رجل يتفقد مبنى مدمرا جنوب لبنان

شنّ الطيران الإسرائيلي، مساء الثلاثاء، غارتين على مدينة النبطية جنوبي لبنان، استهدفت الأولى مرآباً للسيارات ومنتزها في زوطر الشرقية، مما أدى إلى إصابة 36 شخصاً، وفق مراسلة الحرة.

وذكرت وزارة الصحة اللبنانية، أن 36 جريحا، حصيلة هجمات إسرائيلية، الثلاثاء، في جنوب لبنان.

ويأتي هذا التصعيد العسكري على شمالي نهر الليطاني، للمرة الأولى بعد اتفاق وقف إطلاق النار ومهلة الستين يوماً بين إسرائيل وحزب الله.

من جانبه، قال الجيش الإسرائيلي في بيان، الثلاثاء، إن "طائرات لسلاح الجو شنت غارة على شاحنة ومركبة أخرى تابعتيْن لحزب الله، كانتا تنقلان وسائل قتالية في منطقتي الشقيف والنبطية في جنوب لبنان، وذلك لإزالة تهديد".

وأضاف أنه "تم استهداف الشاحنة والمركبة بعد مراقبة لجيش الدفاع، خلال قيامهما بنقل الأسلحة".

وشدد الجيش على أنه "مصمم على العمل وفق التفاهمات بين إسرائيل ولبنان، وذلك رغم محاولات حزب الله العودة إلى منطقة جنوب لبنان"، محذرا من أنه "سيتحرك لإزالة كل تهديد على دولة إسرائيل ومواطنيها".

وفي هذا السياق، اتصل رئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان، نجيب ميقاتي، برئيس لجنة مراقبة وقف إطلاق النار الجنرال جاسبر جيفرز، مطالباً إياه بـ"اتخاذ موقف حازم لضمان تنفيذ إسرائيل التزاماتها، بموجب القانون الدولي".

لبنانيو الجنوب بقلب التصعيد.. حزب الله يدفع أنصاره نحو "خط النار"
ترجم حزب الله التصعيد الذي هدد به في حال لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف النار، من خلال حث أهالي الجنوب اللبناني على التوجه إلى البلدات الحدودية، غير مكترث بالمخاطر التي قد تترتب على تعريضهم لخطر مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

من جهة أخرى، أكدت مصادر لقناة "الحرة"، أن الجيش اللبناني تسلّم منذ 10 أيام منشأة "عماد 4" العسكرية التابعة لحزب الله، في منطقة وادي جيلو، التي سبق للحزب أن عرض فيها شاحنات محملة بصواريخ ثقيلة. 

وتعرضت بعض أنفاق هذه المنشأة لقصف إسرائيلي خلال الحرب الأخيرة.

عودة مدنيين لقراهم

وتأتي هذه التطورات فيما يواصل الأهالي محاولاتهم للعودة إلى القرى الحدودية جنوبي البلاد، بمؤازرة الجيش اللبناني، لليوم الرابع على التوالي. 

وأعلن مكتب التعاون المدني في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفل"، أنه سيقوم هذا الأسبوع، بالتعاون مع الجيش اللبناني، "بتوزيع خيام على العائدين إلى البلدات الحدودية، بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها". علماً أن العديد من العائدين يبيتون في العراء بين الركام، فيما يضطر آخرون للمغادرة مساءً بعد قضاء النهار في قراهم.

تحديات أمام تشكيل الحكومة

وعلى المستوى السياسي، لا تزال عملية تشكيل الحكومة الجديدة تواجه عراقيل متعددة، إذ يتمسك رئيس مجلس النواب نبيه بري بوزارة المال، إضافة إلى حقائب وزارية أخرى للثنائي الشيعي. 

كما برزت مؤخراً تحديات تتعلق بالتمثيل السني والثنائي المسيحي. 

وأكد رئيس الحكومة المكلف، نواف سلام، أنه لا توجد أسماء أو حقائب محسومة بعد. 

ووسط هذه الأجواء، رجحت مصادر مطلعة على مساعي تشكيل الحكومة، أن تصدر "التشكيلة الحكومية" الأسبوع المقبل.

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.