Residents of the southern Lebanese village of Khiam wave Hezbollah flags as they walk beneath a portrait of slain Hezbollah…
أنصار لحزب الله يسيرون في مناطق بالجنوب حاملين أعلام الحزب مرددين شعارات داعمة له

ترجم حزب الله التصعيد الذي هدد به في حال لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف النار، من خلال حث أهالي الجنوب اللبناني على التوجه إلى البلدات الحدودية، غير مكترث بالمخاطر التي قد تترتب على تعريضهم لخطر مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

تجاهل الحزب الالتزامات الواردة في اتفاق الهدنة، التي تنصّ على انسحابه من جنوب نهر الليطاني وتسليم سلاحه بدءاً من تلك المناطق، إلى جانب انتشار الجيش اللبناني كشرط أساسي لانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدلاً من ذلك، اختار التصعيد الميداني عبر أبناء الجنوب. 

مع ساعات الصباح الأولى ليوم أمس الأحد، تجمّع عشرات الأشخاص من سكان المناطق الحدودية، حاملين شعارات وأعلام حزب الله، ما أدى إلى سقوط 24 قتيلاً، وإصابة 134 شخصاً، واعتقال عدد من المشاركين من قبل القوات الإسرائيلية.

ولا يزال أهالي البلدات الجنوبية، اليوم الاثنين، يحاولون العودة إلى منازلهم رغم وجود الجيش الإسرائيلي. وقد تم تسجيل إصابتين في بلدة بني حيان.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أن قواته أطلقت النار بهدف "إبعاد وإزالة التهديدات" في عدة مناطق تم فيها رصد مشتبه بهم يقتربون من الحدود، كما أشار إلى اعتقال عدد من المشتبه بهم جنوب لبنان، بدعوى تشكيلهم تهديداً حقيقياً، مؤكداً أن التحقيق معهم جارٍ ميدانياً.

وبعد أن استخدم حزب الله أبناء بيئته دروعا بشرية، عاد ووافق على تمديد اتفاق الهدنة، حيث أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، استمرار العمل بتفاهم وقف إطلاق النار حتى 18 فبراير 2025.

خطوة متسرّعة؟

بعد تمديد اتفاق وقف إطلاق النار، أثار تصريح وزير العمل في حكومة تصريف الأعمال، مصطفى بيرم، المحسوب على حزب الله، جدلاً واسعاً، حيث اعتبر في منشور عبر صفحته على منصة "إكس" أن تمديد المهلة لا يعني تمديد بقاء الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.
وقال في تغريدة نشرها أمس الأحد "غداً نستكمل التحرير وصناعة السيادة بزحف الأحرار إلى جنوب الكرامة والغار".

محاولة دخول "المواطنين الجنوبيين العزّل" قرى لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان، يصفها الكاتب والصحفي مجد بو مجاهد بأنها "محاولة متسرّعة خارجة عن الأطر السياسية أو القتالية للبحث عن حلّ".

خلف إطلاق النار على أهالي حاولوا العودة لقراهم بالجنوب قتلى وجرحى

ويعتبر بو مجاهد في حديث لموقع "الحرة" أن "ما حصل من محاولة شعبية لدخول بعض القرى، يبيّن ابتعاد حزب الله عن أي قرار بالمواجهة الحربية مع الجيش الإسرائيلي".
"إن أي حلّ سيتبلور إذا نفّذ الجانب اللبناني اتفاق وقف النار وتابع المفاوضات مع المجتمع الدوليّ لإلزام إسرائيل تنفيذه أيضاً، والانسحاب من كلّ القرى"، يردف المتحدث.

ويشير إلى أن عدم تنفيذ اتّفاق وقف النار من جانب لبنان حتى الآن "له أسبابه الخاصّة"، والمتمثلة في "صعوبات الأوضاع التي لا تزال حاضرة جنوب لبنان".

ويقول "السلطة اللبنانية تصطدم بمحاولة من حزب الله للإبقاء على جزء من سيطرته في مناطق غير بعيدة عن القرى الحدودية، ويمكن أنّه يماطل بحثاً عن انتظار تغيّر الأوضاع الحالية. لم تنفّذ إسرائيل أوج الاتفاق أيضاً ويمكن أن تبحث عن تطوير شروطها".

من جانبه، يعتبر المحلل السياسي جورج العاقوري أن ما يجري اليوم في الجنوب اللبناني "ليس مستغرباً عن أهله الذين دأبوا على التمسك بأرضهم عبر التاريخ، حتى لو كلفهم ذلك تضحيات جسيمة".

