مبنى مدمر في أعقاب الغارات الإسرائيلية  في الضاحية الجنوبية لبيروت
لبنان يواجه أزمة فراغ رئاسي

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، تتجه الأنظار في لبنان إلى تأثير نتائجها المحتمل على المشهد الداخلي، وسط ترقب حول هوية الفائز، سواء كان الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب أو نائبة الرئيس الديمقراطية كامالا هاريس. يأتي ذلك في ظل أزمات متفاقمة تشهدها البلاد، خاصة الحرب المستمرة بين حزب الله وإسرائيل، والأزمة السياسية الناتجة عن الفراغ الرئاسي.

ويشير العديد من المحللين إلى أن التصعيد العسكري في لبنان قد يستمر حتى تتضح نتائج الانتخابات الأميركية، حيث يعتقد هؤلاء أن إسرائيل تستغل انشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات لتكثيف عملياتها في المنطقة، لاسيما بعد انسحاب الرئيس جو بايدن من السباق الرئاسي.

ويبقى السؤال، من تفضّل القوى السياسية اللبنانية بين المرشحين، ترامب وهاريس، من ناحية قدرتهما على الإسهام في وقف الحرب الدائرة في لبنان وتحقيق الاستقرار والسلام، والدفع نحو انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

آمال "معقودة ومفقودة"

في تعليقه على الانتخابات الأميركية وتأثيرها على الملف اللبناني، يقول عضو كتلة "اللقاء الديمقراطي"، التي يرأسها الحزب التقدمي الاشتراكي، النائب مروان حمادة "منذ زمن يتباين موقف العرب واللبنانيين من الانتخابات الأميركية، بين تفضيل الجمهوريين تارة والديمقراطيين تارة أخرى، ومحور هذه الآمال المعقودة والمفقودة هو قضية فلسطين ولبنان استطراداً".

ويشير حمادة في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "الحزبين الديمقراطي والجمهوري يتشابهان في سياستهما تجاه الشرق الأوسط، حيث لم يطرأ أي تغيير جوهري على هذه السياسات منذ فترة طويلة، باستثناء بعض التفاصيل وكذلك حين ظهر منحى ضرب العرب السنة في المنطقة لصالح إيران، وهو منحى شجعته إسرائيل، مما أدى إلى حالة من الفوضى العارمة في المنطقة اليوم".

ويشدد قائلاً "الرئيس دوايت أيزنهاور كان الوحيد الذي اتخذ موقفاً جيداً تجاه العرب عندما فرض انسحاب البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين من قناة السويس. أما اليوم، سواء فاز ترامب أو هاريس، لا أرى أن هناك تغييرات أساسية ستطرأ على الشرق الأوسط"، مشيراً إلى أن "الفراغ الرئاسي في لبنان سيستمر لفترة طويلة، وكذلك الحرب بين حزب الله وإسرائيل".

كذلك لا يرى زميله في الكتلة البرلمانية، النائب وائل أبو فاعور "فرقاً كبيراً جداً" بين فوز ترامب أو هاريس في الانتخابات الرئاسية القادمة، ويوضح في حديث لموقع "الحرة" أن "الرهانات على الديمقراطيين قد فشلت، كما أننا نعلم جيداً مواقف ترامب وتوجهاته السياسية".

أما حزب "القوات اللبنانية"، فيتعامل مع الإدارات الأميركية المتعاقبة "وفقاً لمدى دعمها للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية"، كما يؤكد عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج، مشيراً في حديث لموقع "الحرة" إلى أن "السياسة الخارجية الأميركية تتسم بثبات العناوين الرئيسية بغض النظر عن هوية الرئيس المنتخب، فيما تختلف الأساليب من إدارة لأخرى، إذ يختار بعض الرؤساء التعامل مع الملفات بأسلوب منفصل، بينما يفضل آخرون اتباع نهج الصفقات الشاملة".

كذلك يقول رئيس جهاز الإعلام في حزب الكتائب اللبنانية، باتريك ريشا، إن "علاقتنا كحزب بالإدارة الأميركية علاقة ثابتة. نحن نعرف أن الإدارة والحكم في أميركا هما استمرارية، وبالتالي بغض النظر عن الرابح والخاسر، تبقى العلاقات مع الدول والأحزاب ثابتة".

ينظر حزب الكتائب اللبنانية إلى العلاقات الدولية "من منطلق مصلحة لبنان، وليس من منطلق مصلحة الحزب"، وفق ما يقوله ريشا لموقع "الحرة"، ويضيف "نعتبر أنه من المبكر أن يظهر في السياسة الخارجية الأميركية ما هو الأفضل للبنان. علماً أن الفريقين متفقان اليوم على أولويات المنطقة، والتي تشمل حفظ وضمان أمن إسرائيل. وبالتالي، تأتي المصلحة اللبنانية في الدرجة الثانية لكليهما، لكن هناك تلاقياً على حفظ وصون سيادة لبنان ودعم المؤسسات الشرعية والجيش اللبناني، وهو ما نسمعه من الطرفين".

