سلام التقى عون وبري بعد تكليفه رئاسة الحكومة - AFP

شكّل تكليف رئيس محكمة العدل الدولية، القاضي نواف سلام، برئاسة الحكومة اللبنانية مفاجأة لنواب حزب الله، الذين طلبوا تأجيل موعد الاستشارات النيابية إلى اليوم التالي بعد أن تبيّن أن كفة الميزان تميل لصالح سلام، إلا أنهم عادوا وتوجهوا إلى القصر الرئاسي للمشاركة في هذا الاستحقاق، أمام إصرار الرئيس اللبناني.

وعقب اجتماعهم مع الرئيس اللبناني، جوزاف عون، أعرب النائب محمد رعد عن أسف كتلة نواب حزب الله لما وصفه بـ"محاولة خدش إطلالة العهد التوافقية"، متهماً بعض الأطراف الداخلية بالسعي إلى "التفكيك والتقسيم والإقصاء والكيدية".

ولمّح رعد إلى وجود "اتفاق مسبق" تم قبل الموافقة على انتخاب الرئيس، كان يقضي بالتوافق على اسم رئيس الحكومة، قائلاً "لقد خطونا خطوة إيجابية عند انتخاب رئيس الجمهورية، وكنا نأمل أن نلقى اليد التي تغنت بأنها ممدودة، لكنها قطعت".

وأكد أن الكتلة تطالب بحكومة ميثاقية، مشدداً على أن "أي حكومة تناقض العيش المشترك لا شرعية لها".

في هذا السياق، امتنعت كتلة حزب الله، إلى جانب حليفتها كتلة حركة أمل، عن التصويت لأي مرشح خلال الاستشارات النيابية، هذا الموقف أثار مخاوف من تفاقم الأزمة السياسية في لبنان وإمكان تفجير أزمة حكومية جديدة.

من جانبه أكد سلام، بعد انتهاء الاجتماع مع عون ورئيس البرلمان اللبناني زعيم حركة "أمل"، نبيه بري، في القصر الرئاسي أنه ليس من أهل الإقصاء بل من أهل الوحدة، ولا من أهل الاستبعاد بل من أهل الشراكة الوطنية.

ولفت إلى أن يديه ممدودتين للجميع "من أجل البدء بالإصلاح كي لا يشعر أي مواطن بالتهميش"، كما دعا إلى "العمل على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها".

ما هي الميثاقية؟

وكان رعد طالب بتشكيل حكومة ميثاقية، وهي حكومة ترتكز على مبادئ "الميثاق الوطني"، الاتفاق غير المكتوب الذي شكل الأساس لقيام دولة لبنان عام 1943، الذي يؤكد على أهمية تحقيق العيش المشترك بين مختلف الطوائف اللبنانية.

وتبلور هذا المفهوم بشكل أكبر مع "اتفاق الطائف" عام 1989، الذي أفضى إلى تعديلات دستورية أقرت في عام 1990، من خلال إدراج الفقرة "ي" في مقدمة الدستور، التي تنص على أن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

لكن الميثاقية تحولت من مبدأ يعزز الشراكة الوطنية إلى سلاح سياسي يستغل لتعزيز المصالح الطائفية، حيث عمد الثنائي الشيعي إلى احتكار مفهوم "الميثاقية الشيعية".

واستغل الثنائي الشيعي هذا المبدأ في فرض شروط على التمثيل الوزاري وتعطيل عمل الحكومات من خلال الانسحاب أو تعليق المشاركة، كما حدث مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2006، حين انسحب منها ووصفت لاحقًا بـ"الحكومة البتراء"، مما أدى إلى انحراف الميثاقية عن جوهرها الأساسي.

في هذا السياق، كتب النائب السابق مصباح الأحدب عبر منصة "اكس"، "الميثاقية وجدت لحماية حقوق الطوائف لا لتسلط الأحزاب عليها".

وتساءل الأحدب "من قال إن المكون الشيعي الأساسي في الوطن لن يمثل في الحكومة".

كما قال رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، خلال حديث اعلامي أمس الاثنين، إن "تركيبة الدولة اللبنانية تعكس عملية التوافق، ولكن ليس من الضروري خوض أي مسألة بالتوافق، وما تحدث عنه رعد عن العيش المشترك يعدّ أيضاً خارج السياق، والإقصاء يكون في حال قرر رئيس الحكومة المكلّف نواف سلام تشكيل الحكومة العتيدة بلا الطائفة الشيعية".

