Residents of the southern Lebanese village of Khiam wave Hezbollah flags as they walk beneath a portrait of slain Hezbollah…
أنصار لحزب الله يسيرون في مناطق بالجنوب حاملين أعلام الحزب مرددين شعارات داعمة له

ترجم حزب الله التصعيد الذي هدد به في حال لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف النار، من خلال حث أهالي الجنوب اللبناني على التوجه إلى البلدات الحدودية، غير مكترث بالمخاطر التي قد تترتب على تعريضهم لخطر مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

تجاهل الحزب الالتزامات الواردة في اتفاق الهدنة، التي تنصّ على انسحابه من جنوب نهر الليطاني وتسليم سلاحه بدءاً من تلك المناطق، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني كشرط أساسي لانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدلاً من ذلك، اختار التصعيد الميداني عبر أبناء الجنوب. 

مع ساعات الصباح الأولى ليوم أمس الأحد، تجمّع عشرات الأشخاص من سكان المناطق الحدودية، حاملين شعارات وأعلام حزب الله، ما أدى إلى سقوط 24 قتيلاً، وإصابة 134 شخصاً، واعتقال عدد من المشاركين من قبل القوات الإسرائيلية.

ولا يزال أهالي البلدات الجنوبية، اليوم الاثنين، يحاولون العودة إلى منازلهم رغم وجود الجيش الإسرائيلي. وقد تم تسجيل إصابتين في بلدة بني حيان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن قواته أطلقت النار بهدف "إبعاد وإزالة التهديدات" في عدة مناطق تم فيها رصد مشتبه بهم يقتربون من الحدود، كما أشار إلى اعتقال عدد من المشتبه بهم جنوب لبنان، بدعوى تشكيلهم تهديداً حقيقياً، مؤكداً أن التحقيق معهم جارٍ ميدانياً.

وبعد أن استخدم حزب الله أبناء بيئته دروعا بشرية، عاد ووافق على تمديد اتفاق الهدنة، حيث أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، استمرار العمل بتفاهم وقف إطلاق النار حتى 18 فبراير 2025.

خطوة متسرّعة؟

بعد تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، أثار تصريح وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال، مصطفى بيرم، المحسوب على حزب الله، جدلاً واسعاً، حيث اعتبر في منشور عبر صفحته على منصة "إكس" أن تمديد المهلة لا يعني تمديد بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقال في تغريدة نشرها أمس الأحد "غداً نستكمل التحرير وصناعة السيادة بزحف الأحرار إلى جنوب الكرامة والغار".

محاولة دخول "المواطنين الجنوبيين العزّل" قرى لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، يصفها الكاتب والصحفي مجد بو مجاهد بأنها "محاولة متسرّعة خارجة عن الأطر السياسية أو القتالية للبحث عن حلّ".

خلف إطلاق النار على أهالي حاولوا العودة لقراهم بالجنوب قتلى وجرحى

ويعتبر بو مجاهد في حديث لموقع "الحرة" أن "ما حصل من محاولة شعبية لدخول بعض القرى، يبيّن ابتعاد حزب الله عن أي قرار بالمواجهة الحربية مع الجيش الإسرائيلي".
"إن أي حلّ سيتبلور إذا نفّذ الجانب اللبناني اتفاق وقف النار وتابع المفاوضات مع المجتمع الدوليّ لإلزام إسرائيل تنفيذه أيضاً، والانسحاب من كلّ القرى"، يردف المتحدث.

ويشير إلى أن عدم تنفيذ اتّفاق وقف النار من جانب لبنان حتى الآن "له أسبابه الخاصّة"، والمتمثلة في "صعوبات الأوضاع التي لا تزال حاضرة جنوب لبنان".

ويقول "السلطة اللبنانية تصطدم بمحاولة من حزب الله للإبقاء على جزء من سيطرته في مناطق غير بعيدة عن القرى الحدودية، ويمكن أنّه يماطل بحثاً عن انتظار تغيّر الأوضاع الحالية. لم تنفّذ إسرائيل أوج الاتفاق أيضاً ويمكن أن تبحث عن تطوير شروطها".

من جانبه، يعتبر المحلل السياسي جورج العاقوري أن ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني "ليس مستغرباً عن أهله الذين دأبوا على التمسك بأرضهم عبر التاريخ، حتى لو كلفهم ذلك تضحيات جسيمة".

