أنقاض مبنى مدمر في موقع غارة جوية إسرائيلية ليلية في جنوب لبنان
الحرب بين حزب الله وإسرائيل تزيد المخاوف من احتمال اندلاع فتنة داخلية بين اللبنانيين

في خضمّ الحرب المستعرة بين حزب الله وإسرائيل، ومع نزوح نحو مليون و400 ألف شخص في لبنان، تزداد المخاوف من احتمال اندلاع فتنة داخلية بين اللبنانيين، حيث حذّر عدد من المسؤولين المحليين والدوليين من أن لبنان يقف على حافة حرب أهلية جديدة، تعيد إلى الذاكرة مشاهد الصراع الدموي الذي عاشته البلاد لعقود طويلة.

ومن بين أبرز التحذيرات، تصريحات وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب، الذي عبّر الاثنين الماضي عن قلقه من الاحتكاكات المتزايدة بين النازحين اللبنانيين وسكان المناطق المضيفة. 

وقال بو حبيب خلال اجتماع وزاري للاتحاد من أجل المتوسط في برشلونة "إن شعوبنا في منطقة البحر المتوسط مترابطة ومصيرنا مشترك. إذا لم تتوقف الحرب فوراً، فقد يؤدي النزوح إلى تفجير الأوضاع وحدوث صدامات مجتمعية واسعة وهجرة كبيرة".

وعلى الصعيد الدولي، نبّه وزير الدفاع الفرنسي سيباستيان لوكورنو، في 22 أكتوبر، إلى "احتمال انهيار لبنان" في حال استمرار النزاع. وصرّح لقناة "إل سي أي" الفرنسية بأن الوضع في لبنان بات "هشاً" نظراً للتوترات الداخلية والهجمات الإسرائيلية، محذراً من اندلاع حرب أهلية وشيكة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق يضع حداً للصراع القائم.

وتتزامن هذه التحذيرات مع تفاقم الأزمة الإنسانية التي أثقلها النزوح، والتي تأتي في سياق ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة، وانقسامات سياسية حادة وسط فراغ رئاسي وحكومة تصريف أعمال.

صفيح ساخن؟

يشعر سكان المناطق المضيفة للنازحين في لبنان بقلق متزايد بشأن أمنهم، في ظل تكرار حوادث الاغتيال التي تستهدف كوادر من حزب الله ممن لجأوا إلى مناطقهم، كعملية اغتيال المسؤول في الحزب أحمد فقيه، في 14 أكتوبر، في بلدة أيطو في قضاء زغرتا (ذات الأغلبية المسيحية).

وإلى جانب ذلك، تشهد بعض المناطق اللبنانية المضيفة للنازحين توترات وشجارات بين النازحين والسكان المحليين، يضاف إلى ذلك احتكاكات بين النازحين والأجهزة الأمنية، التي تنفذ عمليات إخلاء من عقارات خاصة شُغلت دون موافقة أصحابها.

وفي السياق أثار عضو تكتل "الجمهورية القوية"، رازي الحاج، قضية إدخال شاحنتين محملتين بأكياس "الترابة الجاهزة" إلى مركز إيواء في مهنية الدكوانة في محافظة جبل لبنان. وعبّر الحاج عن استنكاره عبر تغريدة على صفحته على منصة "إكس" قال فيها "ما يحصل في مهنية الدكوانة خطير، في الأمس تم ادخال شاحنة تحمل اكياساً من "الترابة الجاهزة" واليوم عند الخامسة والنصف فجراً شاحنة اخرى تحمل مئة طن من نفس نوع الأكياس، بحجج واهية كوضعها تحت خزانات المياه لرفعها عن الأرض!".

وتساءل "هل المطلوب تحويل مركز لإيواء في الدكوانة إلى تحصينات؟ وما الحاجة إلى مواد بناء فيها؟".

