نزوح جماعي من بعلبك في لبنان بسبب الغارات الإسرائيلية (فرانس برس)
نزوح جماعي من بعلبك في لبنان بسبب الغارات الإسرائيلية (فرانس برس)

بدأ سكان في مدينة بعلبك اللبنانية حركة نزوح، الأربعاء، بعد إنذارات إسرائيلية بالإخلاء قبل "استهداف عناصر ومنشآت تابعة لحزب الله" اللبناني.

وقال مصدر أمني لقناة الحرة، إن هناك حركة نزوح للسكان بعد إنذارات وجهها الجيش الإسرائيلي لسكان في بعلبك وعين بورضاي وإيعات ودورس، طالبهم فيها بالإخلاء.

وأصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا إلى سكان تلك المناطق، الأربعاء، قال فيه إنه "سيعمل بقوة ضد مصالح حزب الله داخل مدينتكم وقراكم"، مضيفًا أن على السكان "إخلاء المنازل فورا والانتقال خارج المدينة والقرى".

وقال رئيس بلدية بعلبك مصطفى الشل، في حديث تلفزيوني، الأربعاء،إن "حركة نزوح كبيرة تسجل من مدينة بعلبك"، موضحا أن هناك "حوالي  ١٠٠ ألف نازح من بعلبك فقط، والأجهزة الأمنية المختصة تقوم بتأمين النزوح".

وأبدى رئيس البلدية مخاوفه على قلعة بعلبك الأثرية من الاستهداف. ولم تسجل حركة نزوح إلى داخل القلعة لأنها تحت حراسة الجيش ومديرية الآثار.

من جانبه، وجه محافظ البقاع، بشير خضر، نداء إلى النازحين عبر صفحته على تطبيق "إكس"، قائلا: "إلى أهلي في مدينة بعلبك ومحيطها، بعد الإنذارات الإسرائيلية، أرجو منكم التوجه إلى إحدى الوجهتين: عرسال أو إلى محافظة الشمال عن طريق عيناتا-الأرز"، مشددا على ضرورة عدم التوجه إلى القلعة "لأنها ليست آمنة".

واستهدفت غارات إسرائيلية خلال الساعات الأخيرة قضاء صيدا بالجنوب اللبناني، مما أسفر عن مقتل 15 شخصًا حتى الآن، وفق الدفاع المدني. كما تواصل فرق البحث والإنقاذ عملها وسط الأنقاض.

وتواصلت الضربات على مناطق مختلفة في لبنان، حيث أعلن مصدر أمني لبناني عن سقوط قتيلين إثر استهداف سيارة في بعبدا بمحافظة جبل لبنان في الجنوب.

ونقلت مراسلة الحرة عن مصدر أمني، أن غارتين إسرائيليتين استهدفتا بلدة النبطية، جنوبي لبنان.

كما شن الطيران الإسرائيلي 10 غارات على بلدة الخيام في الجنوب اللبناني منذ صباح الأربعاء، وتسببت باندلاع عدة حرائق.

وتواجه البلدة محاولات توغل للقوات الإسرائيلية تحت غطاء ناري مكثف من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية الثقيلة والأسلحة الرشاشة، وفق المصدر الأمني.

وأعلن الجيش الإسرائيلي من جانبه، بوقت سابق الأربعاء، أن طائراته الحربية أغارت "خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة على أكثر من 100 هدف إرهابي لحزب الله في أنحاء لبنان".

وكانت وزارة الصحة اللبنانية قد ذكرت في تقريرها اليومي، الثلاثاء، أن عدد قتلى الهجمات الإسرائيلية على البلاد ارتفع إلى 2792، فيما أصيب 12772 منذ أكتوبر 2023.

وأضافت وزارة الصحة في تقرير، أن عدد القتلى خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية وصل إلى 82  فيما بلغ عدد المصابين 180 شخصا.

وعلى صعيد الدبلوماسية، يصل مستشاران بارزان للرئيس الأميركي جو بايدن، إلى إسرائيل، الخميس، بهدف العمل على دفع تفاهمات من أجل وقف إطلاق النار في لبنان، في إشارة إلى حدوث تقدم في هذا الإطار.

ونقلت هيئة البث الإسرائيلية، الأربعاء، أن المستشارين آموس هوكستين وبريت ماكغورك سيزوران إسرائيل، لبحث اتفاق وقف إطلاق النار.

كما نقل موقع أكسيوس الأميركي، عن مصادر أميركية وإسرائيلية، أنه "يمكن الوصول إلى اتفاق خلال أسابيع قليلة".

وعيّنت جماعة حزب الله، المصنفة على لوائح الإرهاب الأميركية، الثلاثاء، نعيم قاسم أمينا عاما لها، ليخلف حسن نصر الله الذي قتل في ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في 27 سبتمبر الماضي.

وبعد عام تقريبا على بدء تبادل القصف عبر الحدود بين حزب الله وإسرائيل، شنت الأخيرة غارات جوية مكثفة على أهداف بمناطق متفرقة في لبنان في 23 سبتمبر، معلنة عن عمليات توغل بري "محدودة".

وأكدت إسرائيل أنها ستستمر في عملياتها العسكرية لتحقيق واحد من أهداف الحرب، وهو إعادة عشرات الآلاف الذين نزحوا من مناطقهم شمالي البلاد، بسبب الضربات المتبادلة مع حزب الله عبر الحدود.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.