جوزاف عوني
جوزاف عون (فرانس برس)

أنهى قائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، أزمة الشغور الرئاسي بوصوله إلى قصر بعبدا بعد انتخابه رئيساً للجمهورية في جلسة تاريخية عقدت، الخميس، ليطوي بذلك صفحة أزمة سياسية استمرت عامين وثلاثة أشهر.

فبعد 12 جلسة انتخابية على مدى عامين، كان آخرها في 14 يونيو 2023، جميعها انتهت بالإخفاق، أعاد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تحديد موعد جديد لجلسة انتخاب الرئيس في 9 يناير، لتتحول إلى محطة مفصلية في المشهد السياسي اللبناني.

وجاء انتخاب عون رئيساً للجمهورية اللبنانية في أعقاب أجواء سياسية مشحونة وصراعات حادة بين القوى السياسية والطائفية، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية والأمنية في تاريخها الحديث، وعقب حرب مدمرة لم تضع أوزارها بشكل نهائي بعد، تاركة البلاد في حالة من الترقب والاضطراب.

وكانت الجلسة النيابية لانتخاب الرئيس الـ 14 للجمهورية اللبنانية بدأت قبل ظهر اليوم الخميس بعد اكتمال النصاب، في حضور الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان، الموفد السعودي يزيد بن فرحان، سفراء اللجنة الخماسية وعدد من الديبلوماسيين.

وحصل عون في الدورة الأولى على 71 صوتاً فيما كان المطلوب للفوز 86 صوتاً، أما بقية الأصوات فتوزعت على النحو الآتي: 37 ورقة بيضاء، 14 صوتاً لصالح "السيادة والدستور"، صوتان لشبلي الملاط، و4 أوراق ملغاة، حيث أن نواب حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر امتنعوا عن التصويت لصالح عون.

وفي الدورة الثانية التي انعقدت بعد ساعتين من انتهاء الدورة الأولى حصد عون تأييد 99 نائباً، فيما صوت 9 نواب بورقة بيضاء، كما صوت 12 نائبا بورقة "السيادة والدستور"، وحصد شبلي الملاط على صوتين، اما الاوراق الملغاة فبلغت 5، حيث صوت له حزب الله وحركة أمل في هذه الدورة

يذكر أن فوز المرشح لرئاسة الجمهورية في الدورة الأولى يتطلب حصوله على 86 صوتاً، بينما يكفي في الدورات اللاحقة حصوله على 65 صوتاً من أصل 128 نائباً.

لكن لو لم يحصل عون على 86 صوتاً في الدورة الثانية، كان ذلك سيثير جدلاً حول دستورية انتخابه، استناداً إلى المادة 49 من الدستور التي تنص على أنه "لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الأولى، وما يعادلها في جميع الإدارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الأشخاص المعنويين في القانون العام، خلال مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعلياً عن الوظيفة أو تاريخ إحالتهم على التقاعد."

فانتخاب عون بأقل من 86 صوتاً كان يتطلب تعديلاً دستورياً، إلا أن حصوله على هذا الرقم يعدّ بمثابة تصويت ضمني على تعديل الدستور، حيث إن أي تعديل دستوري يستوجب موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب، أي 86 صوتاً من أصل 128.

نهاية الأزمة الرئاسية

قبيل انتخاب عون شهدت بيروت نشاطاً دبلوماسياً مكثف، حيث توافد مبعوثون دوليون وإقليميون إلى لبنان، ما عكس الاهتمام الكبير بإنهاء أزمة الشغور، منهم المبعوث الأميركي آموس هوكستين، الذي وصل إلى بيروت يوم الاثنين، ولودريان، الذي وصل الثلاثاء، وبن فرحان، الذي زار لبنان مرتين خلال أسبوع.

وقد تركزت الجهود على دعم عون كمرشح توافقي يحظى بقبول إقليمي ودولي، خصوصاً في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة، وآخرها المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل.