وطالب الحاج الأجهزة الأمنية، خاصة الجيش اللبناني، باتخاذ إجراءات صارمة للحفاظ على أمن المنطقة وأهلها وأمن النازحين أيضاً، داعياً لجنة الطوارئ إلى تقييد دخول الجمعيات إلى مراكز الإيواء إلا بإذن مسبق وتفتيش المواد المقدمة، مشدداً على أن "الأمن خط أحمر، ولن نسمح بمربعات أمنية جديدة تحت أي مسمى".

 بدورها، أصدرت بلدية الدكوانة بياناً توضيحياً حول الحادثة، مؤكدة أن شرطة البلدية أوقفت الشاحنات ونسقت مع الجهات المعنية للتفتيش، ليتبين أن الأكياس تعود لجمعية  ACF، وقد كانت مخصصة لإنشاء منصات لوضع خزانات المياه، وذلك بموجب مناقصة مع مجلس الوزراء ولجنة الطوارئ الوزارية.

وأشارت البلدية إلى أنها طلبت من الشاحنات المغادرة، تمهيداً لتنفيذ مناقصة جديدة لبناء المنصات من الحديد تحت إشرافها والقوى الأمنية. كما دعت إلى إقامة نقطة ثابتة للجيش في المكان لضمان أمن المنطقة.

مستنقع خصب؟

تبرز الباحثة الاجتماعية والأستاذة الجامعية، البروفيسورة وديعة الأميوني، أوضاع النازحين اللبنانيين وتداعياتها على المجتمع المضيف، مشيرة إلى أنهم "يعيشون في ظروف اقتصادية وصحية صعبة ويعتمدون بشكل أساسي على المساعدات الإنسانية التي غالباً ما تكون غير كافية لتلبية احتياجاتهم الأساسية".

وتوضح الأميوني في حديث لموقع "الحرة" أن "العدد الكبير للنازحين من مناطق الجنوب وبعلبك والبقاع والهرمل، يشكّل ضغطاً هائلاً على الموارد والخدمات في المناطق المضيفة، مما يشكّل تهديداً لاستقرار المجتمع على المدى البعيد في حال طال أمد الحرب ومعه النزوح".

وتضيف أن "الأزمات الاقتصادية المتفاقمة تؤدي إلى تأجيج التوتر الاجتماعي، حيث تصل نسبة الفقر في لبنان إلى 80%، فيما تعيش نحو 35% من العائلات تحت خط الفقر المدقع، مما يفاقم استنزاف موارد المناطق المضيفة مثل المياه والكهرباء".

أحد أبرز أسباب الاحتكاك بين النازحين والمجتمع المضيف هو "التنافس على فرص العمل"، كما تشير الأميوني "لا سيما مع ارتفاع معدل البطالة إلى 30% وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 70% منذ عام 2019" مشددة على أهمية "الاستجابة الحكومية الفعلية والشاملة للتعامل مع هذه الأزمة".

وفي ظل هذه التحديات، تحذّر الأستاذة الجامعية من "احتمالية نشوب فتنة داخلية، موضحة أن الخطر لا يقتصر فقط على التوترات المباشرة، بل يمتد ليشمل احتمالات التدخلات الخارجية التي قد تسعى لزعزعة الاستقرار"، إلا أنها تشيد "بوعي الشعب اللبناني وقدرته على احتواء الأزمة حتى الآن دون تصاعد للخطابات الطائفية".

وعلى العكس من الأميوني، لا يخشى وزير الداخلية الأسبق العميد مروان شربل من حدوث فتنة داخلية أو حرب أهلية، وفي حديث مع موقع "الحرة" يتساءل "من من اللبنانيين لديه الأسلحة التي تجعله يفكر في محاربة ابن بلده وصديقه وجاره؟ من لديه دولار في جيبه لشراء خرطوشة؟ الناس تبحث عن ثمن رغيف الخبز."

كذلك يرى الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين عدم وجود مؤشرات جدية على استعداد اللبنانيين لخوض حرب أهلية، على الرغم من تفهمه  كما يقول في حديث لموقع "الحرة"، "لمخاوف البعض من احتمال تدهور الأوضاع الأمنية في الداخل في حال انتهت الحروب الخارجية".

