Lebanese army members place razor wires in Burj al-Muluk, near the southern Lebanese village of Kfar Kila
حزب الله يصر على معادلة "جيش، شعب، مقاومة" - رويترز

رغم هزيمته عسكرياً في حربه الأخيرة مع إسرائيل، يبدو حزب الله مصمماً على التمسك بمعادلته الثلاثية "جيش، شعب، مقاومة"، التي تثير جدلاً واسعاً في لبنان.

ويتجلى هذا الإصرار في دعوته الأخيرة لأهالي الجنوب للعودة إلى قراهم، ساعياً من خلال ذلك إلى ترسيخ هذه المعادلة كجزء أساسي من استراتيجيته السياسية والعسكرية.

وفي بيان أصدره مساء الأحد، شدد حزب الله، المصنف جماعة إرهابية، على أن "معادلة الجيش والشعب والمقاومة ليست حبراً على ورق، بل واقع يعيشه اللبنانيون يومياً، ويجسدونه بصمودهم وتضحياتهم".

وقال أمين عام الحزب، نعيم قاسم، في كلمة الاثنين، إن "الثلاثية هي التي وضعت حداً لإسرائيل من أن تصل إلى بيروت أو أن تصل إلى جنوب نهر الليطاني".

وكان عضو كتلة "الوفاء للمقاومة"، النائب إبراهيم الموسوي، قد قال يوم الاثنين، إن شعب الجنوب "يفرض معادلة الجيش والشعب والمقاومة، سواء رضي من رضي أو أبى من أبى. وإن لم تذكر في البيان الوزاري، فقد سُطرت من خلال الزحف الشعبي".

يأتي إصرار حزب الله على التمسك بمعادلته الثلاثية، التي بدأ بفرضها في البيانات الوزارية بعد حرب يوليو 2006، نتيجة مخاوفه من احتمال استبعادها من البيان الوزاري للحكومة المقبلة التي يسعى القاضي نواف إلى تشكيلها.

هذا التخوف يثير تساؤلات عن إمكانية لجوء الحزب إلى استخدام هذه المعادلة كورقة ضغط لفرض شروطه في عملية تشكيل الحكومة.

في المقابل، يرى معارضو هذه المعادلة أنها تهدد سيادة الدولة، كونها تمنح شرعية لسلاح حزب الله، ويصفون الجمع بينها وبين القرار 1701 بأنه شكل من أشكال الخداع السياسي.

وفي خضم هذا التجاذب السياسي، يطرح السؤال: هل سينجح حزب الله في فرض معادلته مجدداً في البيان الوزاري، رغم الضغوط الداخلية والخارجية؟ أم أن هذه الضغوط ستجبره على إعادة النظر في خياراته السياسية بما يتماشى مع المتغيرات الإقليمية والمحلية؟

استثمار "دموي"؟

"لا شك في أن حزب الله أو الثنائي الشيعي"، سعى كما يقول المحلل السياسي إلياس الزغبي، "إلى الاستثمار في دماء الجنوبيين وفي حركته الدعائية لعودة الأهالي إلى قرى جنوبية حدودية، كي يعيد تمرير ثلاثيته الصدئة إلى الواجهة السياسية وفرضها على تشكيل الحكومة الجديدة، إضافة إلى تثبيت وزارة المال لشريكه رئيس مجلس النواب نبيه بري".

ولم يتأخر كثيراً حزب الله، وفق ما يقوله الزغبي لموقع "الحرة"، "في توظيف ضحايا الجنوب والضجيج الدعائي حول العودة، فسارع بعد بضع ساعات فقط إلى تحريك مسيرات دراجات نارية نحو مناطق مسيحية مع هتافات مذهبية وأسلحة استفزازية، في خطة لترهيب هذه المناطق لعل قواها السياسية ترضخ لمنطق هيمنته السابقة وتقبل بشروطه في الحكومة الجديدة".

ولكن رسالته الاستفزازية للحكم الجديد وهذه المناطق لم تحقق غايتها، كما يقول الزغبي، "وحسابات حقل الثنائي لم تتطابق مع حسابات البيدر اللبناني، لا لجهة تنفيذ مندرجات اتفاق وقف إطلاق النار، خصوصاً نزع سلاحه، ولا لجهة فرض إرادته على العهد الجديد برمزيه الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام".