النائبة بولا يعقوبيان خلال مداخلتها في جلسة البرلمان (الحرة)
"لاتحاضري في الشرف".. مشادة كلامية في جلسة اختيار رئيس جمهورية لبنان
شهدت الجلسة التي يعقدها مجلس النواب اللبناني، الخميس، لانتخاب رئيس جديد للبلاد، مشادة حامية الوطيس بين النائبة المستقلة، بولا يعقوبيان، والنائب عن التيار الوطني الحرب، سليم عون، وذلك بسبب اعتراض الأخير والعديد من النواب على تعديل الدستور لكي يتم انتخاب قائد الجيش، جوزيف عون.

فقد أصبح الشغور الرئاسي مشهداً متكرراً من الحياة السياسية في البلاد، وبعد نهاية ولاية ميشال عون عطّل حزب الله الانتخابات الرئاسية نتيجة تمسكه بدعم ترشيح سليمان فرنجية، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع النظام السوري قبل سقوطه، حيث حال غياب الإجماع النيابي دون نجاحه في الوصول إلى الرئاسة.

وقبل ساعات من جلسة اليوم الخميس، أعلن سليمان فرنجية انسحابه من السباق الرئاسي، مؤكداً أنه لم يكن يوماً عقبة أمام عملية الانتخاب. كما أعرب عن دعمه لعون، مشيداً بخصاله وقدرته على الحفاظ على "هيبة موقع الرئاسة الأولى".

ورغم رفض الثنائي الشيعي بداية لترشيح لعون، كونه المرشح الأكثر تفضيلاً لدى الأميركيين ودول عديدة، وبعد كلام أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، ان "الإلغائيين لا فرصة لهم، والمستقوون بالأجانب لن يتمكنوا من تمرير هذا الاستحقاق باستقوائهم"، عاد مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، وفيق صفا، ليشير إلى أن الفيتو الوحيد الذي يضعه حزب الله هو على رئيس حزب القوات اللبنانية، سمير جعجع.

امتنع نواب حزب الله وحركة أمل عن التصويت لقائد الجيش في الدورة الأولى، في خطوة اعتبرت رسالة سياسية مفادها أن أي اتفاق خارجي لن يتمكن من إيصال رئيس للجمهورية دون موافقتهما ومشاركتهما الفعلية.

وفي المقابل، عبّر التيار الوطني الحر عن رفضه لانتخاب عون، معللاً ذلك بأن انتخابه يتطلب تعديلاً دستورياً، مما يعني أن المضي في انتخابه يعدّ خرقاً للدستور وفق موقف التيار.

يذكر أنه وفقاً للعرف السياسي السائد في لبنان، يجب أن يكون رئيس الجمهورية مسيحياً من الطائفة المارونية، في حين يعود منصب رئاسة الحكومة للطائفة السنية، ورئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية، وتستمر ولاية رئيس الجمهورية لست سنوات، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا بعد مرور ست سنوات.

من العسكر إلى القصر

تطوع جوزاف عون في الجيش بصفة تلميذ ضابط والتحق بالكلية الحربية عام 1983، وشغل منصب قائد الجيش منذ 8 مارس 2017. 

وبرز اسمه خلال محطات عدة، من أبرزها قيادته لعملية "فجر الجرود"، حيث نجح الجيش تحت قيادته في طرد مسلحي "داعش" و"جبهة النصرة" من الحدود الشرقية للبنان.

تميزت فترة قيادة عون بترسيخ الجيش كضمان للاستقرار بعيداً عن الصراعات السياسية، وخلال انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 ضد الطبقة الحاكمة، حرص عون على نشر الجيش لحماية التظاهرات السلمية، مع الحرص على حماية المؤسسات العامة والخاصة.

كما لعب الجيش بقيادة عون دوراً محورياً في احتواء أزمات كادت تعيد لبنان إلى مربع الحرب الأهلية، من أبرز هذه الأزمات كانت اشتباكات الطيونة في أكتوبر 2021، حيث تدخل الجيش لوقف الصدام بين أنصار "حزب الله" و"القوات اللبنانية" على خلفية التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، حيث سقط خلاله عدد من القتلى من أنصار "حزب الله".

جوزيف عون
"تعديل الدستور لقائد الجيش".. ما هي نقطة الخلاف على المرشح الأبرز لرئاسة لبنان؟
أعرب عدد من النواب اللبنانيين، الخميس، عن معارضتهم لتعديل الدستور من أجل انتخاب قائد الجيش رئيسًا للجمهورية، و جاء ذلك أثناء انعقاد جلسة انتخاب رئيس للجمهورية، حيث ظهر الخلاف بشأن المرشح المناسب للرئاسة.

