مبنى مدمر في أعقاب الغارات الإسرائيلية  في الضاحية الجنوبية لبيروت
لبنان يواجه أزمة فراغ رئاسي

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تتجه الأنظار في لبنان إلى تأثير نتائجها المحتمل على المشهد الداخلي، وسط ترقب حول هوية الفائز، سواء كان الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب أو نائبة الرئيس الديمقراطية كامالا هاريس. يأتي ذلك في ظل أزمات متفاقمة تشهدها البلاد، خاصة الحرب المستمرة بين حزب الله وإسرائيل، والأزمة السياسية الناتجة عن الفراغ الرئاسي.

ويشير العديد من المحللين إلى أن التصعيد العسكري في لبنان قد يستمر حتى تتضح نتائج الانتخابات الأميركية، حيث يعتقد هؤلاء أن إسرائيل تستغل انشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات لتكثيف عملياتها في المنطقة، لاسيما بعد انسحاب الرئيس جو بايدن من السباق الرئاسي.

ويبقى السؤال، من تفضّل القوى السياسية اللبنانية بين المرشحين، ترامب وهاريس، من ناحية قدرتهما على الإسهام في وقف الحرب الدائرة في لبنان وتحقيق الاستقرار والسلام، والدفع نحو انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

آمال "معقودة ومفقودة"

في تعليقه على الانتخابات الأميركية وتأثيرها على الملف اللبناني، يقول عضو كتلة "اللقاء الديمقراطي"، التي يرأسها الحزب التقدمي الاشتراكي، النائب مروان حمادة "منذ زمن يتباين موقف العرب واللبنانيين من الانتخابات الأميركية، بين تفضيل الجمهوريين تارة والديمقراطيين تارة أخرى، ومحور هذه الآمال المعقودة والمفقودة هو قضية فلسطين ولبنان استطراداً".

ويشير حمادة في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "الحزبين الديمقراطي والجمهوري يتشابهان في سياستهما تجاه الشرق الأوسط، حيث لم يطرأ أي تغيير جوهري على هذه السياسات منذ فترة طويلة، باستثناء بعض التفاصيل وكذلك حين ظهر منحى ضرب العرب السنة في المنطقة لصالح إيران، وهو منحى شجعته إسرائيل، مما أدى إلى حالة من الفوضى العارمة في المنطقة اليوم".

ويشدد قائلاً "الرئيس دوايت أيزنهاور كان الوحيد الذي اتخذ موقفاً جيداً تجاه العرب عندما فرض انسحاب البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين من قناة السويس. أما اليوم، سواء فاز ترامب أو هاريس، لا أرى أن هناك تغييرات أساسية ستطرأ على الشرق الأوسط"، مشيراً إلى أن "الفراغ الرئاسي في لبنان سيستمر لفترة طويلة، وكذلك الحرب بين حزب الله وإسرائيل".

كذلك لا يرى زميله في الكتلة البرلمانية، النائب وائل أبو فاعور "فرقاً كبيراً جداً" بين فوز ترامب أو هاريس في الانتخابات الرئاسية القادمة، ويوضح في حديث لموقع "الحرة" أن "الرهانات على الديمقراطيين قد فشلت، كما أننا نعلم جيداً مواقف ترامب وتوجهاته السياسية".

أما حزب "القوات اللبنانية"، فيتعامل مع الإدارات الأميركية المتعاقبة "وفقاً لمدى دعمها للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية"، كما يؤكد عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج، مشيراً في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "السياسة الخارجية الأميركية تتسم بثبات العناوين الرئيسية بغض النظر عن هوية الرئيس المنتخب، فيما تختلف الأساليب من إدارة لأخرى، إذ يختار بعض الرؤساء التعامل مع الملفات بأسلوب منفصل، بينما يفضل آخرون اتباع نهج الصفقات الشاملة".

كذلك يقول رئيس جهاز الإعلام في حزب الكتائب اللبنانية، باتريك ريشا، إن "علاقتنا كحزب بالإدارة الأميركية علاقة ثابتة. نحن نعرف أن الإدارة والحكم في أميركا هما استمرارية، وبالتالي بغض النظر عن الرابح والخاسر، تبقى العلاقات مع الدول والأحزاب ثابتة".

ينظر حزب الكتائب اللبنانية إلى العلاقات الدولية "من منطلق مصلحة لبنان، وليس من منطلق مصلحة الحزب"، وفق ما يقوله ريشا لموقع "الحرة"، ويضيف "نعتبر أنه من المبكر أن يظهر في السياسة الخارجية الأميركية ما هو الأفضل للبنان. علماً أن الفريقين متفقان اليوم على أولويات المنطقة، والتي تشمل حفظ وضمان أمن إسرائيل. وبالتالي، تأتي المصلحة اللبنانية في الدرجة الثانية لكليهما، لكن هناك تلاقياً على حفظ وصون سيادة لبنان ودعم المؤسسات الشرعية والجيش اللبناني، وهو ما نسمعه من الطرفين".

