سلام التقى عون وبري بعد تكليفه رئاسة الحكومة - AFP

شكّل تكليف رئيس محكمة العدل الدولية، القاضي نواف سلام، برئاسة الحكومة اللبنانية مفاجأة لنواب حزب الله، الذين طلبوا تأجيل موعد الاستشارات النيابية إلى اليوم التالي بعد أن تبيّن أن كفة الميزان تميل لصالح سلام، إلا أنهم عادوا وتوجهوا إلى القصر الرئاسي للمشاركة في هذا الاستحقاق، أمام إصرار الرئيس اللبناني.

وعقب اجتماعهم مع الرئيس اللبناني، جوزاف عون، أعرب النائب محمد رعد عن أسف كتلة نواب حزب الله لما وصفه بـ"محاولة خدش إطلالة العهد التوافقية"، متهماً بعض الأطراف الداخلية بالسعي إلى "التفكيك والتقسيم والإقصاء والكيدية".

ولمّح رعد إلى وجود "اتفاق مسبق" تم قبل الموافقة على انتخاب الرئيس، كان يقضي بالتوافق على اسم رئيس الحكومة، قائلاً "لقد خطونا خطوة إيجابية عند انتخاب رئيس الجمهورية، وكنا نأمل أن نلقى اليد التي تغنت بأنها ممدودة، لكنها قطعت".

وأكد أن الكتلة تطالب بحكومة ميثاقية، مشدداً على أن "أي حكومة تناقض العيش المشترك لا شرعية لها".

في هذا السياق، امتنعت كتلة حزب الله، إلى جانب حليفتها كتلة حركة أمل، عن التصويت لأي مرشح خلال الاستشارات النيابية، هذا الموقف أثار مخاوف من تفاقم الأزمة السياسية في لبنان وإمكان تفجير أزمة حكومية جديدة.

من جانبه أكد سلام، بعد انتهاء الاجتماع مع عون ورئيس البرلمان اللبناني زعيم حركة "أمل"، نبيه بري، في القصر الرئاسي أنه ليس من أهل الإقصاء بل من أهل الوحدة، ولا من أهل الاستبعاد بل من أهل الشراكة الوطنية.

ولفت إلى أن يديه ممدودتين للجميع "من أجل البدء بالإصلاح كي لا يشعر أي مواطن بالتهميش"، كما دعا إلى "العمل على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها".

ما هي الميثاقية؟

وكان رعد طالب بتشكيل حكومة ميثاقية، وهي حكومة ترتكز على مبادئ "الميثاق الوطني"، الاتفاق غير المكتوب الذي شكل الأساس لقيام دولة لبنان عام 1943، الذي يؤكد على أهمية تحقيق العيش المشترك بين مختلف الطوائف اللبنانية.

وتبلور هذا المفهوم بشكل أكبر مع "اتفاق الطائف" عام 1989، الذي أفضى إلى تعديلات دستورية أقرت في عام 1990، من خلال إدراج الفقرة "ي" في مقدمة الدستور، التي تنص على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

لكن الميثاقية تحولت من مبدأ يعزز الشراكة الوطنية إلى سلاح سياسي يستغل لتعزيز المصالح الطائفية، حيث عمد الثنائي الشيعي إلى احتكار مفهوم "الميثاقية الشيعية".

واستغل الثنائي الشيعي هذا المبدأ في فرض شروط على التمثيل الوزاري وتعطيل عمل الحكومات من خلال الانسحاب أو تعليق المشاركة، كما حدث مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2006، حين انسحب منها ووصفت لاحقًا بـ"الحكومة البتراء"، مما أدى إلى انحراف الميثاقية عن جوهرها الأساسي.

في هذا السياق، كتب النائب السابق مصباح الأحدب عبر منصة "اكس"، "الميثاقية وجدت لحماية حقوق الطوائف لا لتسلط الأحزاب عليها".

وتساءل الأحدب "من قال إن المكون الشيعي الأساسي في الوطن لن يمثل في الحكومة".

كما قال رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، خلال حديث اعلامي أمس الاثنين، إن "تركيبة الدولة اللبنانية تعكس عملية التوافق، ولكن ليس من الضروري خوض أي مسألة بالتوافق، وما تحدث عنه رعد عن العيش المشترك يعدّ أيضاً خارج السياق، والإقصاء يكون في حال قرر رئيس الحكومة المكلّف نواف سلام تشكيل الحكومة العتيدة بلا الطائفة الشيعية".

