موقع عسكري إسرائيلي في بلدة حولا جنوبي لبنان - رويترز

بعد أسابيع على موافقة حزب الله على اتفاق وقف إطلاق النار، تبنّى الحزب استراتيجية جديدة، تمثّلت في استبدال لجوئه إلى السلاح التقليدي بما أطلق عليه البعض "سلاحاً بشرياً".

استراتيجية الحزب المصنف جماعة إرهابية بدأت مع انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق الذي وصفه لبنانيون بأنه "اتفاق استسلام" بسبب تضمّنه بنداً يقضي بتسليم سلاحه تدريجياً بدءاً من مناطق جنوب الليطاني وانسحاب عناصره من المنطقة.

وتجسدت استراتيجية "السلاح البشري" بدفع أبناء الجنوب اللبناني العزّل إلى مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

وتجاهل حزب الله التزاماته الواردة في اتفاق الهدنة، وهدد قبل انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها الاتفاق بالتصعيد إذا لم تنسحب القوات الإسرائيلي من جنوب لبنان في الموعد المحدد.

وبدأ بتنفيذ وعيده منذ اليوم الأول، حيث أرسل المدنيين يوم الأحد الماضي إلى بلداتهم بهدف الضغط على الجيش الإسرائيلي للانسحاب منها.

ورغم سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى وتمديد الهدنة حتى 18 فبراير، يواصل الحزب دعواته لما يصفه بـ"الزحف" نحو القرى الحدودية، حيث حدد موعداً جديداً لذلك يوم الأحد المقبل.

دعوات حزب الله تثير رفضاً داخل البيئة الشيعية نفسها، حيث ينتقد معارضون للحزب استغلاله للمواطنين وزجّهم في مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وتعريض حياتهم للخطر.

زج في أتون الموت؟

إذا كان هاجس أبناء القرى المدمرة جنوب لبنان هو العودة إلى قراهم، كما يقول رئيس تحرير موقع "جنوبية"، الصحفي علي الأمين، إلا أن ما يفعله حزب الله وفق قوله "هو قلب الأولويات، من أولوية العودة وإعادة الإعمار إلى خلق توترات تهدف إلى التخفيف من حالة الشكوى المتزايدة بسبب البطء أو عدم الاستجابة لتحديات الإعمار".

ويضيف الأمين، في حديث لموقع "الحرة"، "يبدو أن حزب الله يمر بوضع ملتبس يثير حالة من الإرباك في تعامله مع الوقائع السياسية والعسكرية الصادمة له ولبيئته في لبنان وبالتحديد في جنوبه. ويعود هذا الالتباس والارباك إلى أن بنية الحزب تعرضت لضربات قاتلة على مستوى قياداته الفعلية، عسكرياً، أمنياً أو سياسياً، خلال حرب الإسناد. هذه الخسائر أفقدت الحزب القدرة على اتخاذ القرار وضمان الالتزام به داخل صفوفه، ولا يبدو أن القيادة الجديدة قادرة على الإمساك بزمام الأمور".

من جانبه، يشدد مدير تحرير موقع "أساس ميديا" عضو مبادرة "نحو الإنقاذ"، الصحفي محمد بركات، على أن دعوات حزب الله لأبناء الجنوب، تمثل "زجاً لهم في أتون الموت".

ويؤكد بركات (ابن بلدة رب الثلاثين الحدودية) في حديث لموقع "الحرة" على أن "هذه الدعوات تستهين بدماء الناس دون أي جدوى. 

"نحن أمام حرب كبرى في المنطقة، والرد عليها لا يكون بدفع الناس إلى مواجهات تؤدي إلى مجازر، كما حدث يومي الأحد والاثنين الماضيين"، يقول بركات.

وشهد يوم الأحد سقوط 24 قتيلاً و134 جريحاً، و الاثنين، سقط قتيلان وأُصيب 26 شخصاً، بينما أُصيب 8 أشخاص يوم الثلاثاء، و8 آخرون يوم الأربعاء، بالإضافة إلى اعتقال عدد من المشاركين على يد القوات الإسرائيلية.

كما يعترض بركات على استخدام مصطلح "الزحف" في الدعوات، موضحاً أن "كلمة الزحف تستخدم للحيوانات التي تزحف وتسمى زواحف. أما نحن، بشر لنا كرامتنا، ومن حقنا أن نعود إلى قرانا سيراً على الأقدام ورؤوسنا مرفوعة، بالإضافة إلى أن قرانا ليست حافة أمامية كما يشار في الدعوات، بل اسمها الحدود الجنوبية للبنان".

أما الصحفي حسن عباس، (ابن بلدة عيترون الحدودية) فيرى أن للمشهد الذي رسم في جنوب لبنان في الأيام الأخيرة بُعدَيْن "البعد الأول هو أن معظم أبناء بلدات وقرى جنوب لبنان الحدودية هجّروا من منازلهم منذ الأسبوع الأول الذي تلا السابع من أكتوبر 2023، بعدما ارتأى حزب الله أنه قادر على "مشاغلة" إسرائيل ومساندة غزة، أي منذ أكثر من 15 شهراً".