واللافت، كما يقول، "هو إقدام قيادة الجيش بلا تردد على التحذير من هذه الاستفزازات التي قام بها الثنائي والتنبيه إلى ضرورة كبح مخططات الفتنة".

وشهد يوم الأحد مقتل 24 شخصاً وإصابة 134 آخرين خلال محاولات أهالي الجنوب العودة إلى بلداتهم الحدودية، وفي اليوم التالي، لقي شخصان مصرعهما وأُصيب 26 آخرون بجروح.

لبنانيو الجنوب بقلب التصعيد.. حزب الله يدفع أنصاره نحو "خط النار"
ترجم حزب الله التصعيد الذي هدد به في حال لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف النار، من خلال حث أهالي الجنوب اللبناني على التوجه إلى البلدات الحدودية، غير مكترث بالمخاطر التي قد تترتب على تعريضهم لخطر مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

ويرى المحلل السياسي، وجدي العريضي، أن التحرك الذي نظمه حزب الله في الجنوب اللبناني يحمل "رسائل تجييشية تهدف إلى إعادة ترسيخ المعادلة الثلاثية، التي يصفها البعض بالخشبية وآخرون بالذهبية، وذلك على وقع الحديث عن استبعاد هذه المعادلة من البيان الوزاري للحكومة المرتقبة، في تطور يختلف عن النهج السابق".

ويشرح العريضي، في حديث لموقع "الحرة"، أن "حزب الله يعاني من خلل كبير في بنيته السياسية والعسكرية، لا سيما بعد الحرب الأخيرة، التي شهدت اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله وقيادات الصف الأول، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد".

"هذا الواقع، دفع الحزب إلى إعادة تقييم استراتيجيته، بما في ذلك حشد بيئته للقيام بتحركات ميدانية والدخول إلى القرى الحدودية التي ما زال الجيش الإسرائيلي يتواجد فيها، رغم المخاطر الكبيرة"، وفق العريضي.

كما يربط العريضي هذه التحركات بمحاولة الحزب "مواجهة ما يعتبره انقلاباً سياسياً تمثل في تكليف القاضي نواف سلام بتشكيل الحكومة، بعد توقعاته بإعادة تكليف نجيب ميقاتي. هذا التطور أثار استياءه، خاصة بعد استيعابه لفكرة وصول قائد الجيش العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية".

وفي السياق، أكد رئيس حزب الكتائب، النائب سامي الجميّل، على ضرورة عدم استغلال المشهد في الجنوب لتحقيق مكاسب سياسية، مشدداً على أهمية أن يكون الانتصار للدولة ومنطق الدولة والجيش.

وقال الجميّل، خلال مقابلة مع تلفزيون الجديد أمس الاثنين، إن "التضامن يتجلّى بالدولة، وشعار الجيش والشعب والمقاومة لم أفهمه يوماً، لأنه ليس منطقياً".

وأضاف: "المطلوب هو أحادية الدولة، وليس ثلاثيات. نحن نطالب بالشراكة بين اللبنانيين تحت سقف الدولة وبإطارها، حيث يكون الدفاع بيد الجيش وحده، وتتخذ قرارات الدولة من قبل رئيس الجمهورية والحكومة".

استعراض دعائي؟

واستطاع حزب الله، من خلال مشهد عودة الأهالي إلى بعض القرى في جنوب لبنان، "تسجيل خروقات وخلق حالة من الإرباك السياسي"، كما يرى العريضي.

ومع ذلك، يؤكد العريضي أن "الحزب لن يتمكن من فرض شروطه بالكامل، في ظل وجود معادلة دولية-إقليمية-عربية تقودها الولايات المتحدة ودول الخليج، ترفض هيمنته وسلاحه".

ويشدد: "لن يستطيع الحزب إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 27 سبتمبر، تاريخ اغتيال نصر الله".

ويشير إلى أن "فائض القوة الذي كان يتمتع به حزب الله قد تراجع بشكل كبير"، موضحاً أن "الحزب ربما نجح في تثبيت وزارة المال بيد الطائفة الشيعية في الحكومة المقبلة، لكنه غير قادر على فرض شروطه السياسية بالكامل".