كذلك تمكن الجيش من السيطرة على الاشتباكات في منطقة الكحالة المسيحية شرق بيروت في أغسطس 2023، التي اندلعت بين أبناء المنطقة وعناصر من حزب الله بعد انقلاب شاحنة تحمل أسلحة للحزب، مما أدى إلى سقوط قتيل من الكحالة وأحد عناصر حزب الله.

نجاح عون في الحفاظ على المؤسسة العسكرية كصمام أمان في ظل الانهيار السياسي والاقتصادي، عزز مكانته كقائد يحظى باحترام داخلي وخارجي، وقد نجح في الحفاظ على توازن صعب بين علاقاته مع الولايات المتحدة، الداعم الرئيسي للجيش، وتجنب التصعيد مع حزب الله، كما اكتسب تقدير الدول العربية، خصوصاً السعودية، التي رأت فيه شخصية قادرة على المساهمة في استقرار لبنان.

تم التمديد للعماد جوزاف عون مرتين، الأولى في ديسمبر 2023 عندما صدق مجلس النواب اللبناني على اقتراح قانون يمدد بموجبه ولاية قائد الجيش لعام إضافي، والثانية في نوفمبر 2024.

يذكر أن عون ولد في عام 1964 في منطقة سن الفيل، وهو يحمل إجازتين، واحدة في العلوم السياسية وأخرى في العلوم العسكرية، ويتقن اللغتين الفرنسية والإنكليزية، وهو متزوج من نعمت نعمه، التي كانت ترأس قسم البروتوكول والعلاقات العامة في الجامعة اللبنانية الأميركية، ولديه ولدان: خليل، ونور.

مشهد متكرر

عون هو خامس عسكري يصل إلى قصر بعبدا، حيث جرت العادة أن يطرح اسم قائد الجيش في لبنان كخيار توافقي عندما تتعقد عملية انتخاب الرئيس نتيجة الانقسامات السياسية والطائفية، ويعود ذلك إلى دور قائد الجيش في تحقيق التوازن بين مختلف الأطراف، إضافة إلى مكانته كرمز للوحدة الوطنية في وجدان اللبنانيين، ما يجعله شخصية جامعة تحظى بقبول واسع.

فمنذ انتهاء ولاية الرئيس إلياس الهراوي، الذي تولى الرئاسة في 24 نوفمبر 1989 عقب انتهاء الحرب الأهلية، والتي جددت ولايته لثلاث سنوات حتى عام 1998، شهدت الانتخابات الرئاسية تحولاً بارزاً مع وصول قادة الجيش فقط إلى قصر بعبدا، فقبل هذه الفترة، لم ينتخب قائد للجيش لرئاسة الجمهورية سوى فؤاد شهاب.

بعد حقبة الهراوي، كانت البداية مع انتخاب العماد إميل لحود في 15 أكتوبر 1998، الذي أتى من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية مباشرة، وقد عرف عهده بتمديد ولايته حتى 2007، قبل أن يدخل لبنان في شغور رئاسي استمر ستة أشهر.

هذا الشغور، الذي أعقب نهاية ولاية لحود في 24 نوفمبر 2007، صاحبه تصعيد سياسي وأمني بلغ ذروته في أحداث 7 مايو 2008. انتهت هذه الأزمة بتوقيع "اتفاق الدوحة"، الذي مهّد الطريق لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية في 25 مايو 2008، وهو الآخر أتى من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية مباشرة.

وقد عدّل الدستور اللبناني لانتخاب كل من فؤاد شهاب وإميل لحود، أما انتخاب ميشال سليمان فلم يحتاج إلى ذلك، لأنه جاء بأكثرية الثلثين أي 86 صوتاً.

ومع انتهاء ولاية سليمان في 24 مايو 2014، دخل لبنان في فراغ رئاسي استمر عامين ونصف العام. خلال هذه الفترة، عقد البرلمان 46 جلسة دون التمكن من انتخاب رئيس، إلى أن انتخب ميشال عون رئيساً في 31 أكتوبر 2016، وحينما وصل إلى الرئاسة كان مستقيلاً من منصبه قبل سنوات.

