القوات الإسرائيلية داخل مناطق في الجنوب اللبناني (رويترز)
القوات الإسرائيلية داخل مناطق في الجنوب اللبناني (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي،  الجمعة، مقتل خمسة من جنوده في معارك ضد حزب الله في جنوبي لبنان، وذلك بعد الكشف بوقت متأخر الخميس عن مقتل خمسة آخرين في معارك على الجبهة اللبنانية أيضا.

وذكرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" أن بيان الجمعة تحدث عن مقل خمسة أفراد من الجيش بصاروخ مضاد للدروع في جنوبي لبنان، خلال تلقي الجنود إمدادات لوجستية.

كما كشف البيان عن إصابة 19 آخرين من بينهم 4 جنود في حالة خطيرة.

وأشار الجيش في بيان، الخميس، إلى مقتل 4 جنود احتياط وإصابة 6 آخرين خلال اشتباكات مع عناصر حزب الله، مساء الأربعاء، جنوبي لبنان.

وأضاف الجيش أن جنديا آخر قتل خلال التوغل البري للقوات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني، الخميس.

وارتفع بذلك عدد العسكريين الإسرائيليين الذين قتلوا خلال المعارك في جنوب لبنان منذ بدء العملية البرية في سبتمبر، إلى ٣٢ جنديًا، وفقا لإحصاء أعدته وكالة فرانس برس استنادا إلى بيانات عسكرية رسمية.

يأتي ذلك في وقت واصل فيه حزب الله، الجماعة المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، إطلاق صواريخ نحو مناطق إسرائيلية.

ودوت صافرات إنذار في مناطق واسعة في إسرائيل، بما في ذلك مدينة قيساريا التي يوجد فيها المنزل الخاص لرئيس الحكومة بنيامين نتانياهو، الذي استُهدف قبل حوالي أسبوعين.

وأشار الجيش الإسرائيلي إلى أنه بعد إطلاق صافرات الإنذار بوقت سابق، الجمعة، في الجليل الأعلى وخليج حيفا، تم رصد نحو 5 عمليات إطلاق عبرت من الأراضي اللبنانية، تم اعتراض بعضها. كما تم رصد سقوطها في مناطق مفتوحة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نجح في "تصفية قائد قطاع عيترون في وحدة الرضوان التابعة لحزب الله المدعو عباس عدنان مسلم وعشرات المسلحين الآخرين"، في جنوب لبنان.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر أيضًا بيانات الليلة الماضية، طالب فيها سكان مناطق مختلفة في الضاحية الجنوبية بالعاصمة اللبنانية بيروت، إلى الابتعاد لمسافة لا تقل عن 500 متر، بدعوى أنهم "يتواجدون بالقرب من منشآت ومصالح تابعة لحزب الله حيث سيعمل ضدها" الجيش الإسرائيلي.

والمواقع التي شملتها التحذيرات، هي شويفات العمروسية وحارة حريك وبرج البراجنة والحدث، وفق خريطة نشرها المتحدث باسم الجيش، أفيخاي أدرعي، على منصة "إكس".

مقتل صحفيين

قالت الوكالة الوطنية للإعلام (رسمية في لبنان)، الجمعة، إن 3 صحفيين قتلوا إثر غارات إسرائيلية على "مقر إقامتهم في حاصبيا"، الواقعة على بعد نحو 50 كيلومترا جنوب بيروت.

وعلق وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، زياد المكاري، على الغارة بالقول، إنها "اغتيال بعد رصد وتعقب، إذ كان في المكان 18صحفياً يمثلون 7 مؤسسات إعلامية"، واصفا ما حدث بأنه "جريمة حرب".

وأوضح أن القتلى هم "غسان نجار ومحمد رضا ووسام قاسم"، موضحًا أنهم يعملون لصالح قناتي الميادين والمنار.

وأشارت الوكالة الوطنية إلى أن الطيران الإسرائيلي "شن سلسلة غارات استهدفت الضاحية الجنوبية (للعاصمة بيروت) ليلا، بدءا بمنطقة الشويفات العمروسية، مرورا بحارة حريك ومنطقة سانت تيريز، وصولا إلى محيط برج الراجنة، كانت أعنفها في الشويفات العمروسية حيث دمّرت مبنيَين وأشعلت حريقا كبيرا، وغطت سحب الدخان الأسود" المنطقة.

كما "تسببت غارة استهدفت منطقة سانت تيريز، بانهيار مبنيَين قرب المجلس الدستوري"، وفق الوكالة.

وذكرت الوكالة أيضا أن الطيران الإسرائيلي شن غارة على معبر جوسيه - القاع على الحدود اللبنانية السورية، مما أدى لإقفاله.

من جانبه، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، الخميس، إن هناك احتمالا لبلوغ "نهاية حاسمة" للصراع مع جماعة حزب الله في لبنان.

وأوضح هاليفي في بيان مصور من عملية تقييم أمني في قطاع غزة: "في الشمال، هناك احتمال للتوصل إلى نهاية حاسمة. لقد قمنا بتفكيك سلسلة القيادة العليا لحزب الله بشكل كامل".

ونقلت "هيئة البث الإسرائيلية"، الخميس، عن مصدر مطلع، أن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، "طلب خلال لقاءاته في إسرائيل، عدم استهداف العاصمة اللبنانية بيروت بشكل يومي".

وأضاف المصدر أن "الضغط الأميركي بشأن الضربات الجوية في العاصمة اللبنانية"، الذي انعكس أيضًا خلال محادثة الرئيس جو بايدن مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، دفع الأخير إلى "إصدار تعليمات مفادها بأن أي هجوم في بيروت، سيكون خاضعًا لموافقته المباشرة قبل تنفيذه". 

وبدأت إسرائيل هجماتها في لبنان الشهر الماضي بعد عام تقريبا على بدء مناوشات عبر الحدود بين حزب الله والقوات الإسرائيلية.

وقتل منذ ذلك الحين، 1552شخصا على الأقل جراء الضربات الإسرائيلية على لبنان، وفق حصيلة أعدتها فرانس برس بناء على بيانات وزارة الصحة، رغم أنه يرجح بأن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك بكثير.

وتسببت الغارات المستمرة بإصابة أكثر من 10 آلاف شخص بجروح، ونزوح وتشريد نحو مليون و500 ألف شخص، حسب فرانس برس.

وتقول إسرائيل إن عملياتها في لبنان تستهدفحزب الله، وتسعى لإعادة مئات الآلاف من سكان الشمال إلى مناطقهم التي نزحوا منها منذ بداية الحرب، بسبب الاشتباكات المستمرة مع الجماعة اللبنانية الموالية لإيران.

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.