ومع ذلك، يطرح تساؤلاً حول جدوى هذه التحركات في ظل وجود اتفاق لوقف إطلاق النار يلزم إسرائيل وحزب الله على حد سواء.

ويشدد العاقوري في حديث لموقع "الحرة" على ضرورة أن "يتوقف حزب الله عن تحميل المسؤولية للدولة اللبنانية وحدها"، مشدداً على أن الحزب "يجب أن يلتزم بتنفيذ الاتفاق الذي فاوض عليه عبر الرئيس نبيه بري ووافق عليه وزراؤه في الحكومة". 

ويضيف "يجب على الحزب الانسحاب كلياً من جنوب الليطاني وسحب سلاحه، تمهيداً لتنفيذ القرار 1701 وسحب السلاح من كافة الأراضي اللبنانية، بما يتماشى مع القرارات الدولية وخطاب القسم الرئاسي".

ورغم اعتباره أن مطالبة الأهالي بالعودة إلى قراهم هي "حق مشروع"، لكن العاقوري يعرب في الوقت نفسه عن أسفه لسقوط قتلى بين المدنيين والجيش اللبناني في الأحداث الأخيرة.

ويؤكد أن "الأولوية الآن تكمن في حماية الأرواح والالتزام بالوقوف خلف الدولة، لا الالتفاف عليها".

كما يشير المتحدث إلى موقف رئيس الجمهورية الذي "دعا إلى ضبط النفس وأدار اتصالات دبلوماسية دولية للضغط على إسرائيل للانسحاب من لبنان".

ويقول المحلل السياسي "المطلوب من حزب الله أن لا يؤجج مشاعر الناس كما حدث مؤخراً عبر وسائله الإعلامية، وعلى رأسها قناة "المنار"، التي بدت كأنها تحرّض على بيانات الجيش اللبناني التي دعت الأهالي للالتزام بتوجيهاته".

وكان الرئيس اللبناني، جوزاف عون، دعا أهالي جنوب لبنان إلى "ضبط النفس والثقة بالقوات المسلحة اللبنانية"، مؤكداً "حرصها على حماية سيادة لبنان وأمنه، وتأمين عودة آمنة إلى منازلهم وبلداتهم".

وقال عون في بيان إن "سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة"، مشيراً إلى أنه "يتابع هذه القضية على أعلى المستويات".

أما رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد هشام جابر، فيشير إلى أن "أهالي الجنوب اللبناني مصرّون على العودة إلى قراهم رغم التهديدات الإسرائيلية والمخاطر الأمنية".

ويوضح أن "الجيش اللبناني حاول صباح الأحد منع الأهالي من العودة حفاظاً على سلامتهم بعد تهديد الجيش الإسرائيلي باستخدام القوة، إلا أن الأهالي أصروا واندفعوا، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى".

ويضيف جابر في حديث لموقع "الحرة" قائلا "رغم الدمار الكامل الذي لحق بالقرى، دخل الأهالي إلى بعضها بحماية الجيش اللبناني الذي قدّم الدعم وسهّل عودتهم".

ويشير إلى أن "الوضع في الجنوب متوتر جداً، رئيس الجمهورية اللبنانية أعلن تضامنه مع خطوة الأهالي، مؤكداً أن سيادة لبنان ليست موضوع مساومة، وهو ما يعكس موقفاً لبنانياً موحداً تجاه الأحداث الأخيرة".

احتمال غير مستبعد

رفعت التوترات على الحدود الجنوبية للبنان من خشية اللبنانيين من اندلاع مواجهات عسكرية جديدة بين حزب الله وإسرائيل تعيدهم إلى ما كان عليه الوضع قبل إقرار اتفاق الهدنة.

عن ذلك يعلق العاقوري "لطالما اعتاد حزب الله اللعب على حافة الهاوية، مما يجعل التكهن بممارساته أمراً صعباً. ومع ذلك، فإن الواقع العسكري للحزب لا يشجع على خوض مواجهة جديدة".

ويضيف "لو كان حزب الله قادراً على ردع إسرائيل أو التصدي لها بشكل فعّال لما وافق على وقف إطلاق النار الذي نصّ بوضوح على الالتزام بالقرارات الدولية، ما يعني عملياً إنهاء دور سلاح حزب الله شمال وجنوب الليطاني، بخلاف ما يدّعيه نائب أمين عام الحزب نعيم قاسم".