ومع ذلك، يطرح تساؤلاً حول جدوى هذه التحركات في ظل وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يلزم إسرائيل وحزب الله على حد سواء.

ويشدد العاقوري في حديث لموقع "الحرة" على ضرورة أن "يتوقف حزب الله عن تحميل المسؤولية للدولة اللبنانية وحدها"، مشدداً على أن الحزب "يجب أن يلتزم بتنفيذ الاتفاق الذي فاوض عليه عبر الرئيس نبيه بري ووافق عليه وزراؤه في الحكومة". 

ويضيف "يجب على الحزب الانسحاب كلياً من جنوب الليطاني وسحب سلاحه، تمهيداً لتنفيذ القرار 1701 وسحب السلاح من كافة الأراضي اللبنانية، بما يتماشى مع القرارات الدولية وخطاب القسم الرئاسي".

ورغم اعتباره أن مطالبة الأهالي بالعودة إلى قراهم هي "حق مشروع"، لكن العاقوري يعرب في الوقت نفسه عن أسفه لسقوط قتلى بين المدنيين والجيش اللبناني في الأحداث الأخيرة.

ويؤكد أن "الأولوية الآن تكمن في حماية الأرواح والالتزام بالوقوف خلف الدولة، لا الالتفاف عليها".

كما يشير المتحدث إلى موقف رئيس الجمهورية الذي "دعا إلى ضبط النفس وأدار اتصالات دبلوماسية دولية للضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان".

ويقول المحلل السياسي "المطلوب من حزب الله أن لا يؤجج مشاعر الناس كما حدث مؤخراً عبر وسائله الإعلامية، وعلى رأسها قناة "المنار"، التي بدت كأنها تحرّض على بيانات الجيش اللبناني التي دعت الأهالي للالتزام بتوجيهاته".

وكان الرئيس اللبناني، جوزاف عون، دعا أهالي جنوب لبنان إلى "ضبط النفس والثقة بالقوات المسلحة اللبنانية"، مؤكداً "حرصها على حماية سيادة لبنان وأمنه، وتأمين عودة آمنة إلى منازلهم وبلداتهم".

وقال عون في بيان إن "سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة"، مشيراً إلى أنه "يتابع هذه القضية على أعلى المستويات".

أما رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد هشام جابر، فيشير إلى أن "أهالي الجنوب اللبناني مصرّون على العودة إلى قراهم رغم التهديدات الإسرائيلية والمخاطر الأمنية".

ويوضح أن "الجيش اللبناني حاول صباح الأحد منع الأهالي من العودة حفاظاً على سلامتهم بعد تهديد الجيش الإسرائيلي باستخدام القوة، إلا أن الأهالي أصروا واندفعوا، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى".

ويضيف جابر في حديث لموقع "الحرة" قائلا "رغم الدمار الكامل الذي لحق بالقرى، دخل الأهالي إلى بعضها بحماية الجيش اللبناني الذي قدّم الدعم وسهّل عودتهم".

ويشير إلى أن "الوضع في الجنوب متوتر جداً، رئيس الجمهورية اللبنانية أعلن تضامنه مع خطوة الأهالي، مؤكداً أن سيادة لبنان ليست موضوع مساومة، وهو ما يعكس موقفاً لبنانياً موحداً تجاه الأحداث الأخيرة".

احتمال غير مستبعد

رفعت التوترات على الحدود الجنوبية للبنان من خشية اللبنانيين من اندلاع مواجهات عسكرية جديدة بين حزب الله وإسرائيل تعيدهم إلى ما كان عليه الوضع قبل إقرار اتفاق الهدنة.

عن ذلك يعلق العاقوري "لطالما اعتاد حزب الله اللعب على حافة الهاوية، مما يجعل التكهن بممارساته أمراً صعباً. ومع ذلك، فإن الواقع العسكري للحزب لا يشجع على خوض مواجهة جديدة".

ويضيف "لو كان حزب الله قادراً على ردع إسرائيل أو التصدي لها بشكل فعّال لما وافق على وقف إطلاق النار الذي نصّ بوضوح على الالتزام بالقرارات الدولية، ما يعني عملياً إنهاء دور سلاح حزب الله شمال وجنوب الليطاني، بخلاف ما يدّعيه نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم".

