موقع عسكري إسرائيلي في بلدة حولا جنوبي لبنان - رويترز

بعد أسابيع على موافقة حزب الله على اتفاق وقف إطلاق النار، تبنّى الحزب استراتيجية جديدة، تمثّلت في استبدال لجوئه إلى السلاح التقليدي بما أطلق عليه البعض "سلاحاً بشرياً".

استراتيجية الحزب المصنف جماعة إرهابية بدأت مع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق الذي وصفه لبنانيون بأنه "اتفاق استسلام" بسبب تضمّنه بنداً يقضي بتسليم سلاحه تدريجياً بدءاً من مناطق جنوب الليطاني وانسحاب عناصره من المنطقة.

وتجسدت استراتيجية "السلاح البشري" بدفع أبناء الجنوب اللبناني العزّل إلى مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

وتجاهل حزب الله التزاماته الواردة في اتفاق الهدنة، وهدد قبل انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها الاتفاق بالتصعيد إذا لم تنسحب القوات الإسرائيلي من جنوب لبنان في الموعد المحدد.

وبدأ بتنفيذ وعيده منذ اليوم الأول، حيث أرسل المدنيين يوم الأحد الماضي إلى بلداتهم بهدف الضغط على الجيش الإسرائيلي للانسحاب منها.

ورغم سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وتمديد الهدنة حتى 18 فبراير، يواصل الحزب دعواته لما يصفه بـ"الزحف" نحو القرى الحدودية، حيث حدد موعداً جديداً لذلك يوم الأحد المقبل.

دعوات حزب الله تثير رفضاً داخل البيئة الشيعية نفسها، حيث ينتقد معارضون للحزب استغلاله للمواطنين وزجّهم في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وتعريض حياتهم للخطر.

زج في أتون الموت؟

إذا كان هاجس أبناء القرى المدمرة جنوب لبنان هو العودة إلى قراهم، كما يقول رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين، إلا أن ما يفعله حزب الله وفق قوله "هو قلب الأولويات، من أولوية العودة وإعادة الإعمار إلى خلق توترات تهدف إلى التخفيف من حالة الشكوى المتزايدة بسبب البطء أو عدم الاستجابة لتحديات الإعمار".

ويضيف الأمين، في حديث لموقع "الحرة"، "يبدو أن حزب الله يمر بوضع ملتبس يثير حالة من الإرباك في تعامله مع الوقائع السياسية والعسكرية الصادمة له ولبيئته في لبنان وبالتحديد في جنوبه. ويعود هذا الالتباس والارباك إلى أن بنية الحزب تعرضت لضربات قاتلة على مستوى قياداته الفعلية، عسكرياً، أمنياً أو سياسياً، خلال حرب الإسناد. هذه الخسائر أفقدت الحزب القدرة على اتخاذ القرار وضمان الالتزام به داخل صفوفه، ولا يبدو أن القيادة الجديدة قادرة على الإمساك بزمام الأمور".

من جانبه، يشدد مدير تحرير موقع "أساس ميديا" عضو مبادرة "نحو الإنقاذ"، الصحفي محمد بركات، على أن دعوات حزب الله لأبناء الجنوب، تمثل "زجاً لهم في أتون الموت".

ويؤكد بركات (ابن بلدة رب الثلاثين الحدودية) في حديث لموقع "الحرة" على أن "هذه الدعوات تستهين بدماء الناس دون أي جدوى. 

"نحن أمام حرب كبرى في المنطقة، والرد عليها لا يكون بدفع الناس إلى مواجهات تؤدي إلى مجازر، كما حدث يومي الأحد والاثنين الماضيين"، يقول بركات.

وشهد يوم الأحد سقوط 24 قتيلاً و134 جريحاً، و الاثنين، سقط قتيلان وأُصيب 26 شخصاً، بينما أُصيب 8 أشخاص يوم الثلاثاء، و8 آخرون يوم الأربعاء، بالإضافة إلى اعتقال عدد من المشاركين على يد القوات الإسرائيلية.

كما يعترض بركات على استخدام مصطلح "الزحف" في الدعوات، موضحاً أن "كلمة الزحف تستخدم للحيوانات التي تزحف وتسمى زواحف. أما نحن، بشر لنا كرامتنا، ومن حقنا أن نعود إلى قرانا سيراً على الأقدام ورؤوسنا مرفوعة، بالإضافة إلى أن قرانا ليست حافة أمامية كما يشار في الدعوات، بل اسمها الحدود الجنوبية للبنان".

أما الصحفي حسن عباس، (ابن بلدة عيترون الحدودية) فيرى أن للمشهد الذي رسم في جنوب لبنان في الأيام الأخيرة بُعدَيْن "البعد الأول هو أن معظم أبناء بلدات وقرى جنوب لبنان الحدودية هجّروا من منازلهم منذ الأسبوع الأول الذي تلا السابع من أكتوبر 2023، بعدما ارتأى حزب الله أنه قادر على "مشاغلة" إسرائيل ومساندة غزة، أي منذ أكثر من 15 شهراً".

