صورة أرشيفية للبرلمان اللبناني ـ (رويترز)

يدخل لبنان، ابتداء من الإثنين، مرحلة سياسية جديدة، مع انطلاق الاستشارات النيابية لتسمية رئيس الحكومة المقبل، في خطوة تأتي بعد أيام من انتخاب قائد الجيش السابق، جوزاف عون، رئيسا للبلاد.

وتكتسب هذه الاستشارات، التي يفرضها الدستور اللبناني كخطوة إلزامية لتسمية رئيس الحكومة، أهمية خاصة في هذا التوقيت، إذ تأتي بعد إنهاء شغور رئاسي استمر لأكثر من عامين، وفي خضم تحولات إقليمية وداخلية غير مسبوقة.

ويقوم النظام السياسي في لبنان على تقاسم المناصب الرئاسية الثلاثة بين الطوائف الرئيسية؛ إذ يتولى الموارنة رئاسة الجمهورية، وتؤول رئاسة الحكومة إلى السنة، فيما يرأس الشيعة مجلس النواب، في معادلة سياسية رسخها "اتفاق الطائف".

وفي ضوء هذا النظام، تتجه الأنظار نحو 5 شخصيات سنية بارزة، مطروحة لرئاسة الحكومة المقبلة، هي:

نجيب ميقاتي

نجيب ميقاتي

يبقى رئيس حكومة تصريف الأعمال، نجيب ميقاتي، أحد أبرز المرشحين، إذ يحظى بدعم قوى سياسية، أبرزها الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل) وتكتل "الاعتدال الوطني".

ويستند ميقاتي إلى خبرته الواسعة في إدارة الشأن الحكومي، إذ سبق له تولي رئاسة الحكومة في عدة مناسبات، آخرها الحكومة الحالية التي تحولت إلى حكومة تصريف أعمال.

وتولى رئاسة الحكومة في 3 فترات مختلفة: الأولى عام 2005 حين قاد حكومة للإشراف على الانتخابات النيابية، والثانية في 2011، والثالثة منذ 2021.

وبدأ رجل الأعمال والسياسي اللبناني المخضرم الذي ولد عام 1955، مسيرته السياسية في 1998، وزيرا للأشغال العامة والنقل، قبل أن يُنتخب نائبا عن مدينة طرابلس في أعوام 2000 و2009 و2018.

وعلى مدار السنوات الماضية، لعب ميقاتي دورا محوريا في إدارة الأزمات السياسية والاقتصادية، إذ تولى قيادة البلاد خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. 

ويُقدم نفسه كضامن لاستمرارية المرحلة السابقة وإدارة التحديات القائمة، خاصة أنه يتمتع بعلاقات عربية ودولية واسعة.

فؤاد مخزومي

فؤاد مخزومي

في المقابل، أعلنت "قوى المعارضة"، التي تضم كتلة "القوات اللبنانية" ونوابا مستقلين بمجموع 31 نائبا، تأييدها لترشيح النائب، فؤاد مخزومي.

وأكدت في بيان لها، أن هذا القرار يأتي "بعيداً عن إرث المحاصصة والفساد"، وبهدف "فتح صفحة جديدة في موقع رئاسة الحكومة".

ويقف مخزومي، المولود في بيروت عام 1952 والحاصل على ماجستير الهندسة الكيميائية من جامعة ميشيغان الأميركية، على رأس "مجموعة المستقبل"، إحدى أبرز الشركات العالمية في صناعة أنابيب "الفيبرغلاس".

وتوسعت أعمال مخزومي، الذي بدأ مسيرته المهنية في السعودية عام 1975، لتشمل استثمارات في قطاعات متعددة، من الصناعة والهندسة إلى العقارات والإعلام، عبر شبكة شركات تضم أكثر من 5 آلاف موظف في 17 دولة.

وتمتد أنشطة مجموعته من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية. وإلى جانب نجاحه في عالم الأعمال، يسعى اليوم لقيادة الحكومة اللبنانية في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

 

إبراهيم منيمنة

دخل النائب إبراهيم منيمنة على خط المنافسة، إذ أعلن استعداده لقيادة الحكومة المقبلة، مؤكدا التزامه بتنفيذ برنامج إصلاحي شامل.

ويحمل منيمنة، المولود في جدة عام 1976، خلفية هندسية في التخطيط المدني، وخبرة في إدارة المشاريع في منطقة الشرق الأوسط.

بدأ منيمنة نشاطه السياسي عام 2015 خلال احتجاجات أزمة النفايات في بيروت، قبل أن يصل إلى البرلمان ممثلا عن دائرة بيروت الثانية.

