الجيش الإسرائيلي ضبط أسلحة وذخائر ودمر مواقع وأنفاق لحزب الله في جنوب لبنان.
الجيش الإسرائيلي ضبط أسلحة وذخائر ودمر مواقع وأنفاق لحزب الله في جنوب لبنان - فرانس برس

يسعى حزب الله إلى الترويج لما يصفه بـ"انتصار جديد" على الجيش الإسرائيلي، عقب انسحاب القوات الإسرائيلية من عدد من البلدات الجنوبية في لبنان، إثر عودة السكان إليها بدفعٍ من الحزب، جاء ذلك بعد انتهاء مهلة اتفاق وقف إطلاق النار في 26 يناير، الذي تم تمديده لاحقاً حتى 18 فبراير.

في هذا السياق، أعلن وزير العمل مصطفى بيرم، المحسوب على حزب الله المصنف جماعة إرهابية، عن هذا "الانتصار" عبر تغريدة نشرها في اليوم ذاته على منصة "إكس"، ادعى فيها أن الحزب "هزم دبابات إسرائيل بعباءة نسائه"، مرفقاً تغريدته بصورة تظهر امرأة ترتدي عباءة وهي تقف بجوار دبابة إسرائيلية.

لكن الواقع على الأرض يؤكد أن عدداً كبيراً من البلدات الجنوبية لم يتمكن الأهالي من دخولها كما حال، العديسة، مركبا، رب ثلاثين، حولا، كفركلا، وغيرها. 

وهناك بلدات دخلها الأهالي بمواكبة الجيش اللبناني كعيترون، ومع ذلك نفذ الجيش الإسرائيلي سلسلة تفجيرات فيها أمس الثلاثاء أدت إلى تسوية عدد من المنازل بالأرض.

بين ما يحدث فعلياً في جنوب لبنان، وما يروّج له حزب الله، يثار تساؤل حول ما إذا كان انسحاب الجيش الإسرائيلي من بعض البلدات الجنوبية قد جاء فعلاً نتيجة لضغط الأهالي، أم أن هذه المناطق لا تشكل أهمية استراتيجية لإسرائيل؟

بين الحق.. وورقة الضغط

خلال هدنة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار قبل تمديده، وجد حزب الله نفسه في "موقف حرج"، وفقاً لوصف الناشط السياسي الجنوبي، حاتم حلاوي. 

وقال حلاوي، لموقع "الحرة"، "الحزب عالق بين فكي كماشة، من جهة بيئته التي تطالبه بتوضيح فحوى اتفاق "الهزيمة" ومن جهة أخرى معارضيه الذين يحمّلونه مسؤولية الحرب ونتائجها".

وأضاف: "لا يستطيع الحزب القيام بعمل عسكري تكون نتيجته كوارث اضافية ولا يستطيع السكوت محرجاً أمام الجميع، فوجد الحل الأمثل، بدخول الأهالي إلى أرضهم بعدما وجد رغبة من بيئته رفدها بـ "تكليف شرعي"، ورغم الخسائر المتوقعة بالأرواح كان هذا حل حزب الله الأقل كلفة للحفاظ على حد أدنى من ماء الوجه".

وأكد العميد المتقاعد جورج نادر على ضرورة التفريق "بين رغبة الأهالي بالعودة إلى أرضهم وحقهم القانوني والإنساني في ذلك، وبين ما وصفه بمحاولات حزب الله لاستغلال هذه العودة لافتعال مواجهة مع إسرائيل".

وقال نادر، لموقع "الحرة"، “من حق الأهالي العودة إلى منازلهم، وهذا حق مشروع وإنساني. لكن السؤال هنا: هل هذه العودة جاءت بقرار ذاتي منهم أم أنها كانت نتيجة تنظيم ودفع من حزب الله؟ بالتأكيد، حزب الله هو الذي نظم ودفع الأهالي لمواجهة الإسرائيليين، ما أدى إلى مقتل 26 شخصاً وإصابة 126 آخرين في اليوم الأول من العودة."

وأضاف: "الخيار العسكري لم يعد متاحاً أمام حزب الله الذي وجد نفسه معزول إقليمياً ودولياً، ولا يملك حليفاً داخلياً، لذلك لجأ إلى دفع الأهالي إلى مواجهة غير متكافئة، ما تسبب بمأساة إنسانية."

ومع ذلك، أشار إلى أن "دخول الأهالي إلى بلداتهم بمواكبة الجيش اللبناني أثبت أنه الحل الأكثر أماناً، حيث تم تأمين المنطقة من الألغام والقنابل غير المنفجرة لضمان سلامتهم. الجيش اللبناني يمثل الشرعية الوطنية، على عكس حزب الله الذي يعتبر جماعة مسلحة غير شرعية."