في 31 أكتوبر 2022، انتهت ولاية عون ليجد لبنان نفسه في أزمة شغور جديدة. دعا بري إلى 12 جلسة انتخابية على مدى عامين، آخرها في 14 يونيو 2023، لكنها جميعاً باءت بالفشل، قبل أن تنجح جلسة اليوم في إنهاء الشغور الرئاسي.

سيتسلّم عون سلطاته الدستورية، في احتفال يقام بعد الظهر في القصر الجمهوري في بعبدا، وسط حضور إعلامي لبناني وعربي ودولي.

انتخاب عون رئيساً، خطوة يأمل اللبنانيون أن تكون بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني. من جهة أخرى، يمثل انتخابه بالنسبة للمجتمع الدولي خطوة نحو تثبيت الاستقرار في لبنان وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب اللبناني، لاسيما القرار 1701، بما يشمل سحب سلاح حزب الله.

لبنان حزب الله

يترقب اللبنانيون أول اختبار لقياس حجم التأييد الشعبي لحزب الله بعد الخسائر التي مُنّي بها، والدمار الذي لحق بالسكان، والبلد عموما، جراء الحرب مع إسرائيل.

وستعبر نتائج الانتخابات البلدية المقررة في مايو المقبل، ضمنا، عن مزاج الشارع، الشيعي خصوصا، حيال قضايا أبرزها سلاح الحزب وتقاعسه في إعادة إعمال المناطق المتضررة جراء الحرب.

يأتي ذلك على خلفية حالة تملل، متزايدة، من تداعيات الحرب، وما رافقها من دمار واسع في القرى الجنوبية، ونزوح آلاف العائلات من مناطقها، وتراجع في الخدمات الأساسية، إلى جانب أزمات اقتصادية خانقة.

وبينما يحاول حزب الله الإيحاء بتماسك قاعدته من خلال رفع شعارات بعيدة عن الواقع، فإن جزءا من جمهوره بات يبحث عن حلول ملموسة لأزماته اليومية، ولإعمار ما دمرته الحرب، بعيدا عن الخطابات الأيديولوجية.

المؤشرات كثيرة إلى أن الباب بات مشرعا أمام تغييرات مفصلية في المشهد المحلي، ولو على مستوى بعض البلديات، ويرجح مراقبون، تحدثوا موقع "الحرة"، أن يقول الشارع الشيعي كلمته بشأن حزب الله في الانتخابات النيابية  2026.

تحدي الانتخابات

رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب لا سيما جنوب لبنان، ورغم استمرار عمليات الاغتيال الإسرائيلية ضد عناصر من حزب الله واستهداف ترسانته العسكرية، "تتجه السلطات اللبنانية إلى إجراء الانتخابات البلدية، بعد أن كانت قد أجلتها لعامين متتاليين دون مبرر قانوني أو مقنع، متذرعة تارةً بغياب التمويل وتارةً أخرى بأوضاع أمنية ولوجستية"، كما يقول الباحث في تطوير القوانين والأنظمة الانتخابية، عاصم شيّا.

وفي حديث لموقع "الحرة"، يرى شيا أن "المشكلة الحالية التي تواجه إجراء الانتخابات البلدية ليست تقنية بقدر ما هي تنظيمية، خاصة في البلدات الجنوبية المدمرة". 

"هناك خياران أمام الجهات المعنية: إما نصب خيام داخل البلدات المتضررة إذا أصرّ السكان على الاقتراع فيها، أو نقل مراكز الاقتراع إلى بلدات مجاورة أكثر استقرارًا، على أن تُستخدم مبانٍ عامة مثل المدارس، الحسينيات، أو الكنائس لهذا الغرض".

لكن التحدي الأبرز، بحسب شيا، يكمن في تأمين "هيئة القلم"، أي الموظفين المكلفين بإدارة العملية الانتخابية، ومعظمهم من النساء العاملات في القطاع العام، لا سيما في التعليم، واللواتي يُبدين تحفظًا على التوجه إلى مناطق غير آمنة.

وتجدر الإشارة إلى أنه بحسب تقرير التقييم السريع للأضرار والاحتياجات في لبنان لعام 2025، الصادر عن البنك الدولي في 7 مارس، تقدّر احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في أعقاب الصراع الذي شهده لبنان بنحو 11 مليار دولار أميركي.

