صورة أرشيفية للبرلمان اللبناني ـ (رويترز)

يدخل لبنان، ابتداء من الإثنين، مرحلة سياسية جديدة، مع انطلاق الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة المقبل، في خطوة تأتي بعد أيام من انتخاب قائد الجيش السابق، جوزاف عون، رئيسا للبلاد.

وتكتسب هذه الاستشارات، التي يفرضها الدستور اللبناني كخطوة إلزامية لتسمية رئيس الحكومة، أهمية خاصة في هذا التوقيت، إذ تأتي بعد إنهاء شغور رئاسي استمر لأكثر من عامين، وفي خضم تحولات إقليمية وداخلية غير مسبوقة.

ويقوم النظام السياسي في لبنان على تقاسم المناصب الرئاسية الثلاثة بين الطوائف الرئيسية؛ إذ يتولى الموارنة رئاسة الجمهورية، وتؤول رئاسة الحكومة إلى السنة، فيما يرأس الشيعة مجلس النواب، في معادلة سياسية رسخها "اتفاق الطائف".

وفي ضوء هذا النظام، تتجه الأنظار نحو 5 شخصيات سنية بارزة، مطروحة لرئاسة الحكومة المقبلة، هي:

نجيب ميقاتي

نجيب ميقاتي

يبقى رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، أحد أبرز المرشحين، إذ يحظى بدعم قوى سياسية، أبرزها الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) وتكتل "الاعتدال الوطني".

ويستند ميقاتي إلى خبرته الواسعة في إدارة الشأن الحكومي، إذ سبق له تولي رئاسة الحكومة في عدة مناسبات، آخرها الحكومة الحالية التي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال.

وتولى رئاسة الحكومة في 3 فترات مختلفة: الأولى عام 2005 حين قاد حكومة للإشراف على الانتخابات النيابية، والثانية في 2011، والثالثة منذ 2021.

وبدأ رجل الأعمال والسياسي اللبناني المخضرم الذي ولد عام 1955، مسيرته السياسية في 1998، وزيرا للأشغال العامة والنقل، قبل أن يُنتخب نائبا عن مدينة طرابلس في أعوام 2000 و2009 و2018.

وعلى مدار السنوات الماضية، لعب ميقاتي دورا محوريا في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية، إذ تولى قيادة البلاد خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. 

ويُقدم نفسه كضامن لاستمرارية المرحلة السابقة وإدارة التحديات القائمة، خاصة أنه يتمتع بعلاقات عربية ودولية واسعة.

فؤاد مخزومي

فؤاد مخزومي

في المقابل، أعلنت "قوى المعارضة"، التي تضم كتلة "القوات اللبنانية" ونوابا مستقلين بمجموع 31 نائبا، تأييدها لترشيح النائب، فؤاد مخزومي.

وأكدت في بيان لها، أن هذا القرار يأتي "بعيداً عن إرث المحاصصة والفساد"، وبهدف "فتح صفحة جديدة في موقع رئاسة الحكومة".

ويقف مخزومي، المولود في بيروت عام 1952 والحاصل على ماجستير الهندسة الكيميائية من جامعة ميشيغان الأميركية، على رأس "مجموعة المستقبل"، إحدى أبرز الشركات العالمية في صناعة أنابيب "الفيبرغلاس".

وتوسعت أعمال مخزومي، الذي بدأ مسيرته المهنية في السعودية عام 1975، لتشمل استثمارات في قطاعات متعددة، من الصناعة والهندسة إلى العقارات والإعلام، عبر شبكة شركات تضم أكثر من 5 آلاف موظف في 17 دولة.

وتمتد أنشطة مجموعته من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية. وإلى جانب نجاحه في عالم الأعمال، يسعى اليوم لقيادة الحكومة اللبنانية في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

 

إبراهيم منيمنة

دخل النائب إبراهيم منيمنة على خط المنافسة، إذ أعلن استعداده لقيادة الحكومة المقبلة، مؤكدا التزامه بتنفيذ برنامج إصلاحي شامل.

ويحمل منيمنة، المولود في جدة عام 1976، خلفية هندسية في التخطيط المدني، وخبرة في إدارة المشاريع في منطقة الشرق الأوسط.

بدأ منيمنة نشاطه السياسي عام 2015 خلال احتجاجات أزمة النفايات في بيروت، قبل أن يصل إلى البرلمان ممثلا عن دائرة بيروت الثانية.

