Residents of the southern Lebanese village of Khiam wave Hezbollah flags as they walk beneath a portrait of slain Hezbollah…
أنصار لحزب الله يسيرون في مناطق بالجنوب حاملين أعلام الحزب مرددين شعارات داعمة له

ترجم حزب الله التصعيد الذي هدد به في حال لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف النار، من خلال حث أهالي الجنوب اللبناني على التوجه إلى البلدات الحدودية، غير مكترث بالمخاطر التي قد تترتب على تعريضهم لخطر مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

تجاهل الحزب الالتزامات الواردة في اتفاق الهدنة، التي تنصّ على انسحابه من جنوب نهر الليطاني وتسليم سلاحه بدءاً من تلك المناطق، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني كشرط أساسي لانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدلاً من ذلك، اختار التصعيد الميداني عبر أبناء الجنوب. 

مع ساعات الصباح الأولى ليوم أمس الأحد، تجمّع عشرات الأشخاص من سكان المناطق الحدودية، حاملين شعارات وأعلام حزب الله، ما أدى إلى سقوط 24 قتيلاً، وإصابة 134 شخصاً، واعتقال عدد من المشاركين من قبل القوات الإسرائيلية.

ولا يزال أهالي البلدات الجنوبية، اليوم الاثنين، يحاولون العودة إلى منازلهم رغم وجود الجيش الإسرائيلي. وقد تم تسجيل إصابتين في بلدة بني حيان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن قواته أطلقت النار بهدف "إبعاد وإزالة التهديدات" في عدة مناطق تم فيها رصد مشتبه بهم يقتربون من الحدود، كما أشار إلى اعتقال عدد من المشتبه بهم جنوب لبنان، بدعوى تشكيلهم تهديداً حقيقياً، مؤكداً أن التحقيق معهم جارٍ ميدانياً.

وبعد أن استخدم حزب الله أبناء بيئته دروعا بشرية، عاد ووافق على تمديد اتفاق الهدنة، حيث أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، استمرار العمل بتفاهم وقف إطلاق النار حتى 18 فبراير 2025.

خطوة متسرّعة؟

بعد تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، أثار تصريح وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال، مصطفى بيرم، المحسوب على حزب الله، جدلاً واسعاً، حيث اعتبر في منشور عبر صفحته على منصة "إكس" أن تمديد المهلة لا يعني تمديد بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقال في تغريدة نشرها أمس الأحد "غداً نستكمل التحرير وصناعة السيادة بزحف الأحرار إلى جنوب الكرامة والغار".

محاولة دخول "المواطنين الجنوبيين العزّل" قرى لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، يصفها الكاتب والصحفي مجد بو مجاهد بأنها "محاولة متسرّعة خارجة عن الأطر السياسية أو القتالية للبحث عن حلّ".

خلف إطلاق النار على أهالي حاولوا العودة لقراهم بالجنوب قتلى وجرحى

ويعتبر بو مجاهد في حديث لموقع "الحرة" أن "ما حصل من محاولة شعبية لدخول بعض القرى، يبيّن ابتعاد حزب الله عن أي قرار بالمواجهة الحربية مع الجيش الإسرائيلي".
"إن أي حلّ سيتبلور إذا نفّذ الجانب اللبناني اتفاق وقف النار وتابع المفاوضات مع المجتمع الدوليّ لإلزام إسرائيل تنفيذه أيضاً، والانسحاب من كلّ القرى"، يردف المتحدث.

ويشير إلى أن عدم تنفيذ اتّفاق وقف النار من جانب لبنان حتى الآن "له أسبابه الخاصّة"، والمتمثلة في "صعوبات الأوضاع التي لا تزال حاضرة جنوب لبنان".

ويقول "السلطة اللبنانية تصطدم بمحاولة من حزب الله للإبقاء على جزء من سيطرته في مناطق غير بعيدة عن القرى الحدودية، ويمكن أنّه يماطل بحثاً عن انتظار تغيّر الأوضاع الحالية. لم تنفّذ إسرائيل أوج الاتفاق أيضاً ويمكن أن تبحث عن تطوير شروطها".

من جانبه، يعتبر المحلل السياسي جورج العاقوري أن ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني "ليس مستغرباً عن أهله الذين دأبوا على التمسك بأرضهم عبر التاريخ، حتى لو كلفهم ذلك تضحيات جسيمة".