ويعد قطاع الإسكان الأكثر تضرراً، مع أضرار تقدَّر بنحو 4.6 مليار دولار، فيما بلغت الأضرار التي لحقت بالمقومات المادية 6.8 مليار دولار.

أما من الناحية الجغرافية، فيشير التقرير إلى أن أكثر المناطق تضرراً هي محافظتا النبطية والجنوب، تليهما محافظة جبل لبنان التي تضم الضاحية الجنوبية لبيروت.

حقل تجارب؟

يلاحظ الباحث عاصم شيا، الذي يراقب الأنماط الانتخابية منذ عام 2009، أن القوى السياسية استخدمت الانتخابات البلدية عام 2016 كـ"حقل تجارب" لقراءة المزاج الشعبي، بعدما راودها القلق من قانون الانتخاب رقم 25/2008 (قانون الستين)، الذي أصبح يشكل خطراً عليها بسبب تطور وعي الخصوم المستقلين.

يقول شيا إن "تأجيل الانتخابات النيابية عامي 2013 و2015، مقابل إجراء الانتخابات البلدية عام 2016، كان مدروساً، الهدف منه مراقبة اتجاهات الناخبين. وفعلاً، كشفت الانتخابات عن نقمة واسعة، ما دفع الأحزاب إلى اللجوء إلى تكتيكات جديدة، أبرزها الدفع بمرشحين "نظيفي الكف" وغير حزبيين ظاهرياً، ليترأسوا اللوائح، ثم إحاطتهم بأعضاء بلديين حزبيين يضمنون ولاء المجلس للحزب. هذه المقاربة ساعدت في ضمان المكاسب لاحقاً في انتخابات 2018".

كذلك، "تم اللجوء إلى توظيف آلاف في مؤسسات رسمية رغم عدم الحاجة الفعلية إليهم، كما جرى التعاقد مع أعداد كبيرة في الوزارات، خصوصاً التعليم، فيما اعتُبر رشوة انتخابية مقنّعة لتأمين الأصوات".

اليوم يتكرر المشهد نفسه، بحسب شيّا، "تُسرع القوى السياسية إلى إجراء الانتخابات البلدية لا لمعالجة أزمات المجالس، بل لرصد اتجاهات الناخبين، تمهيداً لاستخدام الوظائف العامة والعسكرية مجددًا كأداة لاستمالة الأصوات"، فهذه الانتخابات، في نظره، ليست سوى مختبر سياسي يساعد القوى التقليدية على إعادة تنظيم صفوفها استعداداً للمعركة الأهم: انتخابات 2026 النيابية.

في المناطق التي تعرف بـ"الحاضنة" لحزب الله، يعاني معظم السكان، الذين تعرضت منازلهم للتدمير جزئياً أو كلياً، من بطء الإجراءات المتعلقة بإعادة الإعمار، إضافة إلى تأخر استجابة الحزب لتقديم التعويضات اللازمة لترميم المنازل أو تعويض الأثاث المتضرر.

وقال الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، بشأن إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب، في 14 ديسمبر، أن "إعادة الإعمار مسؤولية الدولة،" التي تعاني أصلا من أزمة مالية خانقة. ودعا "الأشقاء العرب والدول الصديقة في المساعدة في إعادة الاعمار".

صراع عائلي تحت رايات حزبية؟

لا تعكس الانتخابات البلدية بالضرورة موازين القوى السياسية بشكل دقيق، وفقا لشيّا، "لأنها غالباً ما تكون امتداداً لصراعات عائلية داخلية.

"قد تُطرح لوائح تبدو متنافسة لكنها في الواقع تابعة للحزب نفسه، تختلف فقط حول المواقع أو التفاصيل، في مشهد يختلط فيه النفوذ العائلي بالحسابات الحزبية"، يقول شيا.

وعند تحليل تأثير الحرب الأخيرة على توجهات الناخبين، يرى شيّا ضرورة التمييز بين فئتين "الأولى تضمّ مؤيدي حزب الله، الذين رغم تضررهم من الحرب، زاد ارتباطهم به. أما الفئة الثانية، فهي من الشيعة غير المنضوين ضمن الثنائي الشيعي، هؤلاء يبدون استياءً واضحاً من الحرب ويحملون "الثنائي" مسؤولية ما جرى. ويُتوقع أن تتخذ هذه الفئة موقفاً مغايراً في الانتخابات المقبلة".