ويوضح الأمين أن "ما يظهر من محاولات للاستفزاز عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يعدو كونه تصرفات فردية أو منظمة للاستقطاب"، مشدداً على أن الشعب اللبناني يتطلع نحو السلام وبناء دولة".

مقومات الفتنة

يتطلب اندلاع فتنة داخلية وحرب أهلية وفق ما يقوله الأمين "جبهات متقابلة ودعماً خارجياً وتمويلاً، وهي عوامل غير متوفرة حالياً في لبنان الذي يفتقر اليوم لمناطق ذات ثقل سكاني موحد طائفياً، حيث يوجد أكثر من مليون نازح مشتتين في مناطق لبنانية عدة، كما أن حزب الله هو الجهة المسلحة الوحيدة في البلاد، في ظل غياب أحزاب أخرى تمتلك ترسانة عسكرية أو دعماً إقليمياً".

ويوضح الأمين أن "البعض يعتقد أن حزب الله قد يلجأ إلى خيار الحرب الأهلية لتعويض أي خسائر أو انتكاسات قد يتعرض لها في المواجهة مع إسرائيل، إلا أنني أستبعد هذا السيناريو لاسيما وأن بيئة الحزب منتشرة في العديد من المناطق، ما يضع الحزب في موقف ضعيف لا يؤهله لخوض حرب أهلية، وحتى لو أراد ذلك، فإنه غير مؤهل لتحقيق نتائج لصالحه"، ويضيف أن "حزب الله قد يلجأ إلى خيارات المواجهة السياسية لكن ليس إلى النزاع العسكري الداخلي".

كذلك يشير شربل إلى أن "الحرب تتطلب مقومات خارجية"، مشيراً إلى أنه "لا الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية تريد رؤية لبنان مدمّر ومقسّم، كما أنه لا يوجد أي حزب من الأحزاب اللبنانية المسيطرة على السلطة يدعو إلى الحرب".

ويؤكد شربل على أن "كل ما يقال عن الفتنة والحرب الأهلية في لبنان هو شائعات تنشرها إسرائيل التي تسعى جاهدة لرؤية اللبنانيين يتقاتلون فيما بينهم، وهي تسعى للقول لهم أنها تمكنت من القضاء على حزب الله في الجنوب، وأنه دورهم لإنهاء وجوده في الداخل بعد أن ضعف."

ويشدد "لن يستمع اللبنانيون لما تريده إسرائيل، بل إن احتلالها لأي جزء من أراضي لبنان سيؤدي إلى تضامن أكبر بين اللبنانيين، ومن لا يتدخلون في الصراع الحالي سيقفون في وجهها حينها".

وفيما يتعلق بتصريحات وزير الخارجية اللبناني حول مخاوفه من فتنة داخلية، يقول شربل "لديه معلومات يحللها"، مشدداً على أنه "إذا تفاقمت الاحتكاكات، قد تؤدي إلى مشاكل معينة في أحياء محددة. لكن نشوب حرب مثل تلك التي حدثت عام 1975 أمر غير وارد على الاطلاق".

وشهد لبنان حرباً أهلية مدمرة استمرت 15 عاماً، من 1975 إلى 1990، تورطت فيها معظم الأطراف اللبنانية، ما أدى إلى دمار واسع وخسائر بشرية فادحة، ويعود اندلاع الحرب إلى أسباب معقدة ومتداخلة، من أبرزها الصراعات الطائفية والمذهبية، والتدخلات الخارجية، والصراع على النفوذ والسيطرة داخل مؤسسات الدولة.

الحل النهائي

أكد وزير الداخلية اللبناني، بسام مولوي، أن بعض الحوادث التي وقعت تُعدّ طبيعية في ظل الظروف الراهنة، مشيراً إلى أن "الشعب اللبناني لا يزال متماسكاً رغم الشائعات المتداولة". ودعا مولوي، خلال حديث تلفزيوني أدلى به في 22 أكتوبر، اللبنانيين إلى التمسك بوحدتهم الوطنية والعودة إلى "لبنانيتهم"، مشدداً على أهمية الانتقال إلى ساحة وحدة لبنان.