نهج واحد

"تتبع الإدارة الأميركية، سواء أكانت ديمقراطية أو جمهورية، النهج نفسه تجاه لبنان"، كما يعتبر عضو كتلة "التنمية والتحرير"، النائب الدكتور قاسم هاشم.

ويؤكد هاشم في حديث لموقع "الحرة" أن "ما يهمنا هو كيفية تعاطي الإدارة مع إسرائيل، فالإدارة الأميركية، بكل وجوهها، تعتبر إسرائيل الحليف المدلل، وبالتالي تضع مصلحتها فوق كل اعتبار."

لذلك كما يقول هاشم "أي إدارة أميركية جديدة، مهما كانت هويتها، لن تختلف في مقاربتها لملفي الحرب في لبنان ورئاسة الجمهورية"، مؤكداً أن الفائز في الانتخابات الأميركية "لن يغيّر شيئاً في هذا الشأن".

ويشدد "المواقف الحالية للمرشحين الأميركيين ليست سوى محاولات لاستثمار الأصوات اللبنانية والعربية والإسلامية في الولايات المتحدة، وبعد إعلان النتائج، ستعود الأمور إلى ما كانت عليه، ولن يتغير شيء في سياسة واشنطن تجاه لبنان".

وكان الرئيس ترامب، وجه يوم الأربعاء رسالة إلى الأميركيين من أصول لبنانية، تعهد فيها بالعمل على إنهاء "المعاناة والدمار" في لبنان وتحقيق السلام في الشرق الأوسط.

وقال ترامب في تغريدة عبر صفحته على منصة "إكس" "خلال فترة ولايتي، شهدنا سلاماً في الشرق الأوسط، وسنعمل على تحقيقه مرة أخرى قريباً"، مضيفاً أنه سيسعى لـ"إصلاح الأضرار التي تسببت بها كامالا هاريس وجو بايدن"، ومؤكداً على التزامه بـ"شراكة متساوية بين جميع الطوائف اللبنانية".

في المقابل، أعربت هاريس خلال كلمة ألقتها في ولاية ميشيغان، في 19 أكتوبر، عن عزمها بذل كل الجهود الممكنة "لتحقيق وقف لإطلاق النار في غزة وبين إسرائيل وحزب الله في لبنان"، مؤكدة أنها ما زلت تعتقد أن "الدبلوماسية هي الحل لتحقيق الاستقرار عبر الحدود بين إسرائيل ولبنان".

"لا ترتبط السياسة الأميركية تجاه لبنان بشخص الرئيس"، كما يقول عضو تكتل "لبنان القوي"، برئاسة "التيار الوطني الحر"، النائب أسعد درغام، موضحاً أن "الولايات المتحدة تدار من قبل دولة عميقة تتبع سياسات محددة بغض النظر عن الحزب الحاكم،" ويضيف "لم يكن لبنان في حالة سلام خلال عهد بايدن، ولم يكن في وضع أفضل في عهد ترامب، الذي فرض عقوبات اقتصادية على لبنان منذ عام 2019."

وحول أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان، يشير درغام في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "تعطيل العملية الانتخابية يعود إلى ما قبل التصعيد العسكري الأخير"، لافتاً إلى أن "أحد الأطراف السياسية في لبنان أصرّ على مرشح معين، مما أعاق سير الانتخابات".

ويضيف درغام أن "هناك قرار إيراني يمنع إجراء الانتخابات الرئاسية قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان"، مستشهداً بتأجيل رئيس مجلس النواب نبيه بري لجلسات انتخاب الرئيس، مشيراً كذلك إلى "احتمال أن تكون أميركا تنتظر اتضاح نتائج المعركة في جنوب البلاد، مما يعني أن مصالح الأطراف المتخاصمة تلتقي حالياً على تأجيل الاستحقاق الانتخابي".

وفيما يخص تصريحات المرشحين الأميركيين حول دعمهما وقف إطلاق النار في لبنان، يشير درغام إلى أن "الإسرائيليين يستغلون فترة الفراغ قبل الانتخابات الأميركية لاستكمال عملياتهم العسكرية"، لافتاً إلى أن أي "تعهدات بوقف التصعيد سواء من ترامب أو هاريس لن تعتبر وعوداً جادة طالما تظل مصلحة إسرائيل أولوية لدى الولايات المتحدة".

عنوان المرحلة القادمة

"يتسابق المرشحان للرئاسة الأميركية لإثبات مدى دعمهما لإسرائيل"، كما ترى النائبة "التغييرية" الدكتورة نجاة صليبا، مؤكدة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يمكن اعتبار أي منهما أفضل للبنان من الآخر"، وتقول "كلاهما سيعمل لمصلحة إسرائيل أكثر من مصلحة أي بلد عربي في المنطقة"، لكنها تعرب عن أملها في أن يسعى الفائز بالرئاسة إلى "الإسراع في تحقيق السلام في المنطقة بما يضمن للناس العيش بأمان".

