موقع عسكري إسرائيلي في بلدة حولا جنوبي لبنان - رويترز

بعد أسابيع على موافقة حزب الله على اتفاق وقف إطلاق النار، تبنّى الحزب استراتيجية جديدة، تمثّلت في استبدال لجوئه إلى السلاح التقليدي بما أطلق عليه البعض "سلاحاً بشرياً".

استراتيجية الحزب المصنف جماعة إرهابية بدأت مع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق الذي وصفه لبنانيون بأنه "اتفاق استسلام" بسبب تضمّنه بنداً يقضي بتسليم سلاحه تدريجياً بدءاً من مناطق جنوب الليطاني وانسحاب عناصره من المنطقة.

وتجسدت استراتيجية "السلاح البشري" بدفع أبناء الجنوب اللبناني العزّل إلى مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

وتجاهل حزب الله التزاماته الواردة في اتفاق الهدنة، وهدد قبل انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها الاتفاق بالتصعيد إذا لم تنسحب القوات الإسرائيلي من جنوب لبنان في الموعد المحدد.

وبدأ بتنفيذ وعيده منذ اليوم الأول، حيث أرسل المدنيين يوم الأحد الماضي إلى بلداتهم بهدف الضغط على الجيش الإسرائيلي للانسحاب منها.

ورغم سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وتمديد الهدنة حتى 18 فبراير، يواصل الحزب دعواته لما يصفه بـ"الزحف" نحو القرى الحدودية، حيث حدد موعداً جديداً لذلك يوم الأحد المقبل.

دعوات حزب الله تثير رفضاً داخل البيئة الشيعية نفسها، حيث ينتقد معارضون للحزب استغلاله للمواطنين وزجّهم في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وتعريض حياتهم للخطر.

زج في أتون الموت؟

إذا كان هاجس أبناء القرى المدمرة جنوب لبنان هو العودة إلى قراهم، كما يقول رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين، إلا أن ما يفعله حزب الله وفق قوله "هو قلب الأولويات، من أولوية العودة وإعادة الإعمار إلى خلق توترات تهدف إلى التخفيف من حالة الشكوى المتزايدة بسبب البطء أو عدم الاستجابة لتحديات الإعمار".

ويضيف الأمين، في حديث لموقع "الحرة"، "يبدو أن حزب الله يمر بوضع ملتبس يثير حالة من الإرباك في تعامله مع الوقائع السياسية والعسكرية الصادمة له ولبيئته في لبنان وبالتحديد في جنوبه. ويعود هذا الالتباس والارباك إلى أن بنية الحزب تعرضت لضربات قاتلة على مستوى قياداته الفعلية، عسكرياً، أمنياً أو سياسياً، خلال حرب الإسناد. هذه الخسائر أفقدت الحزب القدرة على اتخاذ القرار وضمان الالتزام به داخل صفوفه، ولا يبدو أن القيادة الجديدة قادرة على الإمساك بزمام الأمور".

من جانبه، يشدد مدير تحرير موقع "أساس ميديا" عضو مبادرة "نحو الإنقاذ"، الصحفي محمد بركات، على أن دعوات حزب الله لأبناء الجنوب، تمثل "زجاً لهم في أتون الموت".

ويؤكد بركات (ابن بلدة رب الثلاثين الحدودية) في حديث لموقع "الحرة" على أن "هذه الدعوات تستهين بدماء الناس دون أي جدوى. 

"نحن أمام حرب كبرى في المنطقة، والرد عليها لا يكون بدفع الناس إلى مواجهات تؤدي إلى مجازر، كما حدث يومي الأحد والاثنين الماضيين"، يقول بركات.

وشهد يوم الأحد سقوط 24 قتيلاً و134 جريحاً، و الاثنين، سقط قتيلان وأُصيب 26 شخصاً، بينما أُصيب 8 أشخاص يوم الثلاثاء، و8 آخرون يوم الأربعاء، بالإضافة إلى اعتقال عدد من المشاركين على يد القوات الإسرائيلية.