هؤلاء، كما يقول عباس لموقع "الحرة"، "شرّدوا من منازلهم، ومنعوا من العودة إليها رغم التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين إسرائيل وحزب الله، وعلى أساس أن هذا القيد سيزول بعد ستين يوماً من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، وتسلُّم الجيش اللبناني المواقع التي تحتلها إسرائيل، وعندما أتى اليوم الموعود حصل تسويف سببه أن إسرائيل تريد تمديد المهلة".

ويتابع "مئات من أبناء هذه المناطق استجابوا لدعوات للتجمّع في نقاط محددة للدخول إلى بلداتهم وقراهم، كما فعلوا بعد انتهاء حرب يوليو 2006، لأنهم قلقون من سيناريو بقاء القوات الإسرائيلية في أرضهم، وبالفعل نجحوا في الدخول إلى مجموعة واسعة من المناطق التي كان الاقتراب منها ممنوعاً، فيما بقيت بضع بلدات محتلّة وممنوع الدخول إليها".

ولكن هناك بعد آخر يأتي في الخلفية، كما يقول عباس "فعلى مجموعات واتساب تضم جنوبيين، نشرت دعوات التجمّع بداية، كان واضحاً وجود جهة تنسّق كل هذه الدعوات، هي حزب الله، رغم تنصّله من الوقوف وراء ما جرى، لأنه كان بحاجة إلى المشهد الجنوبي لأسباب عدّة".

التفاف على الاتفاق؟

دعوة حزب الله للأهالي مجدداً للدخول إلى القرى الأمامية في جنوب لبنان، يوم الأحد القادم، تعد كما يقول الأمين "محاولة لتثبيت حضور حزبي، لا يحظى بشرعية الاتفاق الذي وافق عليه بين اسرائيل ولبنان، والذي حدد سبل تنفيذ القرار 1701 بحلته الجديدة".

ويعتبر الأمين أن "حزب الله يحاول، بأسلوبه، الالتفاف على هذا الاتفاق، حتى لو كان ذلك على حساب دور الجيش اللبناني والدولة التي يعمل على ترسيخ فكرة عجزها وعدم قدرتها على تقديم الضمانات، مدعياً أنه الجهة الوحيدة القادرة على توفير ذلك كما كان الحال قبل حرب الإسناد".

كذلك يقول عباس "حزب الله مُحرَج جداً بعد الهزيمة العسكرية التي تعرّض لها، ولأنه جرّ الاحتلال الإسرائيلي مجدداً إلى جنوب لبنان بسوء تقديره، ويحتاج سريعاً إلى خروج القوات الإسرائيلية كي لا تتعمم هذه السردية بين الجنوبيين أكثر فيفقد تأييد غالبيتهم، ولأنه غير قادر على الدخول في جولة حربية ثانية لم يجد أمامه سوى دفع المدنيين لتصليح ما خرّبه".

من ناحية ثانية، يريد هذا الحزب كما يقول عباس "تعميم مقولة أنه قاد تحرير الجنوب عندما فشلت ديبلوماسية المؤسسات اللبنانية الرسمية والجيش اللبناني في ذلك، لغرض إعادة إحياء مقولة "جيش وشعب ومقاومة" التي تمنحه شرعية عوضاً عن سحب سلاحه كما ينص اتفاق وقف النار وقراريْ مجلس الأمن رقم 1701 و1959. كذلك، يطمح حزب الله إلى استخدام نجاح التحركات الشعبية جنوباً لاستعادة هيبته وحضوره في المشهد السياسي اللبناني العام وامتلاك أوراق قوة يمكن استخدامها في التجاذبات الحاصلة حالياً حول تشكيل الحكومة".

ويضيف "حسب متابعتي، ما يجري يحظى بدعم غالبية اللبنانيين الشيعة، أو الأصح برضا هذه الغالبية عنه، لأنهم ينظرون إليه كعمل هادف إلى تحرير بلداتهم وقراهم المحتلة، وإن كان كثيرون يرفضون المشاركة في التحركات لعدم تعريض أنفسهم للخطر، مع وجود فئة ترفض التحركات من الأساس لأنها تعرّض المشاركين للخطر".

نحو تصعيد أوسع؟

يمكن تفسير سلوكيات حزب الله في الميدان، "المتمثلة في إظهاره أنه المقرر والأقوى، واستعراض أنصاره الاستفزازي في شوارع بيروت وغيرها من مظاهر التمرد، على سلطة الدولة والجيش"، وفق ما يقوله الأمين.