وشدد على أن "أحد المفاهيم الخاطئة التي كرست في السنوات الماضية هي معنى الميثاقية التي تتمثّل في الحقيقة بين الطوائف لا بين المذاهب، وبالتالي لو لم يوافق أي نائب مسلم على القاضي سلام لكنّا أمام حالة الـ"لا ميثاقية".

وعن "تسونامي" الأصوات الذي حصل عليه سلام، يعلّق الباحث في الشأن السياسي نضال السبع قائلاً "هذا النجاح يعود إلى انسحاب النائب فؤاد مخزومي صباح الاثنين لصالح سلام..".

واعتبر أن خطوة مخزومي "وطنية اتخذها بشكل منفرد بعدما استشعر خطورة استمرار ترشحه في ظل في ظل ترشح النائب إبراهيم منيمنة وسلام، الأمر الذي كان سيؤدي إلى تشتيت أصوات المعارضة وتمهيد الطريق لنجاح نجيب ميقاتي، مع ما يعنيه ذلك من دلالات على استمرار نفوذ حزب الله داخل مؤسسات الدولة".

ويشدد السبع، في حديث لموقع "الحرة"، على أن انسحاب مخزومي "جاء ليتيح المجال أمام تسمية سلام، رغم أن الأخير بدأ السباق بدعم من 6 نواب فقط، مقارنة بمخزومي الذي كان ينطلق من قاعدة مؤلفة من 31 صوتاً وبالرغم أيضاً من الدعم السعودي الذي كان يحظى به".

استياء يعيق التشكيل؟

عكس تصريح رعد، استياء وانزعاجاً واضحاً ومفاجأة كبيرة داخل حزب الله، كما يقول السبع، مشيراً إلى أن "حزب الله كان قد نام على وقع تعهدات قدمت له بعد انتخاب عون رئيساً للجمهورية. هذه التعهدات مرتبطة برئاسة الحكومة، إعادة الإعمار، مكانة وحجم الثنائي الشيعي داخل النظام السياسي، تطبيق القرار 1701، الانسحاب الإسرائيلي، وملف الأسرى".

هذه التعهدات فشلت، كما يقول السبع، "في أول اختبار لها، ولم يقبض حزب الله الثمن، لذلك هو يعتبر ما حدث طعنة له، ومحاولة لإبعاده عن مواقع السلطة، حيث خرجت رئاسة الجمهورية من يده، وكذلك رئاسة الحكومة، فضلاً عن موقع قيادة الجيش الذي ليس له رأي فيه، وحاكمية مصرف لبنان".

ويضيف السبع "حديث رعد عن الميثاقية إشارة إلى أن الحزب لن يشارك في الحكومة الجديدة، حيث سيسعى لتعطيل مسار تكليف سلام بمنعه من تشكيل حكومة، كون تكليف سلام يشكّل هزيمة سياسية لحزب الله الذي مني كذلك بهزيمة أمنية وعسكرية تمتد من غزة إلى دمشق وصولاً إلى بيروت".

ويكشف أن نواف سلام نفسه لم يكن يتوقع تكليفه برئاسة الحكومة، موضحاً "بحسب المعلومات التي وصلتني، أحد أصدقاء رئيس الحكومة المكلف اجتمع به قبل يومين، فأبلغه سلام شخصياً أنه ليس مرشحاً لعدم وجود حظوظ لديه، وأن المعنيين أبلغوه أن الوقت ليس مناسباً لترشحه، ما دفعه إلى اتخاذ قرار السفر إلى أوروبا لاستكمال عمله هناك، كما أن النواب كانوا غير مدركين أن قرار تسميته سيصلهم صباح أمس الاثنين".

من جانبه، يعتبر النائب السابق فارس سعيد أن "ذات الاندفاعة العربية والدولية التي أدت إلى انتخاب عون لرئاسة الجمهورية هي التي عصفت في لبنان وأدت إلى وصول سلام إلى سدة رئاسة الحكومة".

ويضيف سعيد، في حديث لموقع "الحرة"، أنه "من الطبيعي أن يشعر حزب الله بالقلق من هذا العصف السياسي الذي بدأ في المنطقة وأدى إلى انهيار النظام في سوريا من جهة وانهيار طبيعة وظيفة حزب الله الإقليمية من جهة أخرى".