ويواصل الجيش اللبناني انتشاره في المناطق الحدودية التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، بالتنسيق مع اللجنة الخماسية المشرفة على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

 ويصدر الجيش بيانات دورية يعلن فيها عن البلدات التي يدخلها، داعياً المواطنين إلى الالتزام بتوجيهاته والتقيد بإرشادات الوحدات العسكرية المنتشرة، مع ضرورة التنسيق مع السلطات المحلية، حفاظاً على سلامتهم وأرواحهم.

وانتقد الناشط السياسي الجنوبي، فاروق يعقوب، دعوات حزب الله للأهالي بالعودة إلى بلداتهم، مشيراً إلى أنها جاءت رغم تحذيرات الجيش اللبناني من خطورة الدخول إلى هذه المناطق. 

وقال يعقوب، لموقع الحرة، "هذه الخطوة كانت محاولة من حزب الله لتحسين صورته وتخفيف الضغوط التي يواجهها، لكنها أسفرت عن مقتل 26 شخصاً في اليوم الأول، وهو ما كان يمكن تفاديه".

ولفت الانتباه إلى غياب العلم اللبناني خلال عودة الأهالي إلى بلداتهم، مشيراً إلى أن رفع الأعلام الحزبية فقط يثير تساؤلات حول طبيعة هذه التحركات والجهات التي تقف خلفها. 

وقال "حتى لو كان الأهالي مجروحين، فإن من يستطيع حمل علم حزبي قادر على حمل علم لبنان أيضاً".

القيمة الاستراتيجية

القرى التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي، وفقاً لرئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، "لا تحمل أي أهمية استراتيجية بسبب طبيعتها الجغرافية المنخفضة، بينما احتفظ الجيش الإسرائيلي بمواقعه في قرى مثل كفركلا والعديسة ومارون الرأس ذات الطبيعة المرتفعة". 

وقال جابر، لموقع الحرة، إن الجيش الإسرائيلي "يتمسك بالبقاء في مواقع مثل تلة الحمامص وتلة العويضة نظراً لموقعهما المرتفع وإشرافهما على المناطق المحيطة، وكونهما غير مأهولتين".

Residents of the southern Lebanese village of Khiam wave Hezbollah flags as they walk beneath a portrait of slain Hezbollah…
لبنانيو الجنوب بقلب التصعيد.. حزب الله يدفع أنصاره نحو "خط النار"
ترجم حزب الله التصعيد الذي هدد به في حال لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي نص عليها اتفاق وقف النار، من خلال حث أهالي الجنوب اللبناني على التوجه إلى البلدات الحدودية، غير مكترث بالمخاطر التي قد تترتب على تعريضهم لخطر مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي.

وأشار إلى أن الجيش الإسرائيلي لجأ إلى تدمير بعض القرى بالكامل لمنع عودة سكانها، مثل "أجزاء من يارون وميس الجبل، لكن الأهالي ما زالوا يحاولون العودة إليها".

ورغم ذلك رأى أن "الانسحابات الإسرائيلية الأخيرة من جنوب لبنان ما كانت لتتحقق لولا إصرار الأهالي على العودة إلى قراهم، ومواكبة الجيش اللبناني لتحركاتهم". 

وأوضح أن "القرى التي لم ينسحب منها الجيش الإسرائيلي بعد تتطلب إما استمرار الضغط الشعبي المنظم بمساندة الجيش اللبناني، أو انتظار نتائج المفاوضات الدبلوماسية، باعتبار ذلك حقاً للأهالي وواجباً على الجيش".

من جهة أخرى، أكد نادر أن "إسرائيل لا تزال تحتفظ ببعض النقاط الاستراتيجية في الجنوب التي تعتبرها محاور تقدم نحو المستوطنات الشمالية، وهو ما يشكل أولوية لإسرائيل بهدف طمأنة مستوطنيها وإعادتهم إلى مناطقهم. لذا، لن تنسحب منها قبل أن ينفذ لبنان التزاماته الدولية".

أما يعقوب، فأشار إلى أن "الأهالي لم يتمكنوا من دخول أي بلدة استراتيجية تحت سيطرة القوات الإسرائيلية التي ترفض الانسحاب منها". 

وأوضح أن "الحضور الشعبي الذي شهدته بعض البلدات كان مدفوعاً بالعاطفة، خصوصاً من عائلات القتلى، ما خلق لحظة إنسانية مؤثرة. ورغم أن عودتهم مطلب مشروع وحق طبيعي، فإن حزب الله استغلها".