هؤلاء، كما يقول عباس لموقع "الحرة"، "شرّدوا من منازلهم، ومنعوا من العودة إليها رغم التوصل إلى اتفاق لوقف النار بين إسرائيل وحزب الله، وعلى أساس أن هذا القيد سيزول بعد ستين يوماً من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، وتسلُّم الجيش اللبناني المواقع التي تحتلها إسرائيل، وعندما أتى اليوم الموعود حصل تسويف سببه أن إسرائيل تريد تمديد المهلة".

ويتابع "مئات من أبناء هذه المناطق استجابوا لدعوات للتجمّع في نقاط محددة للدخول إلى بلداتهم وقراهم، كما فعلوا بعد انتهاء حرب يوليو 2006، لأنهم قلقون من سيناريو بقاء القوات الإسرائيلية في أرضهم، وبالفعل نجحوا في الدخول إلى مجموعة واسعة من المناطق التي كان الاقتراب منها ممنوعاً، فيما بقيت بضع بلدات محتلّة وممنوع الدخول إليها".

ولكن هناك بعد آخر يأتي في الخلفية، كما يقول عباس "فعلى مجموعات واتساب تضم جنوبيين، نشرت دعوات التجمّع بداية، كان واضحاً وجود جهة تنسّق كل هذه الدعوات، هي حزب الله، رغم تنصّله من الوقوف وراء ما جرى، لأنه كان بحاجة إلى المشهد الجنوبي لأسباب عدّة".

التفاف على الاتفاق؟

دعوة حزب الله للأهالي مجدداً للدخول إلى القرى الأمامية في جنوب لبنان، يوم الأحد القادم، تعد كما يقول الأمين "محاولة لتثبيت حضور حزبي، لا يحظى بشرعية الاتفاق الذي وافق عليه بين اسرائيل ولبنان، والذي حدد سبل تنفيذ القرار 1701 بحلته الجديدة".

ويعتبر الأمين أن "حزب الله يحاول، بأسلوبه، الالتفاف على هذا الاتفاق، حتى لو كان ذلك على حساب دور الجيش اللبناني والدولة التي يعمل على ترسيخ فكرة عجزها وعدم قدرتها على تقديم الضمانات، مدعياً أنه الجهة الوحيدة القادرة على توفير ذلك كما كان الحال قبل حرب الإسناد".

كذلك يقول عباس "حزب الله مُحرَج جداً بعد الهزيمة العسكرية التي تعرّض لها، ولأنه جرّ الاحتلال الإسرائيلي مجدداً إلى جنوب لبنان بسوء تقديره، ويحتاج سريعاً إلى خروج القوات الإسرائيلية كي لا تتعمم هذه السردية بين الجنوبيين أكثر فيفقد تأييد غالبيتهم، ولأنه غير قادر على الدخول في جولة حربية ثانية لم يجد أمامه سوى دفع المدنيين لتصليح ما خرّبه".

من ناحية ثانية، يريد هذا الحزب كما يقول عباس "تعميم مقولة أنه قاد تحرير الجنوب عندما فشلت ديبلوماسية المؤسسات اللبنانية الرسمية والجيش اللبناني في ذلك، لغرض إعادة إحياء مقولة "جيش وشعب ومقاومة" التي تمنحه شرعية عوضاً عن سحب سلاحه كما ينص اتفاق وقف النار وقراريْ مجلس الأمن رقم 1701 و1959. كذلك، يطمح حزب الله إلى استخدام نجاح التحركات الشعبية جنوباً لاستعادة هيبته وحضوره في المشهد السياسي اللبناني العام وامتلاك أوراق قوة يمكن استخدامها في التجاذبات الحاصلة حالياً حول تشكيل الحكومة".

ويضيف "حسب متابعتي، ما يجري يحظى بدعم غالبية اللبنانيين الشيعة، أو الأصح برضا هذه الغالبية عنه، لأنهم ينظرون إليه كعمل هادف إلى تحرير بلداتهم وقراهم المحتلة، وإن كان كثيرون يرفضون المشاركة في التحركات لعدم تعريض أنفسهم للخطر، مع وجود فئة ترفض التحركات من الأساس لأنها تعرّض المشاركين للخطر".

نحو تصعيد أوسع؟

يمكن تفسير سلوكيات حزب الله في الميدان، "المتمثلة في إظهاره أنه المقرر والأقوى، واستعراض أنصاره الاستفزازي في شوارع بيروت وغيرها من مظاهر التمرد، على سلطة الدولة والجيش"، وفق ما يقوله الأمين.