ومع ذلك، يطرح تساؤلاً حول جدوى هذه التحركات في ظل وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يلزم إسرائيل وحزب الله على حد سواء.

ويشدد العاقوري في حديث لموقع "الحرة" على ضرورة أن "يتوقف حزب الله عن تحميل المسؤولية للدولة اللبنانية وحدها"، مشدداً على أن الحزب "يجب أن يلتزم بتنفيذ الاتفاق الذي فاوض عليه عبر الرئيس نبيه بري ووافق عليه وزراؤه في الحكومة". 

ويضيف "يجب على الحزب الانسحاب كلياً من جنوب الليطاني وسحب سلاحه، تمهيداً لتنفيذ القرار 1701 وسحب السلاح من كافة الأراضي اللبنانية، بما يتماشى مع القرارات الدولية وخطاب القسم الرئاسي".

ورغم اعتباره أن مطالبة الأهالي بالعودة إلى قراهم هي "حق مشروع"، لكن العاقوري يعرب في الوقت نفسه عن أسفه لسقوط قتلى بين المدنيين والجيش اللبناني في الأحداث الأخيرة.

ويؤكد أن "الأولوية الآن تكمن في حماية الأرواح والالتزام بالوقوف خلف الدولة، لا الالتفاف عليها".

كما يشير المتحدث إلى موقف رئيس الجمهورية الذي "دعا إلى ضبط النفس وأدار اتصالات دبلوماسية دولية للضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان".

ويقول المحلل السياسي "المطلوب من حزب الله أن لا يؤجج مشاعر الناس كما حدث مؤخراً عبر وسائله الإعلامية، وعلى رأسها قناة "المنار"، التي بدت كأنها تحرّض على بيانات الجيش اللبناني التي دعت الأهالي للالتزام بتوجيهاته".

وكان الرئيس اللبناني، جوزاف عون، دعا أهالي جنوب لبنان إلى "ضبط النفس والثقة بالقوات المسلحة اللبنانية"، مؤكداً "حرصها على حماية سيادة لبنان وأمنه، وتأمين عودة آمنة إلى منازلهم وبلداتهم".

وقال عون في بيان إن "سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة"، مشيراً إلى أنه "يتابع هذه القضية على أعلى المستويات".

أما رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد هشام جابر، فيشير إلى أن "أهالي الجنوب اللبناني مصرّون على العودة إلى قراهم رغم التهديدات الإسرائيلية والمخاطر الأمنية".

ويوضح أن "الجيش اللبناني حاول صباح الأحد منع الأهالي من العودة حفاظاً على سلامتهم بعد تهديد الجيش الإسرائيلي باستخدام القوة، إلا أن الأهالي أصروا واندفعوا، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى".

ويضيف جابر في حديث لموقع "الحرة" قائلا "رغم الدمار الكامل الذي لحق بالقرى، دخل الأهالي إلى بعضها بحماية الجيش اللبناني الذي قدّم الدعم وسهّل عودتهم".

ويشير إلى أن "الوضع في الجنوب متوتر جداً، رئيس الجمهورية اللبنانية أعلن تضامنه مع خطوة الأهالي، مؤكداً أن سيادة لبنان ليست موضوع مساومة، وهو ما يعكس موقفاً لبنانياً موحداً تجاه الأحداث الأخيرة".

احتمال غير مستبعد

رفعت التوترات على الحدود الجنوبية للبنان من خشية اللبنانيين من اندلاع مواجهات عسكرية جديدة بين حزب الله وإسرائيل تعيدهم إلى ما كان عليه الوضع قبل إقرار اتفاق الهدنة.

عن ذلك يعلق العاقوري "لطالما اعتاد حزب الله اللعب على حافة الهاوية، مما يجعل التكهن بممارساته أمراً صعباً. ومع ذلك، فإن الواقع العسكري للحزب لا يشجع على خوض مواجهة جديدة".

ويضيف "لو كان حزب الله قادراً على ردع إسرائيل أو التصدي لها بشكل فعّال لما وافق على وقف إطلاق النار الذي نصّ بوضوح على الالتزام بالقرارات الدولية، ما يعني عملياً إنهاء دور سلاح حزب الله شمال وجنوب الليطاني، بخلاف ما يدّعيه نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم".