وفي المقابل، رأى حلاوي أنه "في ظل التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، لم يعد هناك فرق يذكر بين ما يسمى بلدات استراتيجية وغير استراتيجية. أعتقد أن بقاء إسرائيل بعد انتهاء الـ 60 يوماً يهدف الى محاكاة الداخل لإقناع الجمهور بأن ما حدث هو نصر كامل (بغض النظر إذا كان كذلك أو لا) بالتالي هو رسالة للجميع بأن إسرائيل هي صاحبة الكلمة الأخيرة في ظل التفوق العسكري الذي كرّسته في الحرب".

وأضاف "إذا ما وضعنا الخسائر البشرية المحزنة جانباً، قد يكون هذا أذكى ما فعله حزب الله منذ 8 أكتوبر تاريخ أغبى قرار اتخذه حزب الله في جميع حروبه، فقد سجّل إنجازاً إعلامياً، لا أعلم ما إذا كان ذلك نتيجة عمل متعمد أو سوء تقدير من إسرائيل".

يذكر أن الجيش الإسرائيلي يواصل إصدار بيانات تحذيرية، تدعو إلى تجنب التحرك في مناطق معينة جنوب لبنان حتى إشعار آخر. 

وشدد على أن أي شخص يتحرك جنوباً يعرض نفسه للخطر، وأكد في بياناته أنه سيقوم بإبلاغ السكان بالمناطق التي يمكنهم العودة إليها بأمان.

وفي 2 فبراير، كرر الجيش الإسرائيلي أنه ينفذ عملية "إعادة انتشار"، موضحاً أن" هذه الخطوة تأتي في إطار اتفاق وقف إطلاق النار، بهدف تمكين الجيش اللبناني من الانتشار تدريجياً في المنطقة الحدودية، والعمل على تفكيك وإبعاد حزب الله الإرهابي وعناصره وبنيته التحتية من جنوب لبنان".

وأشار بيان الجيش الإسرائيلي إلى أن العملية تتم بشكل تدريجي، مؤكداً الحاجة إلى مزيد من الوقت في بعض المناطق لضمان عدم عودة حزب الله لترسيخ وجوده.

مسار المواجهة

مواجهة الجيش الإسرائيلي لا يمكن أن تتم بهذه الطريقة، كما شدد يعقوب، لافتاً إلى أن "القوات الإسرائيلية أطلقت النار على الأهالي دون تردد. يجب أن تكون عودة الأهالي إلى بلداتهم آمنة، مصحوبة بخطط لإعادة الإعمار وتوفير الخدمات الأساسية لضمان استقرارهم، بدلاً من تعريضهم لمخاطر غير محسوبة. المشكلة ليست في الأهالي، بل في استغلال حزب الله لمعاناتهم".

وأكد يعقوب أن "انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان لن يتم إلا بقرار إسرائيلي، بعد تنفيذ لبنان التزاماته بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي وقع عليه".

وقال نادر إن "إسرائيل تعتبر أن لبنان لم ينفذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار، خاصة فيما يتعلق بتفكيك البنية التحتية للجماعات المسلحة بدءاً من جنوب الليطاني، وهو ما لم يحدث فعلاً. القرار 1701 واضح في هذا الشأن، ويتطلب أيضاً تطبيق القرار 1559 الذي ينص على حل وتسليم سلاح جميع المجموعات المسلحة غير الشرعية، وكذلك القرار 1680 الذي يفرض مراقبة المداخل البرية والبحرية والجوية لمنع تهريب الأسلحة والأشخاص لأي مجموعة مسلحة غير شرعية".

وطالب نادر حزب الله بتسليم سلاحه للجيش اللبناني والعمل كحزب سياسي، قائلاً "السلاح الذي كان يدعي الحزب أنه يحمي الشعب اللبناني، جلب الدمار إلى لبنان. الخيارات العسكرية أمام الحزب انتهت، وحان الوقت لتسليم السلاح والعمل في السياسة فقط، فهذا هو الحل الأمثل".

أما حلاوي فرأى أن "الأمور تتجه نحو انسحاب إسرائيلي تدريجي تحت الضغوط الدولية، خصوصاً من الجانب الفرنسي الذي كرّس نفسه وصياً اقتصادياً على لبنان، وسيترجمه لاحقاً باستثمارات، خاصة بعد حصوله على حقوق في مرفأ بيروت".

وفيما يتعلق بتداعيات بقاء الجيش الإسرائيلي في بعض المواقع بعد 18 فبراير، رأى جابر أن "حزب الله قد يلجأ إلى تنظيم مقاومة محلية تعتمد على شباب المناطق الجنوبية، مستفيداً من معرفتهم الجيدة بالتضاريس، لتنفيذ عمليات تستهدف المواقع الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية"، مؤكدا أن "هذه العمليات تعتبر مقاومة شرعية، لكن التحدي يكمن في رد الفعل الإسرائيلي".