كما يعترض بركات على استخدام مصطلح "الزحف" في الدعوات، موضحاً أن "كلمة الزحف تستخدم للحيوانات التي تزحف وتسمى زواحف. أما نحن، بشر لنا كرامتنا، ومن حقنا أن نعود إلى قرانا سيراً على الأقدام ورؤوسنا مرفوعة، بالإضافة إلى أن قرانا ليست حافة أمامية كما يشار في الدعوات، بل اسمها الحدود الجنوبية للبنان".

أما الصحفي حسن عباس، (ابن بلدة عيترون الحدودية) فيرى أن للمشهد الذي رسم في جنوب لبنان في الأيام الأخيرة بُعدَيْن "البعد الأول هو أن معظم أبناء بلدات وقرى جنوب لبنان الحدودية هجّروا من منازلهم منذ الأسبوع الأول الذي تلا السابع من أكتوبر 2023، بعدما ارتأى حزب الله أنه قادر على "مشاغلة" إسرائيل ومساندة غزة، أي منذ أكثر من 15 شهراً".

هؤلاء، كما يقول عباس لموقع "الحرة"، "شرّدوا من منازلهم، ومنعوا من العودة إليها رغم التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين إسرائيل وحزب الله، وعلى أساس أن هذا القيد سيزول بعد ستين يوماً من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، وتسلُّم الجيش اللبناني المواقع التي تحتلها إسرائيل، وعندما أتى اليوم الموعود حصل تسويف سببه أن إسرائيل تريد تمديد المهلة".

ويتابع "مئات من أبناء هذه المناطق استجابوا لدعوات للتجمّع في نقاط محددة للدخول إلى بلداتهم وقراهم، كما فعلوا بعد انتهاء حرب يوليو 2006، لأنهم قلقون من سيناريو بقاء القوات الإسرائيلية في أرضهم، وبالفعل نجحوا في الدخول إلى مجموعة واسعة من المناطق التي كان الاقتراب منها ممنوعاً، فيما بقيت بضع بلدات محتلّة وممنوع الدخول إليها".

ولكن هناك بعد آخر يأتي في الخلفية، كما يقول عباس "فعلى مجموعات واتساب تضم جنوبيين، نشرت دعوات التجمّع بداية، كان واضحاً وجود جهة تنسّق كل هذه الدعوات، هي حزب الله، رغم تنصّله من الوقوف وراء ما جرى، لأنه كان بحاجة إلى المشهد الجنوبي لأسباب عدّة".

التفاف على الاتفاق؟

دعوة حزب الله للأهالي مجدداً للدخول إلى القرى الأمامية في جنوب لبنان، يوم الأحد القادم، تعد كما يقول الأمين "محاولة لتثبيت حضور حزبي، لا يحظى بشرعية الاتفاق الذي وافق عليه بين اسرائيل ولبنان، والذي حدد سبل تنفيذ القرار 1701 بحلته الجديدة".

ويعتبر الأمين أن "حزب الله يحاول، بأسلوبه، الالتفاف على هذا الاتفاق، حتى لو كان ذلك على حساب دور الجيش اللبناني والدولة التي يعمل على ترسيخ فكرة عجزها وعدم قدرتها على تقديم الضمانات، مدعياً أنه الجهة الوحيدة القادرة على توفير ذلك كما كان الحال قبل حرب الإسناد".

كذلك يقول عباس "حزب الله مُحرَج جداً بعد الهزيمة العسكرية التي تعرّض لها، ولأنه جرّ الاحتلال الإسرائيلي مجدداً إلى جنوب لبنان بسوء تقديره، ويحتاج سريعاً إلى خروج القوات الإسرائيلية كي لا تتعمم هذه السردية بين الجنوبيين أكثر فيفقد تأييد غالبيتهم، ولأنه غير قادر على الدخول في جولة حربية ثانية لم يجد أمامه سوى دفع المدنيين لتصليح ما خرّبه".