نهج واحد

"تتبع الإدارة الأميركية، سواء أكانت ديمقراطية أو جمهورية، النهج نفسه تجاه لبنان"، كما يعتبر عضو كتلة "التنمية والتحرير"، النائب الدكتور قاسم هاشم.

ويؤكد هاشم في حديث لموقع "الحرة" أن "ما يهمنا هو كيفية تعاطي الإدارة مع إسرائيل، فالإدارة الأميركية، بكل وجوهها، تعتبر إسرائيل الحليف المدلل، وبالتالي تضع مصلحتها فوق كل اعتبار."

لذلك كما يقول هاشم "أي إدارة أميركية جديدة، مهما كانت هويتها، لن تختلف في مقاربتها لملفي الحرب في لبنان ورئاسة الجمهورية"، مؤكداً أن الفائز في الانتخابات الأميركية "لن يغيّر شيئاً في هذا الشأن".

ويشدد "المواقف الحالية للمرشحين الأميركيين ليست سوى محاولات لاستثمار الأصوات اللبنانية والعربية والإسلامية في الولايات المتحدة، وبعد إعلان النتائج، ستعود الأمور إلى ما كانت عليه، ولن يتغير شيء في سياسة واشنطن تجاه لبنان".

وكان الرئيس ترامب، وجه يوم الأربعاء رسالة إلى الأميركيين من أصول لبنانية، تعهد فيها بالعمل على إنهاء "المعاناة والدمار" في لبنان وتحقيق السلام في الشرق الأوسط.

وقال ترامب في تغريدة عبر صفحته على منصة "إكس" "خلال فترة ولايتي، شهدنا سلاماً في الشرق الأوسط، وسنعمل على تحقيقه مرة أخرى قريباً"، مضيفاً أنه سيسعى لـ"إصلاح الأضرار التي تسببت بها كامالا هاريس وجو بايدن"، ومؤكداً على التزامه بـ"شراكة متساوية بين جميع الطوائف اللبنانية".

في المقابل، أعربت هاريس خلال كلمة ألقتها في ولاية ميشيغان، في 19 أكتوبر، عن عزمها بذل كل الجهود الممكنة "لتحقيق وقف لإطلاق النار في غزة وبين إسرائيل وحزب الله في لبنان"، مؤكدة أنها ما زلت تعتقد أن "الدبلوماسية هي الحل لتحقيق الاستقرار عبر الحدود بين إسرائيل ولبنان".

"لا ترتبط السياسة الأميركية تجاه لبنان بشخص الرئيس"، كما يقول عضو تكتل "لبنان القوي"، برئاسة "التيار الوطني الحر"، النائب أسعد درغام، موضحاً أن "الولايات المتحدة تدار من قبل دولة عميقة تتبع سياسات محددة بغض النظر عن الحزب الحاكم،" ويضيف "لم يكن لبنان في حالة سلام خلال عهد بايدن، ولم يكن في وضع أفضل في عهد ترامب، الذي فرض عقوبات اقتصادية على لبنان منذ عام 2019."

وحول أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان، يشير درغام في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "تعطيل العملية الانتخابية يعود إلى ما قبل التصعيد العسكري الأخير"، لافتاً إلى أن "أحد الأطراف السياسية في لبنان أصرّ على مرشح معين، مما أعاق سير الانتخابات".

ويضيف درغام أن "هناك قرار إيراني يمنع إجراء الانتخابات الرئاسية قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان"، مستشهداً بتأجيل رئيس مجلس النواب نبيه بري لجلسات انتخاب الرئيس، مشيراً كذلك إلى "احتمال أن تكون أميركا تنتظر اتضاح نتائج المعركة في جنوب البلاد، مما يعني أن مصالح الأطراف المتخاصمة تلتقي حالياً على تأجيل الاستحقاق الانتخابي".

وفيما يخص تصريحات المرشحين الأميركيين حول دعمهما وقف إطلاق النار في لبنان، يشير درغام إلى أن "الإسرائيليين يستغلون فترة الفراغ قبل الانتخابات الأميركية لاستكمال عملياتهم العسكرية"، لافتاً إلى أن أي "تعهدات بوقف التصعيد سواء من ترامب أو هاريس لن تعتبر وعوداً جادة طالما تظل مصلحة إسرائيل أولوية لدى الولايات المتحدة".

