تعيش الضاحية الجنوبية لبيروت هدوءا نسبيا، صباح الأحد، بعد ليلة شهدت فيها سلسلة من الغارات تواصلت على مدى ساعتين، استهدف خلالهما الطيران الحربي الإسرائيلي الضاحية بثماني غارات عنيفة تردد صدى دوي انفجارات بعضها في مناطق لبنانية مختلفة وفق شهود عيان.

وأشارت مصادر أمنية إلى أن عشرات المباني سويت بالأرض في مناطق الجاموس وبرج البراجنة والحدث وحارة حريك.

وفي ساعات الفجر نفذ الطيران الحربي سلسلة غارات استهدفت بلدة شمسطار وأطرافها في البقاع بشرق لبنان.

ومنذ الساعات الأولى من فجر الأحد شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات شملت مناطق في البرج الشمالي، القليلة، المعلية، يارين، والسماعية في قضاء صور، وفق مصدر أمني. 

لاحقا، وفي جنوب لبنان، شنّ طيران الحربي الإسرائيلي غارات غارة على بلدة مجدل سلم ويحمر الشقيف وأنصار، وأغار الطيران المسير على بلدة الكفور كما أغار الطيران الحربي على بلدة دير ميماس في القطاع الشرقي.

 وأدت الغارات الجوية التي تعرضت لها بلدة النبطية الفوقا منتصف الليل إلى تدمير كبير بحارة الساحة القريبة من النادي الحسيني، والتي تضم منازل تراثية قديمة ودمرتها بالكامل "وحولت الحي المستهدف الى ركام"، وأفيد عن مقتل شخصين.

 وأفادت مصادر طبية عن مقتل خمسة أشخاص في الغارة التي استهدفت صباح الأحد بلدة الشهابية في قضاء صور، وأدت إلى تدمير منزل مأهول بالسكان. 

وأفادت الوكالة اللبنانية للإعلام، بأن الطائرات الحربية أغارت، صباح اليوم، على بلدة يحمر الشقيف في قضاء النبطية مستهدفة منزلين ودمرتهما، كما أدى القصف إلى تدمير جزئي لأحد المنازل من دون وقوع إصابات.

وأغار الطيران الإسرائيلي على بلدة دبين في قضاء مرجعيون القطاع الشرقي، وفقا للمصدر ذاته.

تحذير من الهزات الأرضية

وكان الجيش الإسرائيلي فجر مباني، خلال الساعات الماضية، في بلدتي دير سريان والعديسة في القطاع الشرقي للجنوب اللبناني، وسجلت ارتجاجات أرضية شعر بها سكان البلدات المجاورة على جانبي الحدود، ظناً منهم أنها هزة أرضية.

كذلك، فجر الجيش الإسرائيلي مبان في أحياء قريبة من الشريط الشائك في بلدة العديسة.

وهذه التفجيرات دفعت الخبير الجيولوجي والباحث في علم الزلازل، طوني نمر، للتحذير عبر حسابه على منصة أكس من أن التفجيرات في العديسة التي فعّلت أجهزة رصد الهزات الأرضية شمال إسرائيل، خطيرة لجهة موقعها إلى الشمال من منخفض الحولة، حيث ينفصل فالق البحر الميت إلى فالقي اليمونة وروم.

 

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.