ويقدم نفسه اليوم كمرشح إصلاحي، يركز برنامجه على معالجة الأزمة الاقتصادية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وكان منيمنة قد عمل محاضرا في الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة اللويزة، وهو حاصل على بكالوريوس في الهندسة المعمارية من جامعة بيروت العربية، وماجستير في التخطيط المدني من الجامعة الأميركية في بيروت.

نواف سلام

نواف سلام

يبرز نواف سلام، الشخصية الدبلوماسية والقانونية المرموقة، والذي يتمتع بخبرة دولية واسعة، كاسم آخر ضمن قائمة المرشحين المحتملين.

والقاضي اللبناني من مواليد 15 ديسمبر عام 1953، وهو أستاذ جامعي ورجل قانون ودبلوماسي، انضم لمحكمة العدل الدولية في 6 فبراير عام 2018.

وسبق أن عمل سفيرا للبنان وممثلا دائما لها في الأمم المتحدة بنيويورك خلال الفترة ما بين يوليو 2007 وديسمبر 2017.

مارس سلام المحاماة وعمل أستاذا في التاريخ المعاصر في جامعة السوربون الفرنسية، ودرّس العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة الأميركية في بيروت.

أشرف ريفي

أشرف ريفي

وإلى جانب الأسماء المذكورة، أعلن النائب أشرف ريفي، أنه مرشّح لرئاسة الحكومة في المرحلة الجديدة.

وأبدى ريفي في تصريحات لوسائل إعلام محلية، رغبته في الترشح لقيادة الحكومة اللبنانية، معتبرا أن ميقاتي "جزء من المنظومة السابقة التي يرفضها الجميع".

ويمتلك ريفي مسيرة أمنية طويلة امتدت لأكثر من 3 عقود، تدرج خلالها في عدد المناصب الأمنية الرفيعة حتى وصل إلى منصب المدير العام لقوى الأمن الداخلي (2005-2013). 

كما شغل مناصب أمنية حساسة، من بينها رئاسة فرع المعلومات ورئاسة قسم المباحث الجنائية الخاصة، قبل أن يتولى حقيبة وزارة العدل.

يحمل ريفي، المولود في طرابلس عام 1954، شهادة ماجستير في علم اجتماع الجريمة من الجامعة اللبنانية، ونال العديد من الأوسمة المحلية والدولية، من بينها وسام "الأرز الوطني" من رتبة "كوموندور" ووسام "جوقة الشرف الفرنسية".

سعد الحريري

رغم ابتعاده عن المشهد السياسي منذ 2022، عاد اسم سعد الحريري، رئيس الحكومة السابق ورئيس تيار المستقبل، ليتردد في الأوساط السياسية كأحد المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة اللبنانية، وفقا لمراسلة الحرة في بيروت.

ولد الحريري في الرياض عام 1970، وحصل على شهادة في إدارة الأعمال من جامعة جورج تاون الأميركية.

دخل المعترك السياسي بشكل مفاجئ بعد اغتيال والده رفيق الحريري، حيث تولى قيادة "تيار المستقبل" وزعامة الطائفة السنية في لبنان.

وكان الحريري قد أعلن عن "تعليق" نشاطه السياسي وعزوفه عن الترشح للانتخابات البرلمانية في عام 2022، لاقتناعه بأن "لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان، في ظل النفوذ الإيراني والتخبط الدولي والانقسام الوطني".

وجاء قراره عقب سلسلة انتكاسات مني بها، ماليا وسياسياً، وفي ظل أزمة سياسية واقتصادية ومالية حادة شلت لبنان، وفقا لفرانس برس.

وقاد الحريري بعد دخوله العمل السياسي، فريق "قوى 14 آذار"، وحقق فوزا كبيرا في البرلمان ساهم في إخراج الجيش السوري من لبنان بعد نحو 30 سنة من تواجده فيه.

ترأس الحريري 3 حكومات منذ عام 2009. وقدّم استقالة حكومته الثالثة، بعد نحو أسبوعين من بدء التحركات الشعبية المناهضة للطبقة السياسية في 17 أكتوبر 2019. ولم يتمكن رغم تسميته مجددا في 22 أكتوبر 2020 لتأليف الحكومة، من إتمام مهمته على وقع غضب شعبي وانقسام سياسي حاد.

تحركات مكثفة 

وتشهد الساحة السياسية اللبنانية حراكا مكثفاً عشية انطلاق الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس الحكومة، حيث تتواصل اللقاءات والمشاورات بين مختلف الكتل النيابية لتحديد مواقفها.

ويعقد "اللقاء الديمقراطي" برئاسة النائب، تيمور جنبلاط، اجتماعه، الأحد، فيما يجتمع "التكتل الوطني المستقل" مساء الأحد أيضا، في وقت تستمر فيه المشاورات داخل تكتل التوافق الوطني للتوافق على مرشحها.