وشدد على أن "أحد المفاهيم الخاطئة التي كرست في السنوات الماضية هي معنى الميثاقية التي تتمثّل في الحقيقة بين الطوائف لا بين المذاهب، وبالتالي لو لم يوافق أي نائب مسلم على القاضي سلام لكنّا أمام حالة الـ"لا ميثاقية".

وعن "تسونامي" الأصوات الذي حصل عليه سلام، يعلّق الباحث في الشأن السياسي نضال السبع قائلاً "هذا النجاح يعود إلى انسحاب النائب فؤاد مخزومي صباح الاثنين لصالح سلام..".

واعتبر أن خطوة مخزومي "وطنية اتخذها بشكل منفرد بعدما استشعر خطورة استمرار ترشحه في ظل في ظل ترشح النائب إبراهيم منيمنة وسلام، الأمر الذي كان سيؤدي إلى تشتيت أصوات المعارضة وتمهيد الطريق لنجاح نجيب ميقاتي، مع ما يعنيه ذلك من دلالات على استمرار نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة".

ويشدد السبع، في حديث لموقع "الحرة"، على أن انسحاب مخزومي "جاء ليتيح المجال أمام تسمية سلام، رغم أن الأخير بدأ السباق بدعم من 6 نواب فقط، مقارنة بمخزومي الذي كان ينطلق من قاعدة مؤلفة من 31 صوتاً وبالرغم أيضاً من الدعم السعودي الذي كان يحظى به".

استياء يعيق التشكيل؟

عكس تصريح رعد، استياء وانزعاجاً واضحاً ومفاجأة كبيرة داخل حزب الله، كما يقول السبع، مشيراً إلى أن "حزب الله كان قد نام على وقع تعهدات قدمت له بعد انتخاب عون رئيساً للجمهورية. هذه التعهدات مرتبطة برئاسة الحكومة، إعادة الإعمار، مكانة وحجم الثنائي الشيعي داخل النظام السياسي، تطبيق القرار 1701، الانسحاب الإسرائيلي، وملف الأسرى".

هذه التعهدات فشلت، كما يقول السبع، "في أول اختبار لها، ولم يقبض حزب الله الثمن، لذلك هو يعتبر ما حدث طعنة له، ومحاولة لإبعاده عن مواقع السلطة، حيث خرجت رئاسة الجمهورية من يده، وكذلك رئاسة الحكومة، فضلاً عن موقع قيادة الجيش الذي ليس له رأي فيه، وحاكمية مصرف لبنان".

ويضيف السبع "حديث رعد عن الميثاقية إشارة إلى أن الحزب لن يشارك في الحكومة الجديدة، حيث سيسعى لتعطيل مسار تكليف سلام بمنعه من تشكيل حكومة، كون تكليف سلام يشكّل هزيمة سياسية لحزب الله الذي مني كذلك بهزيمة أمنية وعسكرية تمتد من غزة إلى دمشق وصولاً إلى بيروت".

ويكشف أن نواف سلام نفسه لم يكن يتوقع تكليفه برئاسة الحكومة، موضحاً "بحسب المعلومات التي وصلتني، أحد أصدقاء رئيس الحكومة المكلف اجتمع به قبل يومين، فأبلغه سلام شخصياً أنه ليس مرشحاً لعدم وجود حظوظ لديه، وأن المعنيين أبلغوه أن الوقت ليس مناسباً لترشحه، ما دفعه إلى اتخاذ قرار السفر إلى أوروبا لاستكمال عمله هناك، كما أن النواب كانوا غير مدركين أن قرار تسميته سيصلهم صباح أمس الاثنين".

من جانبه، يعتبر النائب السابق فارس سعيد أن "ذات الاندفاعة العربية والدولية التي أدت إلى انتخاب عون لرئاسة الجمهورية هي التي عصفت في لبنان وأدت إلى وصول سلام إلى سدة رئاسة الحكومة".

ويضيف سعيد، في حديث لموقع "الحرة"، أنه "من الطبيعي أن يشعر حزب الله بالقلق من هذا العصف السياسي الذي بدأ في المنطقة وأدى إلى انهيار النظام في سوريا من جهة وانهيار طبيعة وظيفة حزب الله الإقليمية من جهة أخرى".