عنوان المرحلة القادمة

"يتسابق المرشحان للرئاسة الأميركية لإثبات مدى دعمهما لإسرائيل"، كما ترى النائبة "التغييرية" الدكتورة نجاة صليبا، مؤكدة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يمكن اعتبار أي منهما أفضل للبنان من الآخر"، وتقول "كلاهما سيعمل لمصلحة إسرائيل أكثر من مصلحة أي بلد عربي في المنطقة"، لكنها تعرب عن أملها في أن يسعى الفائز بالرئاسة إلى "الإسراع في تحقيق السلام في المنطقة بما يضمن للناس العيش بأمان".

كذلك يقول المحلل السياسي اللبناني المقيم في واشنطن، الدكتور حسن منيمنة، إن السياسة الأميركية تجاه أزمات الشرق الأوسط "لن تشهد تغييراً جذرياً بغض النظر عن الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة"، معتبراً أن الاختلاف بين الطرفين من ذلك "يكمن في الشكل أي الأسلوب فقط، إذ قد تتبع هاريس نهجاً دبلوماسياً، بينما يظهر ترامب بمواقف أكثر وضوحاً تجاه عدم مراعاة الشكليات".

أما في المضمون، "فتبقى السياسة الأميركية ثابتة في دعمها لإسرائيل، معتبرة أن لها حرية اتخاذ القرارات المناسبة لمصالحها، ودور الولايات المتحدة يقتصر على تقديم الدعم لها"، كما يقول منيمنة.

"القرارات الإسرائيلية بخصوص لبنان تتجه نحو القضاء على حزب الله "، كما يشدد منيمنة في حديث لموقع "الحرة"، موضحاً أن التحركات الدبلوماسية الحالية ما هي إلا "مسار شكلي تجاوباً مع رغبة دولية، خاصة من الولايات المتحدة، مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي".

ويشير إلى أن "هذا التوجه أصبح واضحاً مع التصعيد الإسرائيلي الذي تمثّل باستهداف حزب الله في العمق عبر تفجير أجهزة الاستدعاء واللاسلكي، مما عكس تخلي إسرائيل عن قواعد الاشتباك التي كانت ملتزمة بها منذ ثلاثة عقود".

وفيما يتعلق بملف رئاسة الجمهورية اللبنانية، يرى منيمنة أن "الولايات المتحدة ستستغل أي انتصار إسرائيلي محتمل على حزب الله لتحقيق هدفها في تقليص نفوذ إيران في لبنان، سواء فاز ترامب أو هاريس في الانتخابات"، ويضيف "الهدف الأميركي منذ سنوات يتمثل في إبعاد إيران عن دائرة التأثير في لبنان، لذا لن تدعم واشنطن انتخاب رئيس موالٍ لطهران، بل ستسعى لاختيار شخصية تتصدى لفكرة النفوذ الإيراني".

كما يشير إلى أنه "في حال انتصار إسرائيل في الحرب على حزب الله، فإنها لن تكتفي بالانتصار العسكري، بل تهدف إلى ترتيب البيت الداخلي اللبناني بما يتناسب مع مصالحها".

ويختم بقوله "نحن بالتأكيد مع وقف تأثير إيران على لبنان، لكن استبدال هذا النفوذ بآخر إسرائيلي لا يصب في مصلحة البلاد. والدليل على ذلك ما حدث في ملف ترسيم الحدود البحرية، وما قد يحدث في ترسيم الحدود البرية، إذ لا يمكن التعويل على الولايات المتحدة للدفاع عن مصالح لبنان".

ويواجه لبنان أزمة فراغ رئاسي منذ انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون، قبل عامين، إذ رغم الجهود المتعددة التي بذلت للتوصل إلى توافق حول اسم الرئيس الجديد، فإن الانقسامات السياسية لا تزال تشكل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف.

"ما زالت دفة الفوز في الانتخابات الأميركية غير واضحة، خاصة في الولايات المتأرجحة التي تشهد منافسة شديدة"، كما يقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور مكرم رباح، ورغم ذلك، يرى رباح أن "فرص ترامب قد تقدمت مع تراجع فرص هاريس في بعض الولايات، لاسيما وأن بريقها قد تلاشى بعد أشهر من إعلان ترشحها بدلاً من بايدن".

وفيما يتعلق بتأثير نتائج الانتخابات الأميركية على العلاقة الأميركية الإيرانية، يؤكد رباح في حديث لموقع "الحرة" أن "هذا التأثير سيكون سلبياً بغض النظر عن الحزب الفائز، لاسيما وأن مبدأ الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما القائم على سياسة (عدم التدخل، وأن ما يمكن حله بالتفاوض أفضل من حله بالقوة)، قد دمر بعد 7 أكتوبر. لذلك، من المتوقع أن يكون عنوان المرحلة المقبلة هو التضييق أكثر فأكثر على حزب الله"، كما توقع رباح أن "يتم فضح مدعيّ وجود علاقة جيدة بين الطبقة الحاكمة اللبنانية، وخاصة رئيس مجلس النواب نبيه بري، والبيت الأبيض أمام الملأ".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".