سيناريوهات المواجهة

بعد تكليف سلام، يجد حزب الله نفسه أمام ثلاثة خيارات، كما يقول السبع، ويوضح "إما أن يشارك في الحكومة دون التأثير بها، مما يعد خسارة له، أو لا يشارك فيها ويسمح لشخصيات شيعية أخرى بالمشاركة، ما يشكل أيضاً خسارة له..".

أما الخيار الثالث، وفق سعيد، فـ"هو رفض المشاركة في الحكومة وتشكيكه بميثاقيتها، مما يفتح الباب لأزمة حكومية كبرى، ويستمر الرئيس نجيب ميقاتي بتسيير أعمال الحكومة الحالية، ما يشكل ضربة للعهد في بدايته".

وبعدما جرت العادة في الحكومات الماضية أن تتضمن البيانات الوزارية معادلة "جيش، شعب، مقاومة"، يطرح السؤال فيما إن تمكن سلام من تشكيل حكومة، هل سيوافق حزب الله على أن يكون بيانها الوزاري متناغماً مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية، خاصة فيما يتعلق بحصرية السلاح تحت قيادة الدولة اللبنانية، عن ذلك، يجيب السبع "من المؤكد أن حزب الله لن يرضى بذلك".

ويشير إلى أن "تكليف سلام هو مشروع إشكالي داخل البلد ومشروع فراغ حكومي، فمن جهة، هو لا يستطيع تبني سلاح حزب الله، ومن جهة أخرى، البيئة الشيعية، التي تمثلها كتلة وازنة وميثاقية، تطالب ببقاء السلاح، معتبرة أنه يوفر الحماية لها، خصوصاً مع استمرار التهديد الإسرائيلي في الجنوب".

ويضيف السبع "نحن أمام إشكالية كبيرة، حيث يقع على عاتق سلام التزامات دولية واضحة، كما ظهر من حديث المبعوث الأميركي آموس هوكسين في منزل النائب فؤاد مخزومي، عندما تحدث عن سحب السلاح من جنوب خط الليطاني وشماله، مما يعني أن هناك ضغطاً أميركياً نحو نظام جديد يدفع باتجاه نزع سلاح حزب الله، وهذا يتعارض مع موقف الحزب وقدرة سلام على تحقيقه".

يذكر أن رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، شدد، خلال حديثه الإعلامي، على أن "القوات ستكون خارج أي حكومة تلحظ في بيانها الوزاري معادلة: جيش، شعب، مقاومة، أو تضم وزراء عليهم أي شبهة، إنما ستشارك في حكومة تشبه صفات رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الحكومة المكلف".

ويرى سعيد أن إحدى المهام الأساسية المقبلة للرئيس سلام ستكون "التعامل مع الأزمة التي تواجه الطائفة الشيعية، والتي تعد مكوناً رئيسياً ومؤسساً للكيان اللبناني".

واعتبر أنه "لا خوف على سلام في هذه المهمة نظراً إلى ماضيه الوطني وعلاقاته الوطنية الثابتة، بالإضافة إلى الأجواء الجديدة التي بدأت تتبلور في المنطقة".

ويشدد قائلا: "أعتقد أن سلام سيتعامل مع هذا الواقع بحكمة ودراية، بما يضمن شعور جميع الأطراف بأنهم تحت مظلة الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والدولة اللبنانية".

ويشير سعيد إلى أن "سلام ينتمي إلى عائلة سياسية وبيئة تقدّر قيمة العيش المشترك في لبنان، مما يؤهله لمعالجة التحديات الوطنية الراهنة، لذلك سيسعى بكل ما لديه من قوة لمعالجة هذا الأمر".

كما يرى سعيد أن "البيان الوزاري سيكون متناغماً مع خطاب القسم لرئيس الجمهورية، بما يعكس الالتزام بالدستور والقانون". أما بشأن موقف حزب الله، فيعتقد أن الحزب "يمتلك الحكمة الكافية للتعامل مع هذا الواقع الجديد".

وفيما إن كان تشكيل حكومة جديدة برئاسة سلام سيمثل مرحلة جديدة لتفعيل المؤسسات ودولة القانون، يجيب السبع "الحكم على ذلك لا يمكن إلا بعد التجربة، حيث إن سلام لم يتولَّ هذا المنصب من قبل. صحيح أنه كان ممثلاً للبنان في الأمم المتحدة، لكنه بعيد عن الأداء الحكومي، فحتى النواب الذين سمّوه لا يعرفونه جيداً"، في حين يقول سعيد "نحن أمام فرصة حقيقية لتحقيق هذا الهدف".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".