ويشدد العاقوري على أن "أي محاولة للتذاكي من قبل حزب الله، من خلال فتح جبهة الجنوب أو القيام بعمليات عسكرية، أو استخدام تكتيك غضب الأهالي، كما كان يحصل مع قوات اليونيفيل عند افتعال مشاكل معها، ستؤدي إلى عودة الضربات الإسرائيلية العنيفة ما سيدخل لبنان مجدداً في دوامة من الدماء والدمار".

كذلك، يرى بو مجاهد أن "لا قدرة لمحور الممانعة على اتّخاذ قرارات هجومية حربيّة لاحقة ضدّ الداخل الإسرائيلي وسط كلّ خسائره العسكرية والمتغيرات السياسية الاقليمية بما في ذلك سقوط النظام السوري، رغم أنّ هناك في الداخل الإسرائيلي من لا يلغي احتمال أن يهاجم حزب الله إسرائيل".

ويعتبر أن "حزب الله يحاول الإبقاء على نقاط قوّة سياسية في الداخل اللبنانيّ تسمح له فرض بعض شروطه ويظهر ذلك جليّاً في الطريقة التي يتعامل بها مع تشكيل الحكومة اللبنانية من خلال تشبّثه مع حركة أمل في الحصول على كامل التمثيل الشيعي داخل الحكومة العتيدة والمفاوضة على وزارات وازنة". 

ويستطرد قائلا "حتّى أنّ خطابات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم تبقي على احتدام بحثاً عن سيطرة على قرارات سياسية واستراتيجية من بينها قرار الحرب والسلم".

الطريقة التي يتّخذها حزب الله في التعامل مع الأوضاع في هذه الفترة هدفها، كما يقول بو مجاهد، "عدم تغيير الموازين السياسية المقرِّرة في الداخل اللبناني".

ويضيف المتحدث مستدركا "لكنه لن يستطيع أن يدخل في مواجهة إضافية مع إسرائيل وسيحيّد نفسه أيضاً قدر الامكان عن صدامات مع الجيش الإسرائيلي الموجود في جنوب لبنان، بخاصّة أن حزب الله لا يردّ على كلّ الضربات الإسرائيلية التي لا تزال قائمة جنوب لبنان".

أنصار لحزب الله على متن حافلات مرددين شعارات داعمة للحزب

وفي محاولة لإثبات قوته داخل لبنان، جابت مسيرات من الدراجات النارية مناطق عدة في بيروت ليل أمس الأحد، رافعة أعلام حزب الله ومطلقة شعارات حزبية اعتبرها سكان بالعاصمة "مستفزة".

التزامات الاتفاق

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، عن إعادة توزيع قوات في جنوب لبنان وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، بهدف "تمكين انتشار فعال للجيش اللبناني تدريجياً، وتفكيك وإبعاد حزب الله الإرهابي بعناصره وبنيته التحتية، من جنوب لبنان".

وأشار إلى أن عملية الانتشار "تتم بشكل تدريجي مع التأكيد على الحاجة إلى وقت إضافي في بعض المناطق لضمان عدم عودة حزب الله لترسيخ قوته".

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة كما يرى جابر "تحركاً دبلوماسياً كبيراً تقوده السلطة اللبنانية"، مشيراً إلى اقتراحه "استدعاء لجنة المراقبة لاتفاق وقف إطلاق النار لعقد اجتماع مع رئيس الحكومة الحالي والرئيس المكلف بتشكيل حكومة جديدة".

واعتبر أن "على اللجنة تقديم تقرير مفصل حول الالتزامات التي نفذها لبنان مقارنة بعدم التزام الجيش الإسرائيلي، ليعرض هذا التقرير خلال اجتماع مع وزراء الدول الكبرى، بما فيها الصين، الولايات المتحدة، وروسيا".

ويعتبر جابر أن "لبنان نفذ التزاماته، بما في ذلك سحب حزب الله لمعظم أسلحته الثقيلة من جنوب الليطاني، بالتالي هو غير مسؤولة عن أي عمليات عسكرية قد تحدث في الجنوب".

وإذا استمر الجيش الإسرائيلي في التواجد داخل الأراضي اللبنانية، فمن المحتمل كما يقول جابر، أن "نشهد مقاومة محلية تتمثل في عمليات إغارة وكمائن داخل الأراضي اللبنانية".

غير أن المتحدث يستدرك قائلا "لكنني لا أعتقد أن حزب الله سيطلق صواريخ على إسرائيل في الوقت القريب، إلا إذا وسّعت إسرائيل نطاق قصفها واستهدفت مناطق لبنانية كما حدث في السابق".