كما أوضح مولوي أن "الخطاب السياسي في لبنان كان غالباً ما يتضمن انقساماً، بما في ذلك الانقسام حول جبهة الإسناد ووحدة الساحات"، مشيراً إلى أن "المعطيات الحالية لا تشير إلى اندلاع حرب أو فتنة داخلية"، مضيفاً  أن " القوى الأمنية تستطيع دخول مراكز الايواء ساعة تشاء وقد يكون هناك سلاح فردي خفيف، ولكنه ليس ظاهراً والأجهزة ستعمد إلى القيام بالتفتيش اللازم عند الحاجة".

وللحد من التوتر بين النازحين والمجتمع المضيف، تقترح الأميوني استراتيجيات من ضمنها "تفعيل التواصل وتنظيم لقاءات لتعزيز التفاهم الثقافي بين الطرفين"، داعية المنظمات غير الحكومية للعب دور أكبر في بناء الثقة وحل الخلافات بطرق سلمية.

وفي ختام حديثها، تؤكد الأميوني أن الحل النهائي لأزمة النزوح يتطلب "خطة وطنية شاملة وتدخلاً دولياً يضمن عودة النازحين إلى مناطقهم بكرامة وأمان".

 

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.
بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

بين المنازل السكنية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، يزرع حزب الله الموت.. صواريخ وذخائر في أقبية المباني والمستودعات.

قبل أيام، عرض الجيش الإسرائيلي مشاهد لقصف استهدف بنية تحتية قال إنها خُصصت لتخزين صواريخ دقيقة في الضاحية الجنوبية لبيروت، مؤكداً أنه دمرها بالكامل. لم تكن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها إسرائيل مقاطع تُظهر استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله تتطاير منها الذخائر والصواريخ وسط أحياء سكنية.

أعادت واقعة الضاحية الجنوبية تسليط الضوء على المخاطر الجسيمة التي تتهدد حياة المدنيين في مناطق نفوذ حزب الله.

الدروع البشرية تحمي السلاح؟

بلغ حزب الله من حال الارتباك والضعف درجة الاحتماء بالمدنيين، كما يقول المحلل السياسي الياس الزغبي وهذا ما يفسّر برأيه "تخزينه الأسلحة في عمق المناطق الآهلة وفقاً لما ظهر في الهنغار الذي استهدفته إسرائيل قبل بضعة أيام في الضاحية الجنوبية لبيروت".

وهذا ما يفسّر أيضاً وفق ما يقوله الزغبي لموقع الحرة "الإنذار الذي وجهته إسرائيل إلى المدنيين القاطنين في محيط هذا الموقع كي تتفادى نقمة عالمية في حال سقوط قتلى من الأهالي. ولوحظ هذه المرة أن فترة الانذار كانت أطول من سابقاتها بهدف إتاحة الوقت الكافي لإخلاء الأبنية المحيطة بالموقع المستهدف".

عملياً، لم يعد حزب الله يقيم وزنا للمدنيين، يقول الزغبي، بل لعلّه يفضل وفق ما يشدد "سقوط قتلى كي يستثير العواطف ويؤجج مشاعر بيئته، فهو يضع أولوية الحفاظ على سلاحه قبل أي أمر آخر، حتى لو سقطت أرواح بريئة. وبذلك يكون قد استبدل شعاره "السلاح يحمي السلاح" بشعار جديد "الدروع البشرية تحمي السلاح"!.