ويقدم نفسه اليوم كمرشح إصلاحي، يركز برنامجه على معالجة الأزمة الاقتصادية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وكان منيمنة قد عمل محاضرا في الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة اللويزة، وهو حاصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيروت العربية، وماجستير في التخطيط المدني من الجامعة الأميركية في بيروت.

نواف سلام

نواف سلام

يبرز نواف سلام، الشخصية الدبلوماسية والقانونية المرموقة، والذي يتمتع بخبرة دولية واسعة، كاسم آخر ضمن قائمة المرشحين المحتملين.

والقاضي اللبناني من مواليد 15 ديسمبر عام 1953، وهو أستاذ جامعي ورجل قانون ودبلوماسي، انضم لمحكمة العدل الدولية في 6 فبراير عام 2018.

وسبق أن عمل سفيرا للبنان وممثلا دائما لها في الأمم المتحدة بنيويورك خلال الفترة ما بين يوليو 2007 وديسمبر 2017.

مارس سلام المحاماة وعمل أستاذا في التاريخ المعاصر في جامعة السوربون الفرنسية، ودرّس العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت.

أشرف ريفي

أشرف ريفي

وإلى جانب الأسماء المذكورة، أعلن النائب أشرف ريفي، أنه مرشّح لرئاسة الحكومة في المرحلة الجديدة.

وأبدى ريفي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، رغبته في الترشح لقيادة الحكومة اللبنانية، معتبرا أن ميقاتي "جزء من المنظومة السابقة التي يرفضها الجميع".

ويمتلك ريفي مسيرة أمنية طويلة امتدت لأكثر من 3 عقود، تدرج خلالها في عدد المناصب الأمنية الرفيعة حتى وصل إلى منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي (2005-2013). 

كما شغل مناصب أمنية حساسة، من بينها رئاسة فرع المعلومات ورئاسة قسم المباحث الجنائية الخاصة، قبل أن يتولى حقيبة وزارة العدل.

يحمل ريفي، المولود في طرابلس عام 1954، شهادة ماجستير في علم اجتماع الجريمة من الجامعة اللبنانية، ونال العديد من الأوسمة المحلية والدولية، من بينها وسام "الأرز الوطني" من رتبة "كوموندور" ووسام "جوقة الشرف الفرنسية".

سعد الحريري

رغم ابتعاده عن المشهد السياسي منذ 2022، عاد اسم سعد الحريري، رئيس الحكومة السابق ورئيس تيار المستقبل، ليتردد في الأوساط السياسية كأحد المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة اللبنانية، وفقا لمراسلة الحرة في بيروت.

ولد الحريري في الرياض عام 1970، وحصل على شهادة في إدارة الأعمال من جامعة جورج تاون الأميركية.

دخل المعترك السياسي بشكل مفاجئ بعد اغتيال والده رفيق الحريري، حيث تولى قيادة "تيار المستقبل" وزعامة الطائفة السنية في لبنان.

وكان الحريري قد أعلن عن "تعليق" نشاطه السياسي وعزوفه عن الترشح للانتخابات البرلمانية في عام 2022، لاقتناعه بأن "لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان، في ظل النفوذ الإيراني والتخبط الدولي والانقسام الوطني".

وجاء قراره عقب سلسلة انتكاسات مني بها، ماليا وسياسياً، وفي ظل أزمة سياسية واقتصادية ومالية حادة شلت لبنان، وفقا لفرانس برس.

وقاد الحريري بعد دخوله العمل السياسي، فريق "قوى 14 آذار"، وحقق فوزا كبيرا في البرلمان ساهم في إخراج الجيش السوري من لبنان بعد نحو 30 سنة من تواجده فيه.

ترأس الحريري 3 حكومات منذ عام 2009. وقدّم استقالة حكومته الثالثة، بعد نحو أسبوعين من بدء التحركات الشعبية المناهضة للطبقة السياسية في 17 أكتوبر 2019. ولم يتمكن رغم تسميته مجددا في 22 أكتوبر 2020 لتأليف الحكومة، من إتمام مهمته على وقع غضب شعبي وانقسام سياسي حاد.

تحركات مكثفة 

وتشهد الساحة السياسية اللبنانية حراكا مكثفاً عشية انطلاق الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة، حيث تتواصل اللقاءات والمشاورات بين مختلف الكتل النيابية لتحديد مواقفها.

ويعقد "اللقاء الديمقراطي" برئاسة النائب، تيمور جنبلاط، اجتماعه، الأحد، فيما يجتمع "التكتل الوطني المستقل" مساء الأحد أيضا، في وقت تستمر فيه المشاورات داخل تكتل التوافق الوطني للتوافق على مرشحها.