أما العاقوري فيرى أن الحراك الدولي تجاه لبنان، مع انتخاب الرئيس جوزاف عون وتسمية نواف سلام رئيسا للحكومة، هو "إيجابي جداً، خاصة مع حضور شخصيات دبلوماسية بارزة".

لكن هذا الزخم الدبلوماسي مرتبط، بحسب ما يقوله العاقوري، بـ"التزام لبنان الواضح بالاتفاقيات الدولية، ما يعني التزام حزب الله بتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني أو إعادته إلى إيران".

عناصر من الجيش اللبناني داخل مركبة عسكرية
أمامه اختبار صعب.. ما هي قدرات الجيش اللبناني؟
يواجه الجيش اللبناني اختباراً صعباً لضمان استقرار البلاد، حيث يعمل، رغم محدودية موارده البشرية واللوجستية والعسكرية، على تعزيز انتشاره في جنوب لبنان تنفيذاً للقرار الدولي 1701، الذي أُقر في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ويتابع موضحا "أي محاولة للتنصل من مضمون الاتفاق أو الانقلاب على خطاب القسم الذي شدد على حصرية السلاح بيد الدولة واستراتيجية دفاعية واضحة، ستؤدي إلى تراجع الدعم الدولي وتقييد قدرته على الضغط على إسرائيل".

ويرى أن "إسرائيل لن تجد أي مبرر للبقاء في الأراضي اللبنانية إذا أنشأ الجيش اللبناني اليوم مخازن على الحدود، بخلاف الوضع الحالي. لذلك، من الأفضل لحزب الله أن يبادر إلى تسليم سلاحه والانسحاب بشرياً من جنوب الليطاني".

"هذه الخطوة من شأنها قطع الطريق أمام أي اعتداءات إسرائيلية محتملة، فضلاً عن تمكين الدول الصديقة للبنان من ممارسة الضغط على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ الاتفاق"، يضيف العاقوري.

ولا يتحمل لبنان أي مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، كما يبرز العاقوري، "خاصة أنه لا يزال يعاني من آثار مغامرة الثامن من أكتوبر التي خلفت دماراً وضحايا لم يتم انتشالهم بعد من تحت الركام، تحديداً في الجنوب".

ويقول "الاقتصاد اللبناني كذلك في وضع لا يسمح بمواجهة جديدة، كما أن أي تصعيد سيضعف الدعم الدولي الحالي الذي حظي به لبنان بعد انتخاب الرئيس وتسمية رئيس الحكومة".

بدوره يؤكد بو مجاهد أن "الخيارات السياسية المتاحة أمام لبنان الرسميّ للخروج من الأزمة وإعادة الاستقرار تقوم على التفاوض مع المجتمع الدوليّ لمتابعة الانسحاب الإسرائيليّ واتخاذ تدابير في الداخل اللبناني توحي بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام القرار مع نفوذ قادر على تغيير جذريّ جنوب لبنان".

عناصر في الجيش اللبناني (رويترز)
الجيش وسلاح حزب الله.. هل ينجح لبنان في "المعادلة الصعبة"؟
يعود سلاح حزب الله إلى الواجهة من جديد بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس للحكومة، وإصرار السلطات على بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بعد حرب مدمرة مع إسرائيل تسببت بمقتل وجرح الآلاف خلال العام الماضي.

ويضيف "من المهمّ تشكيل حكومة لبنانية قويّة خارج قدرة حزب الله على تعطيل عملها أو محاولة السيطرة على مساعيها، على أن تشكَّل من أصحاب المؤهلات بعيداً عن التحاصص حتى يكون في مقدور الحكومة التجانس بسهولة مع المجتمع الدوليّ كسلطة تنفيذية لأنّ رئيس الحكومة لوحده يبقى أمام تحدّيات جمّة من داخل فريقه الوزاري إذا حاول بعضٌ من فريق عمله عرقلة عمله".

ويشدد على أن "انتقال المجتمع الدولي نحو ممارسة ضغوط سياسية إضافية على إسرائيل بهدف تحقيق انسحابها من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها جنوب لبنان، تلقائيّ إذا استطاع لبنان أن يبلور نفوذ الدولة اللبنانية على الأراضي جنوب لبنان وتصدّى لمحاولات حزب الله الإبقاء على بعض من سيطرته".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".