اللبنانية كافة، لكن لا سيطرة فعلية له بعد داخل هذه المخيمات.

يقول المحلل السياسي علي الأمين إن السلاح الموجود داخل المخيمات أو المراكز الأمنية القليلة المتبقية خارجه مرتبط بشكل كبير بسلاح حزب الله.

يضيف "الفصائل الفلسطينية الأساسية والرئيس الفلسطيني محمود عباس لا مانع لديهم من تسليم السلاح الموجود داخل المخيمات"، لكن حزب الله والأحزاب الموالية له ترفض تسليم هذه الأسلحة للتمسك بورقة ضغط على الحكومة اللبنانية واستعمالها كـ"خرطوشة أخيرة قبل الاستسلام".

ويرى الأمين أن سحب السلاح من المخيمات مرتبط بشكل وثيق بسلاح حزب الله وأن الأخير يقوم بإدارة ومراقبة هذا السلاح خصوصاً التابع لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الموجود داخل المخيمات وخارجها كون الحزب كان المصدر الأساسي لهذه الأسلحة في مرحلة سابقة.

شمال الليطاني

حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية لم يعد مطلبا دوليا فقط.

على وقع قرارات دولية (1701 و1559)، وبالتزامن مع إعادة طرح قانون بايجر 6 في الكونغرس مرة ثانية في مارس 2025، أعلن الجيش اللبناني أنه ضبط منطقة جنوب الليطاني، وسيطر على أكثر من 500 هدف ونقطة كانت تابعة لـ "حزب الله".

واليوم تتجه الأنظار إلى شمال الليطاني والخطوة التالية التي ستتخذ لضبط السلاح، كل السلاح، في لبنان.