كذلك يقول المحلل السياسي اللبناني المقيم في واشنطن، الدكتور حسن منيمنة، إن السياسة الأميركية تجاه أزمات الشرق الأوسط "لن تشهد تغييراً جذرياً بغض النظر عن الفائز في الانتخابات الرئاسية المقبلة"، معتبراً أن الاختلاف بين الطرفين من ذلك "يكمن في الشكل أي الأسلوب فقط، إذ قد تتبع هاريس نهجاً دبلوماسياً، بينما يظهر ترامب بمواقف أكثر وضوحاً تجاه عدم مراعاة الشكليات".

أما في المضمون، "فتبقى السياسة الأميركية ثابتة في دعمها لإسرائيل، معتبرة أن لها حرية اتخاذ القرارات المناسبة لمصالحها، ودور الولايات المتحدة يقتصر على تقديم الدعم لها"، كما يقول منيمنة.

"القرارات الإسرائيلية بخصوص لبنان تتجه نحو القضاء على حزب الله "، كما يشدد منيمنة في حديث لموقع "الحرة"، موضحاً أن التحركات الدبلوماسية الحالية ما هي إلا "مسار شكلي تجاوباً مع رغبة دولية، خاصة من الولايات المتحدة، مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي".

ويشير إلى أن "هذا التوجه أصبح واضحاً مع التصعيد الإسرائيلي الذي تمثّل باستهداف حزب الله في العمق عبر تفجير أجهزة الاستدعاء واللاسلكي، مما عكس تخلي إسرائيل عن قواعد الاشتباك التي كانت ملتزمة بها منذ ثلاثة عقود".

وفيما يتعلق بملف رئاسة الجمهورية اللبنانية، يرى منيمنة أن "الولايات المتحدة ستستغل أي انتصار إسرائيلي محتمل على حزب الله لتحقيق هدفها في تقليص نفوذ إيران في لبنان، سواء فاز ترامب أو هاريس في الانتخابات"، ويضيف "الهدف الأميركي منذ سنوات يتمثل في إبعاد إيران عن دائرة التأثير في لبنان، لذا لن تدعم واشنطن انتخاب رئيس موالٍ لطهران، بل ستسعى لاختيار شخصية تتصدى لفكرة النفوذ الإيراني".

كما يشير إلى أنه "في حال انتصار إسرائيل في الحرب على حزب الله، فإنها لن تكتفي بالانتصار العسكري، بل تهدف إلى ترتيب البيت الداخلي اللبناني بما يتناسب مع مصالحها".

ويختم بقوله "نحن بالتأكيد مع وقف تأثير إيران على لبنان، لكن استبدال هذا النفوذ بآخر إسرائيلي لا يصب في مصلحة البلاد. والدليل على ذلك ما حدث في ملف ترسيم الحدود البحرية، وما قد يحدث في ترسيم الحدود البرية، إذ لا يمكن التعويل على الولايات المتحدة للدفاع عن مصالح لبنان".

ويواجه لبنان أزمة فراغ رئاسي منذ انتهاء ولاية رئيس الجمهورية ميشال عون، قبل عامين، إذ رغم الجهود المتعددة التي بذلت للتوصل إلى توافق حول اسم الرئيس الجديد، فإن الانقسامات السياسية لا تزال تشكل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف.

"ما زالت دفة الفوز في الانتخابات الأميركية غير واضحة، خاصة في الولايات المتأرجحة التي تشهد منافسة شديدة"، كما يقول الكاتب والباحث السياسي الدكتور مكرم رباح، ورغم ذلك، يرى رباح أن "فرص ترامب قد تقدمت مع تراجع فرص هاريس في بعض الولايات، لاسيما وأن بريقها قد تلاشى بعد أشهر من إعلان ترشحها بدلاً من بايدن".

وفيما يتعلق بتأثير نتائج الانتخابات الأميركية على العلاقة الأميركية الإيرانية، يؤكد رباح في حديث لموقع "الحرة" أن "هذا التأثير سيكون سلبياً بغض النظر عن الحزب الفائز، لاسيما وأن مبدأ الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما القائم على سياسة (عدم التدخل، وأن ما يمكن حله بالتفاوض أفضل من حله بالقوة)، قد دمر بعد 7 أكتوبر. لذلك، من المتوقع أن يكون عنوان المرحلة المقبلة هو التضييق أكثر فأكثر على حزب الله"، كما توقع رباح أن "يتم فضح مدعيّ وجود علاقة جيدة بين الطبقة الحاكمة اللبنانية، وخاصة رئيس مجلس النواب نبيه بري، والبيت الأبيض أمام الملأ".

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".