تسببت الحرب في لبنان في دمار هائل وأضرار واسعة النطاق.
تسببت الحرب في لبنان في دمار هائل وأضرار واسعة النطاق.

قال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، في تصريح خاص لقناة "الحرة" إن الإدارة الأميركية الحالية في وضع ما يسمى "بالبطة العرجاء" حتى شهر يناير المقبل، عندما يتسلم الرئيس المنتخب، دونالد ترامب، منصبه في البيت الأبيض.

وبسبب هذا الوضع، يضيف شينكر، أن إدارة بايدن " لا قدرة لها على الضغط أكثر"، في وقت تواصل إسرائيل عملياتها لاستهداف مواقع حزب الله، "وبالتالي المقترح الذي قدمته الإدارة الأميركية الحالية يعد فرصة للبنانيين لإنهاء القتال".

لكن حزب الله، وبحسب شينكر، يرفض الواقع بعد تدهو قدراته إلى حد كبير، ولن يقبل بالاقتراح الأميركي، و"بالتالي لا يمكن التكهن من إمكانية الوصول إلى النتيجة المرجوة قبل أن ترحل الإدارة الأميركية الحالية".

وأضاف شينكر للحرة، أن المشكلة في لبنان هي التزام جميع الأطراف ببنود القرار الأممي 1701، لكن هذا لم يحدث عام 2006 عندما أنشأ حزب الله بنى عسكرية كبيرة تحت الأرض في جنوب لبنان، ونشر قواته جنوب النهر الليطاني، وكل هذا حدث وقوات "يونيفيل" والجيش اللبناني لم تقم بدورها لمنع ذلك.

إسرائيل شنت هجومها البري والجوي على حزب الله في نهاية سبتمبر
مصدر للحرة: لبنان يدرس المقترح الأميركي ويرد قريبا
أفاد مصدر سياسي لمراسلة "الحرة" بأن مقترح وقف إطلاق النار الذي أشارت تقارير إلى أن السفيرة الأميركية في بيروت ليزا جونسون سلمته لرئيس البرلمان اللبناني نبيه بري يتألف من خمس صفحات و13 نقطة ومن المتوقع أن تسلّم بيروت ردها عليه منتصف الأسبوع المقبل.

وأوضح شينكر أن ما حدث طوال الفترة الماضية يجعل "من الصعب أن نثق بقدرات قوات اليونيفل والجيش اللبناني لفرض ما هو مطلوب لوقف إطلاق النار".

وذكر شينكر أن وقف إطلاق النار صعب تحقيقه حاليا بوجود نحو 8000 عنصر من قوة "الرضوان" التابعة لحزب الله في المنطقة الحدودية، وأن إسرائيل بعد ما جرى خلال هذه السنة من الصعب أن تعود إلى الوراء، لذلك فأن وقف اطلاق النار مرهون بوجود آلية لحل هذه المشكلة، بحسب تعبيره.

مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط قال للحرة إن الولايات المتحدة مع شركاء دوليين مثل فرنسا وقطر والسعودية قد تساهم في دعم الجيش اللبناني ليتمكن من نشر 7000 إلى 8000 من عناصره في جنوب الليطاني.

وأوضح شينكر أن الولايات المتحدة تقدم مساهمات كبيرة جدا لدعم قوات الأمم المتحدة في لبنان "لكن هذه القوات مجددا لم تقم بواجبها، والأمر لا يتعلق فقط بوجود قوات من أي نوع وتمويلها، ولكن إن لم تتصرف لإتمام المهمة ..فلا داع لذلك".

وتحدث شينكر عن وجود صعوبات سياسية في ظل وجود حزب الله "الوكيل الإيراني الطائفي الأقوى في لبنان" مشيرا إلى أن الجيش اللبناني عليه أن يقوم بالعمل المرجو لتطبيق سيادة الحكومة المركزية على جميع الأراضي اللبنانية.

أدخنة تتصاعد بعد غارة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية - رويترز
غارات إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية.. و"توغل بري" في بلدة لبنانية حدودية
شن الطيران الإسرائيلي، السبت، غارات جوية على الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، ما أسفر عن تدمير عدد من المباني، في وقت حاولت قوات إسرائيلية التوغل "لبعض الأمتار" في اتجاه بلدة شمع الحدودية.

وأوضح شينكر أن المقترح الأميركي يتضمن أيضا دعوة إلى ضبط الحدود مع سوريا لمنع إعادة تسليح حزب الله "ولا أعرف ان كان ذلك ممكنا ولكن إن لم يحصل ذلك، فسنعود إلى النقطة ذاتها بعد سنتين".

وقال مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط إن هناك تسريبات لبعض المقترحات، منها نشر قوات أميركية لكنه استبعد أن توافق الإدارة الأميركية المقبلة على ذلك.

ومن بين المقترحات الأخرى، بحسب شينكر، موافقة إسرائيل على أن تلعب ألمانيا دورا في مراقبة قوات اليونيفل، "لكن حزب الله أعلن قبل اسبوعين أن المانيا هي عدو لها وبالتالي من الصعب تحقيق هذا المقترح أيضا".

ويضيف شينكر أن من الخيارات الأخرى المطروحة، وجود قوات عربية من الإمارات أو من دول أخرى تثق بها إسرائيل ولا تعتبر صديقة لحزب الله. 

وأختتم شينكر حديثه للحرة بالقول أن ما يحدث في لبنان سببه أنه بلد "من دون سيادة، وإسرائيل ليست سبب ذلك، بل إيران ووكيلها حزب الله".

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.