ويشدد العاقوري على أن "أي محاولة للتذاكي من قبل حزب الله، من خلال فتح جبهة الجنوب أو القيام بعمليات عسكرية، أو استخدام تكتيك غضب الأهالي، كما كان يحصل مع قوات اليونيفيل عند افتعال مشاكل معها، ستؤدي إلى عودة الضربات الإسرائيلية العنيفة ما سيدخل لبنان مجدداً في دوامة من الدماء والدمار".

كذلك، يرى بو مجاهد أن "لا قدرة لمحور الممانعة على اتّخاذ قرارات هجومية حربيّة لاحقة ضدّ الداخل الإسرائيلي وسط كلّ خسائره العسكرية والمتغيرات السياسية الاقليمية بما في ذلك سقوط النظام السوري، رغم أنّ هناك في الداخل الإسرائيلي من لا يلغي احتمال أن يهاجم حزب الله إسرائيل".

ويعتبر أن "حزب الله يحاول الإبقاء على نقاط قوّة سياسية في الداخل اللبنانيّ تسمح له فرض بعض شروطه ويظهر ذلك جليّاً في الطريقة التي يتعامل بها مع تشكيل الحكومة اللبنانية من خلال تشبّثه مع حركة أمل في الحصول على كامل التمثيل الشيعي داخل الحكومة العتيدة والمفاوضة على وزارات وازنة". 

ويستطرد قائلا "حتّى أنّ خطابات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم تبقي على احتدام بحثاً عن سيطرة على قرارات سياسية واستراتيجية من بينها قرار الحرب والسلم".

الطريقة التي يتّخذها حزب الله في التعامل مع الأوضاع في هذه الفترة هدفها، كما يقول بو مجاهد، "عدم تغيير الموازين السياسية المقرِّرة في الداخل اللبناني".

ويضيف المتحدث مستدركا "لكنه لن يستطيع أن يدخل في مواجهة إضافية مع إسرائيل وسيحيّد نفسه أيضاً قدر الامكان عن صدامات مع الجيش الإسرائيلي الموجود في جنوب لبنان، بخاصّة أن حزب الله لا يردّ على كلّ الضربات الإسرائيلية التي لا تزال قائمة جنوب لبنان".

أنصار لحزب الله على متن حافلات مرددين شعارات داعمة للحزب

وفي محاولة لإثبات قوته داخل لبنان، جابت مسيرات من الدراجات النارية مناطق عدة في بيروت ليل أمس الأحد، رافعة أعلام حزب الله ومطلقة شعارات حزبية اعتبرها سكان بالعاصمة "مستفزة".

التزامات الاتفاق

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، عن إعادة توزيع قوات في جنوب لبنان وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، بهدف "تمكين انتشار فعال للجيش اللبناني تدريجياً، وتفكيك وإبعاد حزب الله الإرهابي بعناصره وبنيته التحتية، من جنوب لبنان".

وأشار إلى أن عملية الانتشار "تتم بشكل تدريجي مع التأكيد على الحاجة إلى وقت إضافي في بعض المناطق لضمان عدم عودة حزب الله لترسيخ قوته".

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة كما يرى جابر "تحركاً دبلوماسياً كبيراً تقوده السلطة اللبنانية"، مشيراً إلى اقتراحه "استدعاء لجنة المراقبة لاتفاق وقف إطلاق النار لعقد اجتماع مع رئيس الحكومة الحالي والرئيس المكلف بتشكيل حكومة جديدة".

واعتبر أن "على اللجنة تقديم تقرير مفصل حول الالتزامات التي نفذها لبنان مقارنة بعدم التزام الجيش الإسرائيلي، ليعرض هذا التقرير خلال اجتماع مع وزراء الدول الكبرى، بما فيها الصين، الولايات المتحدة، وروسيا".

ويعتبر جابر أن "لبنان نفذ التزاماته، بما في ذلك سحب حزب الله لمعظم أسلحته الثقيلة من جنوب الليطاني، بالتالي هو غير مسؤولة عن أي عمليات عسكرية قد تحدث في الجنوب".

وإذا استمر الجيش الإسرائيلي في التواجد داخل الأراضي اللبنانية، فمن المحتمل كما يقول جابر، أن "نشهد مقاومة محلية تتمثل في عمليات إغارة وكمائن داخل الأراضي اللبنانية".

غير أن المتحدث يستدرك قائلا "لكنني لا أعتقد أن حزب الله سيطلق صواريخ على إسرائيل في الوقت القريب، إلا إذا وسّعت إسرائيل نطاق قصفها واستهدفت مناطق لبنانية كما حدث في السابق".

