الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي في المسجد الأموي في دمشق - المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي
الشاعر عبد الرحمن يوسف القرضاوي في المسجد الأموي في دمشق

قال محمد صبلوح، محامي المعارض المصري عبد الرحمن القرضاوي، أنه سيتقدم بطلب إلى القضاء اللبناني لوقف تنفيذ قرار تسليم موكله إلى دولة الإمارات، مضيفا أن الأخير حاليا في "مكان مجهول".

وقال صبلوح في اتصال هاتفي مع الحرة، إنه سيقدم "طلبا إلى قاضي الأمور المستعجلة في بيروت، لإصدار قرار عاجل بوقف تنفيذ قرار الحكومة بتسليم القرضاوي إلى الإمارات".

وأضاف أنه سيطعن بالقرار الحكومي أيضًا أمام مجلس شورى الدولة، في لبنان.

وأوضح صبلوح أن السلطات اللبنانية "نقلت القرضاوي ليلا من مكان توقيفه في قصر عدل بيروت، إلى مكان مجهول حتى الساعة".

وكان وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية، زياد مكاري، قد أعلن، الثلاثاء، صدور قرار بترحيل القرضاوي، نجل الداعية الإسلامي الراحل يوسف القرضاوي إلى الإمارات.

وأوقفت السلطات اللبنانية القرضاوي، عندما كان في طريقه من سوريا إلى لبنان.

جاء ذلك بعد أن نشر مقطع فيديو له من داخل المسجد الأموي في دمشق، حذر فيه من أن الثورة السورية "تتعرض للتآمر"، مهاجما الإمارات والسعودية ومصر.

وحينها، نأت السلطات السورية بنفسها عن القرضاوي، إذ قالت وزارة الإعلام في الإدارة السورية الجديدة، السبت، إن المواقف والتصريحات الصادرة عن زوار البلاد "لا تعبر بالضرورة عن الموقف الرسمي لدمشق".

وأكدت الوزارة في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية "سانا" عبر حسابها على موقع "إكس"، أن "جميع المواقف والتصريحات الصادرة عن الزوّار والمشاركين في وسائل الإعلام داخل سوريا تعبر عن آرائهم الشخصية ولا تمثل بالضرورة موقف الحكومة السورية."

وواصل صبلوح حديثه للحرة، وقال إنه "نظّم تكليفا إلى عشرات المحامين في أوروبا لملاحقة حكومة (نجيب) ميقاتي، لمخالفتها القوانين الدولية بتسليم القرضاوي"، حسب تعبيره.

وأبدى المحامي خشيته من أن "تقدم السلطات اللبنانية على تسليم القرضاوي اليوم، وإرساله في أول طائرة إلى الإمارات، قبل أن يتسنى له التقدم بالطعن أمام مجلس شورى الدولة للبت في قانونية القرار الحكومي".

ووفق الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان، فقد خضع القرضاوي، وهو شاعر ومعارض سياسي مصري يحمل الجنسية التركية، لاستجواب أمام النيابة العامة التمييزية في لبنان، بشأن مذكرة الإنتربول الصادرة عن مجلس وزراء الداخلية العرب.

وتطلب تلك المذكرة توقيفه بناء على حكم غيابي صادر بحقه عن القضاء المصري بالسجن 5 سنوات، وإدانته بجرائم "إذاعة أخبار كاذبة والتحريض على العنف والإرهاب والتحريض على قلب النظام".

وقالت الوكالة إنه خضع لاستجواب بحضور محاميه وبإشراف مباشر من النائب العام التمييزي، وجرى إطلاعه على مضمون المذكرة وأيضا على برقية صادرة عن دولة الإمارات تطلب من لبنان توقيفه وتسليمه لها، لملاحقته بجرم "التحريض على زعزعة الأمن في دولة الإمارات".

وحذرت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، من ما وصفتها بـ"المخاطر الجسيمة" التي قد تترتب على ترحيله من لبنان إلى مصر أو الإمارات.

وقبل قرار ترحيله بساعات، كانت نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية، سارة حشاش، قد دعت السلطات اللبنانية إلى رفض تسليم القرضاوي.

وقالت إن "تسليمه قسرًا إلى بلد يُرجَّح أن يواجه فيه الاضطهاد، سيشكل انتهاكًا صارخًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية بموجب القانون الدولي".

كما ذكرت منظمات عدالة في تركيا ومركز سيدار لحقوق الإنسان في لبنان وإفدي الدولية ببلجيكا، الإثنين، أنها خاطبت المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك ولجنة مناهضة التعذيب من أجل "مطالبة الحكومة اللبنانية بوقف قرار الترحيل القسري واحترام اتفاقية مناهضة التعذيب وإنقاذ المواطن المصري".

وكان الشاعر القرضاوي ناشطا معارضا لنظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي أُطيح به في انتفاضة شعبية عام 2011.

كما أصبح لاحقاً من أبرز المعارضين للرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

أما والده، يوسف القرضاوي، فكان من أبرز الدعاة والزعيم الروحي لجماعة الإخوان المسلمين التي تم حظرها في مصر. وسجن عدة مرات بسبب ارتباطه بالجماعة، وقضى سنواته الأخيرة في المنفى بقطر حتى وفاته في عام 2022.

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.