يذكر أن للبنانيين تجارب عديدة مع استخدام حزب الله للمناطق اللبنانية في سبيل أنشطته العسكرية، لا سيما في حرب عام 2006، حيث أجرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" تحقيقاً موسعاً حول أداء حزب الله خلال تلك الحرب، بيّن أن الميليشيا التي تصنفها الولايات المتحدة منظمة إرهابية، عرّضت في مواقف عدة موثقة بالتواريخ والأمكنة حياة المدنيين للخطر، إما بسبب نشاطها العسكري أو بسبب إخفاء مخازن أسلحة بين المدنيين.

ووثقت المنظمة حينها عدداً من الحالات التي انتهك فيها حزب الله قوانين الحرب عبر تخزين الأسلحة والذخيرة في مناطق مأهولة وعدم بذل أي جهد بغرض إبعاد المدنيين الواقعين تحت سيطرته عن تلك المناطق.

ونقل التحقيق معلومات مفادها أن حزب الله خزن أسلحةً في مناطق مدنية بضواحي بيروت الجنوبية. وقابل مدنيين في الضاحية الجنوبية نقلوا لـ"هيومن رايتس ووتش" مشاهداتهم لتخزين ونقل الأسلحة من مبان سكنية في الضاحية الجنوبية والاحتماء في ملاجئ مدنية، وهو ما اعتبره التحقيق انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني بتعريض المدنيين للخطر.

في حينها، رأت المنظمة أن الحالات التي قام بها الحزب بتخزين الأسلحة ونشر المقاتلين في أحياء كثيفة السكان، فإنه كان يرتكب انتهاكاً جسيماً لقوانين الحرب، تتضمن "اتخاذ المدنيين دروعاً".

مخاوف محلية وتحذيرات دولية

منذ سنوات، يواصل الجيش الإسرائيلي نشر صور ومقاطع مصورة تُظهر منشآت ومخازن ومصانع صواريخ تابعة لحزب الله، أقيمت وسط مناطق مدنية مأهولة، بعضها يقع قرب مدارس ومساجد ومرافق حيوية. وتتهم إسرائيل الحزب باستخدام السكان المدنيين كدروع بشرية وكساتر لتخزين سلاحه وتنفيذ مخططاته العسكرية، في حين ينفي حزب الله هذه الاتهامات بشكل متكرر.

"والمشكلة أن المدنيين لا حول لهم ولا قدرة على مواجهة ما يقرره حزب الله"، كما يقول الزغبي، "وهم مجبرون على تنفيذ مشيئته ولو على حساب استقرارهم وسلامتهم، لكنهم يتهامسون فيما بينهم عن المصيبة التي أوقعهم فيها الحزب ويناشدون الدولة لإنقاذهم ويسلّمون أمرهم لله".

وشكّل هذا الملف على الدوام محور تجاذب وخلاف داخلي في لبنان، في ظل رفض شريحة واسعة من اللبنانيين لتحويل مناطقهم إلى ساحات عسكرية، وقد برزت هذه المعارضة بشكل واضح في حادثة بلدة شويا في قضاء حاصبيا عام 2021، حين اعترض الأهالي على إطلاق صواريخ من منطقتهم، وقاموا بتوقيف راجمة تابعة لحزب الله. وتكررت مشاهد التوتر في بلدة الكحالة، حيث اندلع اشتباك بين سكان المنطقة وعناصر من الحزب، إثر سقوط شاحنة كانت تنقل أسلحة في قلب البلدة.

وشهدت السنوات الماضية تصاعداً في التحذيرات المحلية من خطورة هذه الممارسات، والتي لم يقتصر على الساحة اللبنانية فحسب، بل اتخذ أبعاداً دولية. ففي عام 2020، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن وجود مصنع صواريخ في منطقة الجناح في بيروت، ما أثار موجة من الجدل والقلق. ورداً على الاتهامات، نظّم الجانب اللبناني جولة ميدانية لسفراء عدد من الدول الأجنبية إلى الموقع المذكور، في مسعى لنفي صحة الاتهامات الإسرائيلية وتأكيد خلو المنطقة من أي نشاط عسكري.