من ناحية ثانية، يريد هذا الحزب كما يقول عباس "تعميم مقولة أنه قاد تحرير الجنوب عندما فشلت ديبلوماسية المؤسسات اللبنانية الرسمية والجيش اللبناني في ذلك، لغرض إعادة إحياء مقولة "جيش وشعب ومقاومة" التي تمنحه شرعية عوضاً عن سحب سلاحه كما ينص اتفاق وقف النار وقراريْ مجلس الأمن رقم 1701 و1959. كذلك، يطمح حزب الله إلى استخدام نجاح التحركات الشعبية جنوباً لاستعادة هيبته وحضوره في المشهد السياسي اللبناني العام وامتلاك أوراق قوة يمكن استخدامها في التجاذبات الحاصلة حالياً حول تشكيل الحكومة".

ويضيف "حسب متابعتي، ما يجري يحظى بدعم غالبية اللبنانيين الشيعة، أو الأصح برضا هذه الغالبية عنه، لأنهم ينظرون إليه كعمل هادف إلى تحرير بلداتهم وقراهم المحتلة، وإن كان كثيرون يرفضون المشاركة في التحركات لعدم تعريض أنفسهم للخطر، مع وجود فئة ترفض التحركات من الأساس لأنها تعرّض المشاركين للخطر".

نحو تصعيد أوسع؟

يمكن تفسير سلوكيات حزب الله في الميدان، "المتمثلة في إظهاره أنه المقرر والأقوى، واستعراض أنصاره الاستفزازي في شوارع بيروت وغيرها من مظاهر التمرد، على سلطة الدولة والجيش"، وفق ما يقوله الأمين.

ويردف قائلا إن عدم قدرة قادة الحزب على "تقبل فكرة الخضوع لقواعد جديدة تقيّد تحركاتهم، وتحدّ من نفوذهم وأدوارهم التي كانت محسومة في لبنان وسوريا، كل ذلك يصعب تقبله داخل بنية حزبية تعتمد على خطاب أيديولوجي وتعتبر سلاحها مقدساً ومنذوراً لأداء مهمة إلهية".

وعن الخشية من أن تؤدي تحركات الأهالي إلى تصعيد أمني مع إسرائيل يجيب الأمين "هذه المغامرة التي يخوضها حزب الله سوف تدفع الأمور نحو تصعيد إسرائيلي إذا استمر في سلوكه الحالي، الذي يعكس حالة من الردة على الاتفاق الذي يلغي وجوده العسكري والأمني بعدما كان الآمر الناهي".

أما عباس فيقول "بتقديري لن تؤدي هذه التحركات إلى تصعيد مع إسرائيل، ولكن قد تؤدي إلى إزهاق أرواح المزيد من المدنيين، وأخشى أن يكونوا كثيرين".

ويشرح "ما يمكن أن يؤدي إلى جولة حربية جديدة هو انتشاء حزب الله بأي إنجاز قد يتحقق، بذراع المدنيين لا بذراعه، ونسبته إلى نفسه وإلى حُسن إدارته للصراع، ما قد يدفعه إلى استخدام المدنيين لاحقاً في محاولة لمنع تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية عبر منع الجيش اللبناني من تنفيذ المهمة الموكلة إليه والقاضية بتفكيك بنية حزب الله العسكرية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني".

واليوم الجمعة، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، خلال لقائه وزير الخارجية المصري الدكتور بدر أحمد عبد العاطي، في قصر بعبدا، أن "لبنان متمسك بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال الحرب الأخيرة ضمن المهلة المحددة في 18 فبراير المقبل"، معتبراً أن لبنان "يرفض المماطلة في الانسحاب تحت أي ذريعة كانت".

وكان عون دعا أهالي جنوب لبنان، يوم الأحد الماضي، إلى "ضبط النفس والثقة بالقوات المسلحة اللبنانية"، مؤكداً "حرصها على حماية سيادة لبنان وأمنه، وتأمين عودة آمنة إلى منازلهم وبلداتهم".

وقال عون في بيان إن "سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة"، مشيراً إلى أنه "يتابع هذه القضية على أعلى المستويات".

أعمق من المشهد الظاهر

دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من جنوب لبنان يجب أن يتم كما يقول بركات "عبر الدولة اللبنانية، من خلال تشكيل حكومة تفاوض من أجل ذلك، وكذلك عبر تنفيذ القرار 1701، فلا يمكن أن يكون الحل بفتح الباب أمام إسرائيل لتكرر في لبنان ما ارتكبته في غزة".