ويشدد العاقوري على أن "أي محاولة للتذاكي من قبل حزب الله، من خلال فتح جبهة الجنوب أو القيام بعمليات عسكرية، أو استخدام تكتيك غضب الأهالي، كما كان يحصل مع قوات اليونيفيل عند افتعال مشاكل معها، ستؤدي إلى عودة الضربات الإسرائيلية العنيفة ما سيدخل لبنان مجدداً في دوامة من الدماء والدمار".

كذلك، يرى بو مجاهد أن "لا قدرة لمحور الممانعة على اتّخاذ قرارات هجومية حربيّة لاحقة ضدّ الداخل الإسرائيلي وسط كلّ خسائره العسكرية والمتغيرات السياسية الاقليمية بما في ذلك سقوط النظام السوري، رغم أنّ هناك في الداخل الإسرائيلي من لا يلغي احتمال أن يهاجم حزب الله إسرائيل".

ويعتبر أن "حزب الله يحاول الإبقاء على نقاط قوّة سياسية في الداخل اللبنانيّ تسمح له فرض بعض شروطه ويظهر ذلك جليّاً في الطريقة التي يتعامل بها مع تشكيل الحكومة اللبنانية من خلال تشبّثه مع حركة أمل في الحصول على كامل التمثيل الشيعي داخل الحكومة العتيدة والمفاوضة على وزارات وازنة". 

ويستطرد قائلا "حتّى أنّ خطابات الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم تبقي على احتدام بحثاً عن سيطرة على قرارات سياسية واستراتيجية من بينها قرار الحرب والسلم".

الطريقة التي يتّخذها حزب الله في التعامل مع الأوضاع في هذه الفترة هدفها، كما يقول بو مجاهد، "عدم تغيير الموازين السياسية المقرِّرة في الداخل اللبناني".

ويضيف المتحدث مستدركا "لكنه لن يستطيع أن يدخل في مواجهة إضافية مع إسرائيل وسيحيّد نفسه أيضاً قدر الامكان عن صدامات مع الجيش الإسرائيلي الموجود في جنوب لبنان، بخاصّة أن حزب الله لا يردّ على كلّ الضربات الإسرائيلية التي لا تزال قائمة جنوب لبنان".

أنصار لحزب الله على متن حافلات مرددين شعارات داعمة للحزب

وفي محاولة لإثبات قوته داخل لبنان، جابت مسيرات من الدراجات النارية مناطق عدة في بيروت ليل أمس الأحد، رافعة أعلام حزب الله ومطلقة شعارات حزبية اعتبرها سكان بالعاصمة "مستفزة".

التزامات الاتفاق

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الاثنين، عن إعادة توزيع قوات في جنوب لبنان وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار، بهدف "تمكين انتشار فعال للجيش اللبناني تدريجياً، وتفكيك وإبعاد حزب الله الإرهابي بعناصره وبنيته التحتية، من جنوب لبنان".

وأشار إلى أن عملية الانتشار "تتم بشكل تدريجي مع التأكيد على الحاجة إلى وقت إضافي في بعض المناطق لضمان عدم عودة حزب الله لترسيخ قوته".

ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة كما يرى جابر "تحركاً دبلوماسياً كبيراً تقوده السلطة اللبنانية"، مشيراً إلى اقتراحه "استدعاء لجنة المراقبة لاتفاق وقف إطلاق النار لعقد اجتماع مع رئيس الحكومة الحالي والرئيس المكلف بتشكيل حكومة جديدة".

واعتبر أن "على اللجنة تقديم تقرير مفصل حول الالتزامات التي نفذها لبنان مقارنة بعدم التزام الجيش الإسرائيلي، ليعرض هذا التقرير خلال اجتماع مع وزراء الدول الكبرى، بما فيها الصين، الولايات المتحدة، وروسيا".

ويعتبر جابر أن "لبنان نفذ التزاماته، بما في ذلك سحب حزب الله لمعظم أسلحته الثقيلة من جنوب الليطاني، بالتالي هو غير مسؤولة عن أي عمليات عسكرية قد تحدث في الجنوب".

وإذا استمر الجيش الإسرائيلي في التواجد داخل الأراضي اللبنانية، فمن المحتمل كما يقول جابر، أن "نشهد مقاومة محلية تتمثل في عمليات إغارة وكمائن داخل الأراضي اللبنانية".