ويردف قائلا إن عدم قدرة قادة الحزب على "تقبل فكرة الخضوع لقواعد جديدة تقيّد تحركاتهم، وتحدّ من نفوذهم وأدوارهم التي كانت محسومة في لبنان وسوريا، كل ذلك يصعب تقبله داخل بنية حزبية تعتمد على خطاب أيديولوجي وتعتبر سلاحها مقدساً ومنذوراً لأداء مهمة إلهية".

وعن الخشية من أن تؤدي تحركات الأهالي إلى تصعيد أمني مع إسرائيل يجيب الأمين "هذه المغامرة التي يخوضها حزب الله سوف تدفع الأمور نحو تصعيد إسرائيلي إذا استمر في سلوكه الحالي، الذي يعكس حالة من الردة على الاتفاق الذي يلغي وجوده العسكري والأمني بعدما كان الآمر الناهي".

أما عباس فيقول "بتقديري لن تؤدي هذه التحركات إلى تصعيد مع إسرائيل، ولكن قد تؤدي إلى إزهاق أرواح المزيد من المدنيين، وأخشى أن يكونوا كثيرين".

ويشرح "ما يمكن أن يؤدي إلى جولة حربية جديدة هو انتشاء حزب الله بأي إنجاز قد يتحقق، بذراع المدنيين لا بذراعه، ونسبته إلى نفسه وإلى حُسن إدارته للصراع، ما قد يدفعه إلى استخدام المدنيين لاحقاً في محاولة لمنع تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية عبر منع الجيش اللبناني من تنفيذ المهمة الموكلة إليه والقاضية بتفكيك بنية حزب الله العسكرية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني".

واليوم الجمعة، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، خلال لقائه وزير الخارجية المصري الدكتور بدر أحمد عبد العاطي، في قصر بعبدا، أن "لبنان متمسك بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال الحرب الأخيرة ضمن المهلة المحددة في 18 فبراير المقبل"، معتبراً أن لبنان "يرفض المماطلة في الانسحاب تحت أي ذريعة كانت".

وكان عون دعا أهالي جنوب لبنان، يوم الأحد الماضي، إلى "ضبط النفس والثقة بالقوات المسلحة اللبنانية"، مؤكداً "حرصها على حماية سيادة لبنان وأمنه، وتأمين عودة آمنة إلى منازلهم وبلداتهم".

وقال عون في بيان إن "سيادة لبنان ووحدة أراضيه غير قابلة للمساومة"، مشيراً إلى أنه "يتابع هذه القضية على أعلى المستويات".

أعمق من المشهد الظاهر

دفع القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من جنوب لبنان يجب أن يتم كما يقول بركات "عبر الدولة اللبنانية، من خلال تشكيل حكومة تفاوض من أجل ذلك، وكذلك عبر تنفيذ القرار 1701، فلا يمكن أن يكون الحل بفتح الباب أمام إسرائيل لتكرر في لبنان ما ارتكبته في غزة".

أما عباس فيرى أن تحركات الأهالي "تشكل ورقة ضغط يمكن أن تستخدمها أي دبلوماسية لبنانية ذكية في حث الدول الكبرى على الضغط على إسرائيل لتنسحب من النقاط التي لا تزال متمركزة فيها. ولو كنت أتمنى لو استخدمت وسائل أخرى لا تعرّض المدنيين للخطر".

أما اعتبار أن هذه التحركات لوحدها تمتلك القدرة على دفع القوات الإسرائيلية التي لا تزال متمركزة في جنوب لبنان للانسحاب، فهذا برأيه "طموح غير واقعي"، يؤكد عباس.

ويشرح "رغم إنجاز التحركات المتمثل بدخول المدنيين إلى بلدات وقرى كانوا ممنوعين من دخولها إلا أن هذه المناطق كانت خالية من القوات الإسرائيلية، والقوات الإسرائيلية التي لا تزال متمركزة في الجنوب لم تنسحب بعد من أي موقع بسبب التحركات التي جرت".

ويرى عباس أن الحل يكمن في "إسراع الجيش اللبناني في تنفيذ المهمة المنوطة به، أي تفكيك بنية حزب الله العسكرية الواقعة في منطقة جنوب الليطاني"، وإذا لم ينسحب الجيش الإسرائيلي، لا بد كما يقول من "الضغط الدولي على إسرائيل وهذا يتطلب قيام لبنان الرسمي بخطوات لبنانية مطمئنة للمجتمع الدولي ولمصالحه، وجزء من هذه الخطوات هي تطبيق القرار 1701، يعني ندور في نفس الدائرة تقريباً".

والأهم كما يقول "كيف كان ممكناً عدم تعريض الجنوب للاحتلال مجدداً، وكلنا نعرف الجواب؛ وكيف سيكون ممكناً ألا نعرّض الجنوب للاحتلال مرة أخرى في المستقبل، وهنا نعرف أن جزءاً من الجواب هو عدم السماح بتحويله مجدداً إلى ساحة لخدمة مصالح غير لبنانية".

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".