أما عباس فيرى أن تحركات الأهالي "تشكل ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها أي دبلوماسية لبنانية ذكية في حث الدول الكبرى على الضغط على إسرائيل لتنسحب من النقاط التي لا تزال متمركزة فيها. ولو كنت أتمنى لو استخدمت وسائل أخرى لا تعرّض المدنيين للخطر".

أما اعتبار أن هذه التحركات لوحدها تمتلك القدرة على دفع القوات الإسرائيلية التي لا تزال متمركزة في جنوب لبنان للانسحاب، فهذا برأيه "طموح غير واقعي"، يؤكد عباس.

ويشرح "رغم إنجاز التحركات المتمثل بدخول المدنيين إلى بلدات وقرى كانوا ممنوعين من دخولها إلا أن هذه المناطق كانت خالية من القوات الإسرائيلية، والقوات الإسرائيلية التي لا تزال متمركزة في الجنوب لم تنسحب بعد من أي موقع بسبب التحركات التي جرت".

ويرى عباس أن الحل يكمن في "إسراع الجيش اللبناني في تنفيذ المهمة المنوطة به، أي تفكيك بنية حزب الله العسكرية الواقعة في منطقة جنوب الليطاني"، وإذا لم ينسحب الجيش الإسرائيلي، لا بد كما يقول من "الضغط الدولي على إسرائيل وهذا يتطلب قيام لبنان الرسمي بخطوات لبنانية مطمئنة للمجتمع الدولي ولمصالحه، وجزء من هذه الخطوات هي تطبيق القرار 1701، يعني ندور في نفس الدائرة تقريباً".

والأهم كما يقول "كيف كان ممكناً عدم تعريض الجنوب للاحتلال مجدداً، وكلنا نعرف الجواب؛ وكيف سيكون ممكناً ألا نعرّض الجنوب للاحتلال مرة أخرى في المستقبل، وهنا نعرف أن جزءاً من الجواب هو عدم السماح بتحويله مجدداً إلى ساحة لخدمة مصالح غير لبنانية".

لبنان وحماس

في حدث معبر وغير مسبوق، أظهرت الدولة اللبنانية صلابة في موقفها، وأجبرت حركة حماس، التي طالما استخفت بالسيادة اللبنانية، على الانصياع.

بعد تحذير حازم، من مجلس الدفاع الوطني اللبناني، سلمت حماس عددا من المطلوبين بتهمة إطلاق صواريخ من جنوب لبنان نحو إسرائيل، وهو تصعيد لم تكن الدولة اللبنانية لتواجهه بردع مباشر في السابق، إذ غالبا ما كانت تتم معالجة خروقات كهذه ضمن تفاهمات خلف الكواليس، خصوصا بوجود غطاء سياسي لحماس في لبنان من حزب الله. 

لكن هذه المرة، بدا الأمر مختلفا تماما.

الرسالة كانت واضحة: لم يعد بإمكان أي جهة أن تتصرف خارج سلطة الدولة اللبنانية.

استعادة السيادة

في أبريل الماضي، أعلن الجيش اللبناني ضبط عدة صواريخ ومنصات إطلاق واعتقل عددا من الأشخاص في جنوب لبنان، وقال إن التحقيقات جارية تحت إشراف القضاء.

حماس، التي اعتادت التلاعب بالسيادة اللبنانية مسنودة بتحالفاتها الإقليمية وصلاتها بحزب الله، وجدت نفسها الآن مجبرة على تسليم المطلوبين، في خطوة تعكس هشاشة موقفها وانحسار الدعم الذي طالما استفادت منه.

هذه الاستجابة السريعة تأتي بعد الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها الحركة في غزة خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل. فبينما تكبدت حماس خسائر فادحة، أظهرت التطورات الميدانية في لبنان تراجعا واضحا في تأثيرها ونفوذها.

فهل نحن أمام إعادة صياغة لدور حماس في لبنان؟ أم أن الحركة تسعى لتجنب مواجهة جديدة قد تكون مكلفة في ظل تغير الموازين السياسية والأمنية في المنطقة؟

نقطة التحول المفصلية

أصبحت بيروت منذ عام 2019 حاضنة رئيسية لقيادات حماس ومحطة مهمة لوجودها السياسي والأمني، كما ذكر مركز "كارنيغي".