من جهته، أكد النائب قاسم هاشم، عضو كتلة "التنمية والتحرير" التي يترأسها نبيه بري، أنّ توجهه الحالي بشأن تسمية رئيس للحكومة المقبلة، هو اختيار ميقاتي.

وأوضح في حديث تلفزيوني أنّ ذلك يأتي انطلاقا من العناوين التي أطلقها رئيس الجمهورية جوزاف عون. وقال: "تستوجب الظروف مسارا لترجمة خطاب الرئيس".

كيف يتم اختيار رئيس الحكومة؟

تختلف آلية اختيار رئيس الحكومة عن انتخاب رئيس الجمهورية، إذ يفوز المرشح الحاصل على أكبر عدد من أصوات النواب، دون الحاجة إلى نصاب معين.

وعادة تستغرق تسمية رئيس للحكومة في لبنان أشهرا طويلة، نظرا للخلافات السياسية العميقة بين الأفرقاء الأساسيين، لا سيما حزب الله وحركة أمل وخصومهما، غير أن التوقعات تشير إلى إمكانية تشكيل الحكومة الجديدة خلال فترة قصيرة.

ويُنظر إلى هذا الاستحقاق كاختبار حقيقي لقدرة لبنان على تجاوز أزماته وبناء مرحلة سياسية جديدة تستجيب لتطلعات المواطنين وتحديات المرحلة المقبلة، خاصة في ظل التحولات الأخيرة، مع تراجع النفوذ الإيراني وانحسار قوة حزب الله في لبنان بعد حربه الأخيرة مع إسرائيل، إضافة إلى سقوط نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، حليفه.

جوزاف عون
تصويت حزب الله لقائد الجيش اللبناني.. هزيمة أم صفقة سياسية؟
شكّل انتخاب، العماد جوزاف عون، رئيساً للجمهورية اللبنانية منعطفاً مهماً في تاريخ البلاد، إذ جاء الاستحقاق الرئاسي في ظل تغيرات إقليمية ودولية أثرت على النفوذ التقليدي لحزب الله الذي كان اللاعب الأبرز في تحديد هوية الرؤساء.

"منعطف حاسم"

تعليقا على المستجدات الأخيرة على الساحة السياسية اللبنانية، يرى المحلل السياسي اللبناني، أسعد بشارة، أن الاستشارات النيابية المقررة "تمثل منعطفا حاسماً في تشكيل المشهد السياسي اللبناني".

ويتوقع بشارة في تصريحات لموقع "الحرة"، أن تتوزع الأصوات الـ128 في المجلس النيابي على 3 مرشحين رئيسيين، لكل منهم رؤيته وبرنامجه.

وأوضح بشارة أن "الثنائي الشيعي، المتمثل في حزب الله وحركة أمل، مع حلفائهما، يميلون إلى تسمية رئيس الحكومة الحالي، ميقاتي".

و"تدعم قوى المعارضة، النائب البيروتي مخزومي، بينما يطرح النائب منيمنة نفسه كخيار ثالث يمثل التيار الإصلاحي"، وفقا للمتحدث ذاته.

واستعرض المحلل السياسي الرؤى المختلفة للمرشحين، قائلا إن ميقاتي "يقدم نفسه كضامن لاستمرارية المرحلة السابقة، مستنداً إلى علاقاته العربية والدولية وخبرته في إدارة الأزمات".

أما مخزومي، فيطرح "مشروعا طموحا لحكومة إنقاذ اقتصادي تركز على 3 أولويات: استعادة هيبة الدولة ومؤسساتها، وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار (مع إسرائيل) بشكل كامل، والالتزام بتنفيذ القرارات الدولية".

في حين يحمل منيمنة "برنامجا إصلاحيا شاملاً يركز على معالجة الأزمة الاقتصادية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي"، حسب بشارة.

وأضاف أن "المرحلة المقبلة تتطلب توافقا وثيقا بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف"، مشدداً على أن "طبيعة التشكيلة الحكومية وبرنامجها سيعكسان هوية رئيس الحكومة المكلف وتوجهاته السياسية".

واعتبر أن "نجاح الحكومة المقبلة سيعتمد على قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الداخلي والتحديات الإقليمية، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها لبنان والمنطقة".

وختم المحلل السياسي تصريحه بالقول، إن "الساعات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل"، مشيرا إلى "احتدام المنافسة بين المرشحين الثلاثة، مع ترجيح كفة ميقاتي ومخزومي على حساب منيمنة، نظرا لحجم الكتل النيابية الداعمة لكل منهما".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".