من جهته، أكد النائب قاسم هاشم، عضو كتلة "التنمية والتحرير" التي يترأسها نبيه بري، أنّ توجهه الحالي بشأن تسمية رئيس للحكومة المقبلة، هو اختيار ميقاتي.

وأوضح في حديث تلفزيوني أنّ ذلك يأتي انطلاقا من العناوين التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون. وقال: "تستوجب الظروف مسارا لترجمة خطاب الرئيس".

كيف يتم اختيار رئيس الحكومة؟

تختلف آلية اختيار رئيس الحكومة عن انتخاب رئيس الجمهورية، إذ يفوز المرشح الحاصل على أكبر عدد من أصوات النواب، دون الحاجة إلى نصاب معين.

وعادة تستغرق تسمية رئيس للحكومة في لبنان أشهرا طويلة، نظرا للخلافات السياسية العميقة بين الأفرقاء الأساسيين، لا سيما حزب الله وحركة أمل وخصومهما، غير أن التوقعات تشير إلى إمكانية تشكيل الحكومة الجديدة خلال فترة قصيرة.

ويُنظر إلى هذا الاستحقاق كاختبار حقيقي لقدرة لبنان على تجاوز أزماته وبناء مرحلة سياسية جديدة تستجيب لتطلعات المواطنين وتحديات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحولات الأخيرة، مع تراجع النفوذ الإيراني وانحسار قوة حزب الله في لبنان بعد حربه الأخيرة مع إسرائيل، إضافة إلى سقوط نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، حليفه.

جوزاف عون
تصويت حزب الله لقائد الجيش اللبناني.. هزيمة أم صفقة سياسية؟
شكّل انتخاب، العماد جوزاف عون، رئيساً للجمهورية اللبنانية منعطفاً مهماً في تاريخ البلاد، إذ جاء الاستحقاق الرئاسي في ظل تغيرات إقليمية ودولية أثرت على النفوذ التقليدي لحزب الله الذي كان اللاعب الأبرز في تحديد هوية الرؤساء.

"منعطف حاسم"

تعليقا على المستجدات الأخيرة على الساحة السياسية اللبنانية، يرى المحلل السياسي اللبناني، أسعد بشارة، أن الاستشارات النيابية المقررة "تمثل منعطفا حاسماً في تشكيل المشهد السياسي اللبناني".

ويتوقع بشارة في تصريحات لموقع "الحرة"، أن تتوزع الأصوات الـ128 في المجلس النيابي على 3 مرشحين رئيسيين، لكل منهم رؤيته وبرنامجه.

وأوضح بشارة أن "الثنائي الشيعي، المتمثل في حزب الله وحركة أمل، مع حلفائهما، يميلون إلى تسمية رئيس الحكومة الحالي، ميقاتي".

و"تدعم قوى المعارضة، النائب البيروتي مخزومي، بينما يطرح النائب منيمنة نفسه كخيار ثالث يمثل التيار الإصلاحي"، وفقا للمتحدث ذاته.

واستعرض المحلل السياسي الرؤى المختلفة للمرشحين، قائلا إن ميقاتي "يقدم نفسه كضامن لاستمرارية المرحلة السابقة، مستنداً إلى علاقاته العربية والدولية وخبرته في إدارة الأزمات".

أما مخزومي، فيطرح "مشروعا طموحا لحكومة إنقاذ اقتصادي تركز على 3 أولويات: استعادة هيبة الدولة ومؤسساتها، وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار (مع إسرائيل) بشكل كامل، والالتزام بتنفيذ القرارات الدولية".

في حين يحمل منيمنة "برنامجا إصلاحيا شاملاً يركز على معالجة الأزمة الاقتصادية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي"، حسب بشارة.

وأضاف أن "المرحلة المقبلة تتطلب توافقا وثيقا بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف"، مشدداً على أن "طبيعة التشكيلة الحكومية وبرنامجها سيعكسان هوية رئيس الحكومة المكلف وتوجهاته السياسية".

واعتبر أن "نجاح الحكومة المقبلة سيعتمد على قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الداخلي والتحديات الإقليمية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها لبنان والمنطقة".

وختم المحلل السياسي تصريحه بالقول، إن "الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل"، مشيرا إلى "احتدام المنافسة بين المرشحين الثلاثة، مع ترجيح كفة ميقاتي ومخزومي على حساب منيمنة، نظرا لحجم الكتل النيابية الداعمة لكل منهما".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.