ولا شك أن اللحظة التي أُعلنت فيها استراتيجية "وحدة الساحات" 

وقبل هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023 وتشكيل غرفة عمليات مشتركة في الضاحية الجنوبية لـ"محور الساحات،" أعلنت حماس وحزب الله استراتيجية "وحدة الساحات".

وبدت تلك اللحظة وكأنها "تمهيد لانقلاب شامل على الوضع اللبناني ومحاولة لفرض سيطرة محور الممانعة على كامل الأراضي اللبنانية وعلى جميع القوى السياسية دون استثناء مع بروز دور حركة حماس كعامل فلسطيني رديف لحزب الله في لبنان".

نشاط حماس في لبنان "يتعارض مع السياسة الرسمية الفلسطينية في التعاطي مع الشأن اللبناني"، يقول مدير مركز تطوير للدراسات الاستراتيجية والتنمية البشرية الباحث الفلسطيني، هشام دبسي لموقع "الحرة".

وتبنت حماس إطلاق صواريخ من لبنان خلال المواجهة التي بدأها حزب الله ضد إسرائيل عام 2023 على خلفية الحرب في قطاع غزة، لكن التطورات الميدانية وعمليات الاغتيال التي نفذتها إسرائيل قلبت المشهد رأساً على عقب".

وجاءت "تداعيات الضربات الإسرائيلية على حزب الله ومحور الممانعة في لبنان قاسية ليس فقط على حركة حماس بل على حزب الله ذاته"، يقول دبسي لموقع "الحرة".

وشكّلت عملية اغتيال نائب رئيس مكتب حماس السياسي، صالح العاروري في لبنان في يناير 2024، وفق ما يقوله دبسي "نقطة تحول رئيسية في مسار حركة حماس التي كانت تعيش حالة من الصعود على المستويين الفلسطيني واللبناني".

ويتابع "لكن نتائج الحرب الأخيرة وضعت الحركة في مأزق تحالفها مع حزب الله إذ لم تعد قادرة على فك ارتباطها بهذا التحالف كما لا تستطيع اتخاذ خطوة تراجع منهجية تقتضي بتسليم سلاحها للدولة اللبنانية والالتزام بالشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير وسفارة فلسطين في لبنان".

يذكر أن العاروري، قتل مع اثنين من قادة الجناح العسكري للحركة، في ضربة إسرائيلية استهدفت مكتبا للحركة في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، أحد معاقل جماعة حزب الله اللبنانية.

رسالة واضحة

حذّر مجلس الدفاع الوطني اللبناني حماس من استخدام الأراضي اللبنانية للقيام بأي أعمال تمس بالأمن القومي اللبناني تحت طائلة اتخاذ أقصى التدابير والإجراءات اللازمة لوضع حد نهائي لأي عمل ينتهك السيادة اللبنانية.

يتجلى في خطوة المجلس هذه بعدان أساسيان، يشرحهما دبسي "الأول هو انقلاب موازين القوى الداخلية لصالح الدولة اللبنانية في مواجهة سلاح الميليشيات حيث يعكس هذا التحرك تحولاً نوعياً نحو تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة".

الثاني "هو ترجمة خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري إلى خطوات عملية تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وفي هذا الإطار جاء إطلاق مجموعة من حركة حماس صواريخ من الأراضي اللبنانية نحو إسرائيل ليشكل اختباراً لمدى جدية العهد الجديد في فرض سيادة الدولة وقد كان الرد الإسرائيلي العنيف بمثابة إنذار لما قد تترتب عليه مثل هذه العمليات من تداعيات خطيرة".

وبالتالي فإن الدولة اللبنانية بسياساتها الجديدة لا يمكنها وفق ما يشدد دبسي "التغاضي عن هذه التطورات أو التعامل معها كما كان يحدث في السابق، بل على العكس جاء توجيه الإنذار لحركة حماس كرسالة واضحة بأن قرار السلاح والسيادة بات في يد الدولة اللبنانية ولن يُسمح لأي طرف بتجاوزه".