سيناريوهات المواجهة

بعد تكليف سلام، يجد حزب الله نفسه أمام ثلاثة خيارات، كما يقول السبع، ويوضح "إما أن يشارك في الحكومة دون التأثير بها، مما يعد خسارة له، أو لا يشارك فيها ويسمح لشخصيات شيعية أخرى بالمشاركة، ما يشكل أيضاً خسارة له..".

أما الخيار الثالث، وفق سعيد، فـ"هو رفض المشاركة في الحكومة وتشكيكه بميثاقيتها، مما يفتح الباب لأزمة حكومية كبرى، ويستمر الرئيس نجيب ميقاتي بتسيير أعمال الحكومة الحالية، ما يشكل ضربة للعهد في بدايته".

وبعدما جرت العادة في الحكومات الماضية أن تتضمن البيانات الوزارية معادلة "جيش، شعب، مقاومة"، يطرح السؤال فيما إن تمكن سلام من تشكيل حكومة، هل سيوافق حزب الله على أن يكون بيانها الوزاري متناغماً مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية، خاصة فيما يتعلق بحصرية السلاح تحت قيادة الدولة اللبنانية، عن ذلك، يجيب السبع "من المؤكد أن حزب الله لن يرضى بذلك".

ويشير إلى أن "تكليف سلام هو مشروع إشكالي داخل البلد ومشروع فراغ حكومي، فمن جهة، هو لا يستطيع تبني سلاح حزب الله، ومن جهة أخرى، البيئة الشيعية، التي تمثلها كتلة وازنة وميثاقية، تطالب ببقاء السلاح، معتبرة أنه يوفر الحماية لها، خصوصاً مع استمرار التهديد الإسرائيلي في الجنوب".

ويضيف السبع "نحن أمام إشكالية كبيرة، حيث يقع على عاتق سلام التزامات دولية واضحة، كما ظهر من حديث المبعوث الأميركي آموس هوكسين في منزل النائب فؤاد مخزومي، عندما تحدث عن سحب السلاح من جنوب خط الليطاني وشماله، مما يعني أن هناك ضغطاً أميركياً نحو نظام جديد يدفع باتجاه نزع سلاح حزب الله، وهذا يتعارض مع موقف الحزب وقدرة سلام على تحقيقه".

يذكر أن رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، شدد، خلال حديثه الإعلامي، على أن "القوات ستكون خارج أي حكومة تلحظ في بيانها الوزاري معادلة: جيش، شعب، مقاومة، أو تضم وزراء عليهم أي شبهة، إنما ستشارك في حكومة تشبه صفات رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الحكومة المكلف".

ويرى سعيد أن إحدى المهام الأساسية المقبلة للرئيس سلام ستكون "التعامل مع الأزمة التي تواجه الطائفة الشيعية، والتي تعد مكوناً رئيسياً ومؤسساً للكيان اللبناني".

واعتبر أنه "لا خوف على سلام في هذه المهمة نظراً إلى ماضيه الوطني وعلاقاته الوطنية الثابتة، بالإضافة إلى الأجواء الجديدة التي بدأت تتبلور في المنطقة".

ويشدد قائلا: "أعتقد أن سلام سيتعامل مع هذا الواقع بحكمة ودراية، بما يضمن شعور جميع الأطراف بأنهم تحت مظلة الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والدولة اللبنانية".

ويشير سعيد إلى أن "سلام ينتمي إلى عائلة سياسية وبيئة تقدّر قيمة العيش المشترك في لبنان، مما يؤهله لمعالجة التحديات الوطنية الراهنة، لذلك سيسعى بكل ما لديه من قوة لمعالجة هذا الأمر".

كما يرى سعيد أن "البيان الوزاري سيكون متناغماً مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية، بما يعكس الالتزام بالدستور والقانون". أما بشأن موقف حزب الله، فيعتقد أن الحزب "يمتلك الحكمة الكافية للتعامل مع هذا الواقع الجديد".

وفيما إن كان تشكيل حكومة جديدة برئاسة سلام سيمثل مرحلة جديدة لتفعيل المؤسسات ودولة القانون، يجيب السبع "الحكم على ذلك لا يمكن إلا بعد التجربة، حيث إن سلام لم يتولَّ هذا المنصب من قبل. صحيح أنه كان ممثلاً للبنان في الأمم المتحدة، لكنه بعيد عن الأداء الحكومي، فحتى النواب الذين سمّوه لا يعرفونه جيداً"، في حين يقول سعيد "نحن أمام فرصة حقيقية لتحقيق هذا الهدف".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.