أما العاقوري فيرى أن الحراك الدولي تجاه لبنان، مع انتخاب الرئيس جوزاف عون وتسمية نواف سلام رئيسا للحكومة، هو "إيجابي جداً، خاصة مع حضور شخصيات دبلوماسية بارزة".

لكن هذا الزخم الدبلوماسي مرتبط، بحسب ما يقوله العاقوري، بـ"التزام لبنان الواضح بالاتفاقيات الدولية، ما يعني التزام حزب الله بتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني أو إعادته إلى إيران".

عناصر من الجيش اللبناني داخل مركبة عسكرية
أمامه اختبار صعب.. ما هي قدرات الجيش اللبناني؟
يواجه الجيش اللبناني اختباراً صعباً لضمان استقرار البلاد، حيث يعمل، رغم محدودية موارده البشرية واللوجستية والعسكرية، على تعزيز انتشاره في جنوب لبنان تنفيذاً للقرار الدولي 1701، الذي أُقر في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ويتابع موضحا "أي محاولة للتنصل من مضمون الاتفاق أو الانقلاب على خطاب القسم الذي شدد على حصرية السلاح بيد الدولة واستراتيجية دفاعية واضحة، ستؤدي إلى تراجع الدعم الدولي وتقييد قدرته على الضغط على إسرائيل".

ويرى أن "إسرائيل لن تجد أي مبرر للبقاء في الأراضي اللبنانية إذا أنشأ الجيش اللبناني اليوم مخازن على الحدود، بخلاف الوضع الحالي. لذلك، من الأفضل لحزب الله أن يبادر إلى تسليم سلاحه والانسحاب بشرياً من جنوب الليطاني".

"هذه الخطوة من شأنها قطع الطريق أمام أي اعتداءات إسرائيلية محتملة، فضلاً عن تمكين الدول الصديقة للبنان من ممارسة الضغط على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ الاتفاق"، يضيف العاقوري.

ولا يتحمل لبنان أي مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، كما يبرز العاقوري، "خاصة أنه لا يزال يعاني من آثار مغامرة الثامن من أكتوبر التي خلفت دماراً وضحايا لم يتم انتشالهم بعد من تحت الركام، تحديداً في الجنوب".

ويقول "الاقتصاد اللبناني كذلك في وضع لا يسمح بمواجهة جديدة، كما أن أي تصعيد سيضعف الدعم الدولي الحالي الذي حظي به لبنان بعد انتخاب الرئيس وتسمية رئيس الحكومة".

بدوره يؤكد بو مجاهد أن "الخيارات السياسية المتاحة أمام لبنان الرسميّ للخروج من الأزمة وإعادة الاستقرار تقوم على التفاوض مع المجتمع الدوليّ لمتابعة الانسحاب الإسرائيليّ واتخاذ تدابير في الداخل اللبناني توحي بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام القرار مع نفوذ قادر على تغيير جذريّ جنوب لبنان".

عناصر في الجيش اللبناني (رويترز)
الجيش وسلاح حزب الله.. هل ينجح لبنان في "المعادلة الصعبة"؟
يعود سلاح حزب الله إلى الواجهة من جديد بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس للحكومة، وإصرار السلطات على بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بعد حرب مدمرة مع إسرائيل تسببت بمقتل وجرح الآلاف خلال العام الماضي.

ويضيف "من المهمّ تشكيل حكومة لبنانية قويّة خارج قدرة حزب الله على تعطيل عملها أو محاولة السيطرة على مساعيها، على أن تشكَّل من أصحاب المؤهلات بعيداً عن التحاصص حتى يكون في مقدور الحكومة التجانس بسهولة مع المجتمع الدوليّ كسلطة تنفيذية لأنّ رئيس الحكومة لوحده يبقى أمام تحدّيات جمّة من داخل فريقه الوزاري إذا حاول بعضٌ من فريق عمله عرقلة عمله".

ويشدد على أن "انتقال المجتمع الدولي نحو ممارسة ضغوط سياسية إضافية على إسرائيل بهدف تحقيق انسحابها من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها جنوب لبنان، تلقائيّ إذا استطاع لبنان أن يبلور نفوذ الدولة اللبنانية على الأراضي جنوب لبنان وتصدّى لمحاولات حزب الله الإبقاء على بعض من سيطرته".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.