ويرى الكاتب، الصحفي مجد بو مجاهد أن "ثمة طابعا مجتمعيّا خاصا باستحقاق الانتخابات البلدية والاختيارية في لبنان في غالبية المناطق اللبنانية بخاصّة في القرى، ولا يمكن الحديث عن طابع سياسي سوى في بعض المدن الكبرى المتنوعة طائفياً كمدينة بيروت. 

"لذلك لا يمكن اعتبار الاستحقاق البلديّ بمثابة مقياس للتوجه الشعبيّ السياسي لدى المواطنين الشيعة أو سواهم من المواطنين اللبنانيين، من دون إغفال أنّ ثمة مدناً يغيب عنها التنافس السياسي في الاستحقاق الانتخابيّ البلديّ الحاليّ رغم أنه كان ظاهراً في استحقاقات بلدية سابقة".

اللافت وفق ما يقوله بو مجاهد لموقع "الحرة" أنّ "الأجواء الشيعية المجتمعية لا تبدو مهتمّة في استحقاق الانتخابات البلديّة مقارنة مع بيئات مجتمعية مغايرة تتطلّع بحيوية نحو خوض الاستحقاق والتنافس بين اللوائح على مستوى مجتمعيّ، لا سياسي".

ويشرح: "خروج المجتمع الشيعي من حرب ألحقت به خسائر كبرى، منها ضرب البنى التحتية والأراضي، سبب لتراجع الاهتمام الشيعي بخوض تنافس مجتمعيّ على الانتخابات البلدية، ولذلك كانت لافتة ظاهرة تشكيل لائحة واحدة فحسب في كثير من البلدات بعيداً عن خوض منافسة بين اللوائح".

إذا تضاعفت النقمة على "الثنائي الشيعي" _ أي حزب الله وحركة أمل _ من المواطنين في المناطق ذات الحضور الشيعي، فإنها ستظهر، وفق بو مجاهد، "في استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، لا في استحقاق الانتخابات البلدية".

"حتى الآن، هناك امتعاض شيعيّ واضح من حزب الله بخاصة بسبب تأخّر إعادة الإعمار، لكنّ تطوّر ذلك الامتعاض من عدمه سيكون مرتبطاً بما ستعرفه الأشهر اللاحقة من متغيرات".

النزاهة موضع شك؟

الحديث عن انتخابات نزيهة "غير واقعي"، يشدد شيّا، "لا بسبب حزب الله فقط، بل بسبب جميع الأحزاب التي تسيطر على مناطق نفوذها بشكل كامل ومدروس، ما يقيد قدرة المعارضين على خوض المعركة بتكافؤ".

يستشهد شيا بلائحة معارضة في بعلبك "تواجه صعوبات جمّة في التواصل مع الناخبين، في وقت تُستغل فيه الحرب والخطاب السياسي في الجنوب لتأليب الرأي العام عبر العاطفة، خصوصاً من قبل حزب الله وحركة أمل".

ويؤكد أن المعركة البلدية يجب أن تبقى محلية الطابع، "هدفها تحسين الخدمات وتفعيل دور البلديات". ويذكّر شيّا أن "الثنائي الشيعي لم يحصل في انتخابات 2022 النيابية على أكثر من 47% من أصوات الناخبين الشيعة مجتمعَين"، ما يعكس تراجعاً في شعبيته.

أما بو مجاهد فيرى أنه "قد يكون لتسليم حزب الله سلاحه والتقليل من سيطرته على المناطق الشيعية إذا حصل، نتائج تسرّع الحلول في المناطق المتضرّرة من الحرب".

ويضيف "كيفية تغيّر المزاج الانتخابي داخل البيئة الشيعية ستظهر في الانتخابات النيابية السنة المقبلة، لا في الانتخابات البلدية التي ستحصل خلال أسابيع. وتالياً، لا ترجيحات في قدرة الانتخابات البلدية على التغيير، والرهان سيكون على الانتخابات النيابية".