كذلك يقول الزغبي إنه من "الواضح أن حزب الله الذي خرج منهكاً من الحرب الأخيرة لم يعد يملك القدرة السابقة على فرض المعادلات والسلطات والإدارات كما في السابق، بحيث بات مضطراً للقيام بحركات استعراضية دعائية أكثر منها فعلية ذات تأثير حاسم".

فسواء على مستوى السلاح أو على مستوى المال، تراجعت طاقات الحزب، وفق الزغبي، "إلى حد كبير بعد إقفال مسار تزويده بهما، لذلك تراجعت قدرته الميدانية عما كانت عليه في غزوتي بيروت والجبل في 7 مايو 2008، وكذلك قدرته على تنفيذ انقلابات على الحكومات بالقمصان السود أو بالدواليب المحروقة، كما تضاءلت قدرته على تكرار غزواته الصغرى مثلما فعل في الطيونة وخلدة وشويا الجنوبية، وكذلك في مخطط الاغتيالات التي ارتكبها".

والأكيد، كما يقول، "أنه بات يحتاج إلى تعويض معنوي نسبي عن انتكاساته كي يحافظ على تأييد بيئته المصدومة".

تجدر الإشارة إلى أن رئيس حزب "القوات اللبنانية"، سمير جعجع، سبق أن أكد أن "القوات ستكون خارج أي حكومة تلحظ في بيانها الوزاري معادلة: جيش، شعب، مقاومة، أو تضم وزراء عليهم أي شبهة، وستشارك في حكومة تشبه صفات رئيس الجمهورية المنتخب ورئيس الحكومة المكلف".

وشدد جعجع، في مقابلة مع قناة "الحدث" في 13 يناير، على أن "القصة ليست بمثابة صراع بين فريقين لبنانيين، بل تكمن في اختلاف بالأفكار والمشاريع، ولو أن ثمة مشروعاً تقدم فعلياً على الآخر، علماً أنني لا أحبذ كلمة (المنتصر)".

رسائل حازمة

تؤكد "تجارب المقاومة العالمية"، كما يقول العريضي، "أن دور المقاومة ينتهي بتحرير الأرض، لتحل مكانها سلطة الدولة المتمثلة بجيشها الوطني. وفي الحالة اللبنانية، ينص القرار الدولي 1701 على مسؤولية الجيش اللبناني في حفظ الأمن والاستقرار في الجنوب. غير أن حزب الله يتمسك بالمعادلة الثلاثية، ما يعكس رغبته في الحفاظ على دوره الداخلي والإقليمي المرتبط بمصالح إيران، خاصة بعد تراجع نفوذها في المنطقة بعد ضرب أذرعها وسقوط النظام السوري".

ويلفت العريضي إلى أن "زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان إلى لبنان حملت رسائل واضحة بضرورة تحقيق الاستقرار السياسي بعيداً عن هيمنة حزب الله، كما أكد وزير الخارجية الكويتي عبد الله اليحيا الموقف ذاته، مشدداً على أن دعم لبنان مشروط بتوفير بيئة سياسية مستقرة تعزز جذب الاستثمارات وتعيد بناء الاقتصاد".

وفي السياق ذاته، يشير إلى تصريحات رجل الأعمال الإماراتي خلف أحمد الحبتور، "الذي انتقد السياسات السابقة التي أسهمت في تدمير الاقتصاد اللبناني، داعياً إلى تشكيل حكومة إصلاحية تضم أصحاب اختصاص لإنقاذ البلاد".

واليوم الثلاثاء، أعلن الحبتور عن إلغاء جميع المشاريع الاستثمارية التي كان يعتزم تنفيذها في لبنان، إلى جانب بيع كافة ممتلكاته واستثماراته هناك، وأوضح في تغريدة عبر حسابه على منصة "إكس" أن "هذه القرارات لم تتخذ من فراغ، بل جاءت نتيجة دراسة دقيقة ومتابعة عميقة للأوضاع هناك".

كذلك يقول الزغبي إن الحزب ووراءه إيران "يخضع لمراقبة شديدة من المجتمع الدولي المشرف على تنفيذ اتفاق وقف النار، وكذلك للمراقبة العربية، ولا سيما من المملكة العربية السعودية، فالمسؤولية ليست فقط أمام العهد الجديد، بل أمام الإرادة الدولية التي ترعى مسيرة النهوض اللبناني، ومن غير المسموح لإيران استخدام ذراعها في لبنان مرة أخرى لتخريب هذه المسيرة".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".