ويردف قائلا إن عدم قدرة قادة الحزب على "تقبل فكرة الخضوع لقواعد جديدة تقيّد تحركاتهم، وتحدّ من نفوذهم وأدوارهم التي كانت محسومة في لبنان وسوريا، كل ذلك يصعب تقبله داخل بنية حزبية تعتمد على خطاب أيديولوجي وتعتبر سلاحها مقدساً ومنذوراً لأداء مهمة إلهية".

وعن الخشية من أن تؤدي تحركات الأهالي إلى تصعيد أمني مع إسرائيل يجيب الأمين "هذه المغامرة التي يخوضها حزب الله سوف تدفع الأمور نحو تصعيد إسرائيلي إذا استمر في سلوكه الحالي، الذي يعكس حالة من الردة على الاتفاق الذي يلغي وجوده العسكري والأمني بعدما كان الآمر الناهي".

أما عباس فيقول "بتقديري لن تؤدي هذه التحركات إلى تصعيد مع إسرائيل، ولكن قد تؤدي إلى إزهاق أرواح المزيد من المدنيين، وأخشى أن يكونوا كثيرين".

ويشرح "ما يمكن أن يؤدي إلى جولة حربية جديدة هو انتشاء حزب الله بأي إنجاز قد يتحقق، بذراع المدنيين لا بذراعه، ونسبته إلى نفسه وإلى حُسن إدارته للصراع، ما قد يدفعه إلى استخدام المدنيين لاحقاً في محاولة لمنع تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية عبر منع الجيش اللبناني من تنفيذ المهمة الموكلة إليه والقاضية بتفكيك بنية حزب الله العسكرية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني".

واليوم الجمعة، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، خلال لقائه وزير الخارجية المصري الدكتور بدر أحمد عبد العاطي، في قصر بعبدا، أن "لبنان متمسك بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال الحرب الأخيرة ضمن المهلة المحددة في 18 فبراير المقبل"، معتبراً أن لبنان "يرفض المماطلة في الانسحاب تحت أي ذريعة كانت".

وكان عون دعا أهالي جنوب لبنان، يوم الأحد الماضي، إلى "ضبط النفس والثقة بالقوات المسلحة اللبنانية"، مؤكداً "حرصها على حماية سيادة لبنان وأمنه، وتأمين عودة آمنة إلى منازلهم وبلداتهم".

وقال عون في بيان إن "سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة"، مشيراً إلى أنه "يتابع هذه القضية على أعلى المستويات".

أعمق من المشهد الظاهر

دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من جنوب لبنان يجب أن يتم كما يقول بركات "عبر الدولة اللبنانية، من خلال تشكيل حكومة تفاوض من أجل ذلك، وكذلك عبر تنفيذ القرار 1701، فلا يمكن أن يكون الحل بفتح الباب أمام إسرائيل لتكرر في لبنان ما ارتكبته في غزة".

أما عباس فيرى أن تحركات الأهالي "تشكل ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها أي دبلوماسية لبنانية ذكية في حث الدول الكبرى على الضغط على إسرائيل لتنسحب من النقاط التي لا تزال متمركزة فيها. ولو كنت أتمنى لو استخدمت وسائل أخرى لا تعرّض المدنيين للخطر".

أما اعتبار أن هذه التحركات لوحدها تمتلك القدرة على دفع القوات الإسرائيلية التي لا تزال متمركزة في جنوب لبنان للانسحاب، فهذا برأيه "طموح غير واقعي"، يؤكد عباس.

ويشرح "رغم إنجاز التحركات المتمثل بدخول المدنيين إلى بلدات وقرى كانوا ممنوعين من دخولها إلا أن هذه المناطق كانت خالية من القوات الإسرائيلية، والقوات الإسرائيلية التي لا تزال متمركزة في الجنوب لم تنسحب بعد من أي موقع بسبب التحركات التي جرت".

ويرى عباس أن الحل يكمن في "إسراع الجيش اللبناني في تنفيذ المهمة المنوطة به، أي تفكيك بنية حزب الله العسكرية الواقعة في منطقة جنوب الليطاني"، وإذا لم ينسحب الجيش الإسرائيلي، لا بد كما يقول من "الضغط الدولي على إسرائيل وهذا يتطلب قيام لبنان الرسمي بخطوات لبنانية مطمئنة للمجتمع الدولي ولمصالحه، وجزء من هذه الخطوات هي تطبيق القرار 1701، يعني ندور في نفس الدائرة تقريباً".

والأهم كما يقول "كيف كان ممكناً عدم تعريض الجنوب للاحتلال مجدداً، وكلنا نعرف الجواب؛ وكيف سيكون ممكناً ألا نعرّض الجنوب للاحتلال مرة أخرى في المستقبل، وهنا نعرف أن جزءاً من الجواب هو عدم السماح بتحويله مجدداً إلى ساحة لخدمة مصالح غير لبنانية".

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".