وعقب الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، عاد الحديث عن سلاح الحزب إلى الواجهة، في ضوء اتفاق وقف إطلاق النار الذي يستند إلى القرار الدولي 1701، والذي يشدد بدوره على تنفيذ القرار 1559 القاضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ونزع سلاح الميليشيات.

خرق للقانون الإنساني

يفرض تخزين الأسلحة والصواريخ الالتزام بإجراءات دقيقة وبروتوكولات صارمة تأخذ في الحسبان مختلف الاحتمالات، بما في ذلك خطر الاستهداف، أو التعرض لخلل تقني، أو نشوب حريق، أو تلف المواد المخزنة. ويستدعي ذلك دراسة منهجية لمواقع التخزين، وضمان ابتعادها عن المناطق السكنية لتفادي أي أضرار محتملة. كما يشترط، في هذا السياق، تفكيك المقذوفات كالصواريخ وجعلها غير مفعّلة أثناء التخزين، بهدف الحد من تداعيات أي طارئ قد يؤدي إلى انفجارها أو تسرب مواد خطرة إلى محيطها.

ويلزم القانون الإنساني الأطراف المتقاتلة اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية ما تحت سيطرتها من سكان مدنيين من الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية، ويشمل هذا تجنب إقامة أهداف عسكرية (كالأسلحة والذخيرة) في المناطق المكتظة بالسكان، وعند تعذر ذلك نقل السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف.

وتشدد اللجنة الدولية للصليب الأحمر على اتخاذ أقصى "الاحتياطات المستطاعة" خلال الحروب لتجنيب المدنيين آثار العمليات العسكرية، حيث تدعو لاتخاذ الخطوات المطلوبة للتعرف على الهدف العسكري المشروع "في الوقت المناسب وبالشكل الذي يعفي السكان المدنيين من الضرر قدر المستطاع".

ومن بين الاحتياطات، تجنب "إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وتدعو أطراف النزاع للسعي بجهد إلى "نقل ما تحت سيطرتهم من السكان المدنيين بعيداً عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية".

وتحذر من أنه لا يجوز لأطراف النزاع استخدام المدنيين لصالح "درء الهجمات عن الأهداف العسكرية" أو التذرع بوجودهم في "درء الهجوم عن الأهداف العسكرية، أو تغطية، أو تحبيذ، أو إعاقة العمليات العسكرية، وإذا استخدم أحد أطراف النزاع المدنيين كدروع يجب ألا يفعل الطرف الآخر مثله، وأن يستمر في اتباع قواعد القانون الإنساني الدولي، وتفادي الهجمات العشوائية واتخاذ الاحتياطات لحماية المدنيين".

معادلة مكشوفة

منذ توريط حزب الله للبنان بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، تتعالى أصوات داخل لبنان وخارجه تطالب حزب الله بالالتزام الكامل بالقرارات الدولية، إلا أن الحزب لا يزال يرفض التخلي عن سلاحه في شمال الليطاني، ويضع شروطاً مسبقة للدخول في أي حوار وطني حول هذه المسألة.

من أبرز شروط الحزب، بحسب تصريحات مسؤوليه، أن أي نقاش حول تسليم سلاحه يجب أن يسبقه انسحاب إسرائيل من خمس نقاط في جنوب لبنان.

وحتى الآن لا تبدو الدولة اللبنانية وفق ما يقوله الزغبي "قادرة على حماية الناس من سطوة الحزب، وتتعامل بحذر شديد معه تخوفاً من التصادم وشبح الحرب الأهلية، لكن المجتمع الدولي لن يسمح باستمرار هذا الوضع الضاغط على الدولة، وقد بدأ يضعها أمام استحقاق نزع السلاح غير الشرعي ضمن مهلة محددة قبل أن تتمادى إسرائيل في عملياتها العسكرية".

وفي أي حال بات لبنان كما يشدد الزغبي "أمام معادلة مكشوفة: حصر السلاح فعلياً في يد الجيش أو التعرض المستمر للغارات الإسرائيلية. والمسألة ليست مفتوحة، بل تقاس بالأسابيع".