غير أن المتحدث يستدرك قائلا "لكنني لا أعتقد أن حزب الله سيطلق صواريخ على إسرائيل في الوقت القريب، إلا إذا وسّعت إسرائيل نطاق قصفها واستهدفت مناطق لبنانية كما حدث في السابق".

أما العاقوري فيرى أن الحراك الدولي تجاه لبنان، مع انتخاب الرئيس جوزاف عون وتسمية نواف سلام رئيسا للحكومة، هو "إيجابي جداً، خاصة مع حضور شخصيات دبلوماسية بارزة".

لكن هذا الزخم الدبلوماسي مرتبط، بحسب ما يقوله العاقوري، بـ"التزام لبنان الواضح بالاتفاقيات الدولية، ما يعني التزام حزب الله بتسليم سلاحه إلى الجيش اللبناني أو إعادته إلى إيران".

عناصر من الجيش اللبناني داخل مركبة عسكرية
أمامه اختبار صعب.. ما هي قدرات الجيش اللبناني؟
يواجه الجيش اللبناني اختباراً صعباً لضمان استقرار البلاد، حيث يعمل، رغم محدودية موارده البشرية واللوجستية والعسكرية، على تعزيز انتشاره في جنوب لبنان تنفيذاً للقرار الدولي 1701، الذي أُقر في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل.

ويتابع موضحا "أي محاولة للتنصل من مضمون الاتفاق أو الانقلاب على خطاب القسم الذي شدد على حصرية السلاح بيد الدولة واستراتيجية دفاعية واضحة، ستؤدي إلى تراجع الدعم الدولي وتقييد قدرته على الضغط على إسرائيل".

ويرى أن "إسرائيل لن تجد أي مبرر للبقاء في الأراضي اللبنانية إذا أنشأ الجيش اللبناني اليوم مخازن على الحدود، بخلاف الوضع الحالي. لذلك، من الأفضل لحزب الله أن يبادر إلى تسليم سلاحه والانسحاب بشرياً من جنوب الليطاني".

"هذه الخطوة من شأنها قطع الطريق أمام أي اعتداءات إسرائيلية محتملة، فضلاً عن تمكين الدول الصديقة للبنان من ممارسة الضغط على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ الاتفاق"، يضيف العاقوري.

ولا يتحمل لبنان أي مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، كما يبرز العاقوري، "خاصة أنه لا يزال يعاني من آثار مغامرة الثامن من أكتوبر التي خلفت دماراً وضحايا لم يتم انتشالهم بعد من تحت الركام، تحديداً في الجنوب".

ويقول "الاقتصاد اللبناني كذلك في وضع لا يسمح بمواجهة جديدة، كما أن أي تصعيد سيضعف الدعم الدولي الحالي الذي حظي به لبنان بعد انتخاب الرئيس وتسمية رئيس الحكومة".

بدوره يؤكد بو مجاهد أن "الخيارات السياسية المتاحة أمام لبنان الرسميّ للخروج من الأزمة وإعادة الاستقرار تقوم على التفاوض مع المجتمع الدوليّ لمتابعة الانسحاب الإسرائيليّ واتخاذ تدابير في الداخل اللبناني توحي بقدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بزمام القرار مع نفوذ قادر على تغيير جذريّ جنوب لبنان".

الجيش وسلاح حزب الله.. هل ينجح لبنان في "المعادلة الصعبة"؟
يعود سلاح حزب الله إلى الواجهة من جديد بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس للحكومة، وإصرار السلطات على بسط سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، بعد حرب مدمرة مع إسرائيل تسببت بمقتل وجرح الآلاف خلال العام الماضي.

ويضيف "من المهمّ تشكيل حكومة لبنانية قويّة خارج قدرة حزب الله على تعطيل عملها أو محاولة السيطرة على مساعيها، على أن تشكَّل من أصحاب المؤهلات بعيداً عن التحاصص حتى يكون في مقدور الحكومة التجانس بسهولة مع المجتمع الدوليّ كسلطة تنفيذية لأنّ رئيس الحكومة لوحده يبقى أمام تحدّيات جمّة من داخل فريقه الوزاري إذا حاول بعضٌ من فريق عمله عرقلة عمله".

ويشدد على أن "انتقال المجتمع الدولي نحو ممارسة ضغوط سياسية إضافية على إسرائيل بهدف تحقيق انسحابها من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها جنوب لبنان، تلقائيّ إذا استطاع لبنان أن يبلور نفوذ الدولة اللبنانية على الأراضي جنوب لبنان وتصدّى لمحاولات حزب الله الإبقاء على بعض من سيطرته".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".