وفي ما يتعلق بتقييم استجابة حركة حماس لطلب تسليم المطلوبين، يرى دبسي أن الحركة "في البداية كانت مترددة وحاولت الاعتماد على علاقاتها التقليدية مع حزب الله وباقي قوى محور الممانعة في لبنان لكن مع إدراكها أن حزب الله لن يقدم لها الدعم ولن تستطيع الاحتماء بمظلته أو بمظلة أي من القوى اللبنانية الأخرى لم يبق أمامها سوى خيارين إما تسليم العناصر المطلوبة للدولة اللبنانية أو مواجهة الدولة دون أي غطاء لبناني داخلي ودون أي غطاء فلسطيني أيضاً".

ويشير دبسي إلى "أن منظمة التحرير الفلسطينية طالبت حماس مرارا بتسليم المطلوبين وعدم استخدام الأراضي اللبنانية لإطلاق الصواريخ حتى لا تعرض مجتمع اللاجئين الفلسطينيين لردود الفعل الإسرائيلية".

وبناء على ذلك اضطرت حركة حماس "في نهاية المطاف للاستجابة لمطلب الدولة اللبنانية كخيار إجباري لا مفر منه".

تصدّع التحالف

كشفت التطورات الأخيرة عمق الخلافات والتباينات الميدانية بين حماس وحزب الله، إذ لم يعد أي منهما قادراً على مساندة الآخر في ظل الظروف الراهنة، بحسب ما يرى دبسي.

ويشرح أن "حزب الله الذي أعلن التزامه بموقف الدولة اللبنانية لم يعد قادراً على تقديم الغطاء لحماس أو حمايتها، ما يعكس حالة من التباعد بين الطرفين، خاصة وأن حزب الله يشعر بأن حماس قد خدعته بعملية 'طوفان الأقصى'، إذ لم تنسق العملية معه ولم تُعلمه بموعدها مسبقاً".

في المقابل، "تشعر حماس بأن حزب الله لم يكن وفياً بما يكفي في دعمه للحالة الفلسطينية ولم يلتزم بتعهداته كما تتصور الحركة. وهكذا، باتت العلاقة بين الطرفين أقرب إلى تبادل الاتهامات وتحميل المسؤولية؛ فحزب الله يلقي اللوم على حماس بسبب التصعيد الميداني غير المنسق، بينما ترى حماس أن حزب الله استخدم إطلاق النار من لبنان كغطاء دون التشاور معها".

في ظل هذه التوترات، عادت قضية سحب السلاح الفلسطيني من المخيمات إلى الواجهة، وسط توقعات بإعلان الدولة اللبنانية عن خريطة طريق واضحة لتنفيذ هذه الخطوة، وفقاً لدبسي.

يُذكر أن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ينقسم إلى محورين: السلاح داخل المخيمات وخارجها. وقد أنجز ملف السلاح خارج المخيمات بالكامل، بينما يجري العمل حالياً لضبط السلاح داخل المخيمات.

وتندرج هذه القضية ضمن إطار القرار 1559 الصادر عام 2003، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات والقوى الأجنبية غير اللبنانية، بما فيها السلاح الفلسطيني.

يشير دبسي إلى أن "الشرعية الفلسطينية سبق أن أعلنت دعمها لتطبيق القرارين 1559 و1701، وأبدت استعدادها للتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية لتنظيم الوجود المسلح داخل المخيمات وخارجها".

وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد أكد خلال زيارته السابقة إلى قصر بعبدا في عهد الرئيس ميشال سليمان على تسهيل عمل الحكومة اللبنانية في إنهاء هذا الملف، لكن التطبيق تعثر بفعل هيمنة "محور الممانعة".

وفي هذا السياق، تتجه الأنظار إلى زيارة عباس المرتقبة إلى لبنان في 21 مايو، "حيث يتوقع أن تحمل مؤشرات حول كيفية تنفيذ المبادرة السياسية والأمنية المتعلقة بسحب السلاح من المخيمات بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية"، وفقاً لدبسي.