وتساءل جابر عن مدى توسيع الرد الإسرائيلي إذا اقتصر على مناطق جنوب الليطاني، التي يفترض أنها خالية من أسلحة حزب الله الثقيلة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، أم أنه سيتوسع ليشمل شمال الليطاني. 

وأشار إلى أن "أي قصف إسرائيلي شمال الليطاني قد يدفع حزب الله إلى الرد، مما قد يؤدي إلى تصعيد خطير وتوسيع رقعة الصراع"، محذراً من احتمالية أن تتدهور الأوضاع بسرعة إلى مواجهة واسعة النطاق.
 

سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز
سلاح حزب الله إلى أين؟ - رويترز

بعد أن زج حزب الله بلبنان في حرب مدمرة مع إسرائيل، أوقعت ضحايا وخلّفت خراباً واسعاً وفاقمت الانهيار الاقتصادي، برز ملف الاستراتيجية الدفاعية في صدارة المشهد السياسي اللبناني.

وتزامن ذلك مع تصاعد المطالبات الداخلية والدولية بنزع سلاح الحزب وحصر القرار العسكري بيد الدولة اللبنانية، تنفيذاً للقرارات الدولية، وفي مقدمتها القرار 1701.

في هذا السياق، أكد الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في خطاب القسم، عزمه وضع "استراتيجية دفاعية متكاملة على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية". 

أما البيان الوزاري للحكومة، فشدد على ضرورة "حصر السلاح بيد الدولة"، ما يعني إنهاء مظاهر الازدواجية العسكرية التي تعيق قيام الدولة بمسؤولياتها السيادية.

ورغم أن الدعوة إلى وضع استراتيجية دفاعية تحظى بتأييد واسع، فإن التصورات حول مضمونها تبقى متباعدة إلى حد التناقض. 

فبينما يرى البعض أن إشراك سلاح حزب الله في هذه الاستراتيجية يقوض سيادة الدولة ويكرّس واقعاً ميليشيوياً، يشير آخرون إلى تجارب دولية احتوت جماعات مسلّحة ضمن منظومات دفاعية وطنية، غير أن موقف الحزب نفسه لا يزال ثابتاً في رفضه تسليم سلاحه.

فالحزب الذي وافق، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، على سحب سلاحه من جنوب الليطاني، يرفض تسليم ترسانته شمال النهر، ما يثير تساؤلات حول وجهة هذا السلاح وهدفه، خصوصاً في ظل سجل سابق من استخدامه داخلياً، كما حدث في أحداث 7 مايو 2008.

وأعلن النائب عن الحزب حسن فضل الله استعداد حزب الله للدخول في حوار حول الاستراتيجية الدفاعية، لكن هذا الموقف لم يترافق مع أي إشارات إلى نية التخلي عن السلاح.

وهو ما أكده عضو المجلس السياسي للحزب، غالب أبو زينب، بقوله إن "السلاح ليس مطروحاً للنقاش". 

أما الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، فذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن "أي حديث عن حصر السلاح بيد الجيش اللبناني لا يعني سلاح حزب الله"، وذلك في تحدٍّ مباشر لموقف السلطة اللبنانية.

ويبقى السؤال: هل ستكون الاستراتيجية الدفاعية مدخلاً جدياً لسحب سلاح حزب الله، أم ستستخدم كغطاء جديد لتكريس ازدواجية السلاح وتثبيت هيمنة حزب الله داخل مؤسسات الدولة وتحت غطائها؟

نهاية حقبة

وانتهى الدور الذي لعبه سلاح حزب الله في السابق، كما شدد الخبير العسكري والاستراتيجي، العميد المتقاعد ناجي ملاعب.

وأكد أن "المرحلة الحالية تتطلب منح الدولة وقتاً كافياً لترسيخ هذه القناعة داخل البيئة الحاضنة للحزب، تمهيداً لترجمتها عملياً على أرض الواقع".

وقال ملاعب، لموقع "الحرة": "أعتقد أننا بدأنا نلمس هذا التحول في المزاج العام لدى بيئة حزب الله، حيث تنمو القناعة تدريجياً بأن هذا السلاح لم يؤد الدور الذي رُوّج له في السابق".

واعتبر أن هذا التحول يشكل فرصة جدية أمام رئيس الجمهورية والسلطات الرسمية للانتقال من مرحلة التفاهمات الضمنية إلى خطوات عملية واضحة، تستند إلى رؤية وطنية جامعة.

وأضاف "نحن اليوم أمام رئيس جمهورية سبق أن تولى قيادة الجيش لمدة خمس سنوات، وهو يمتلك خبرة عسكرية وأمنية واسعة، داخلياً وخارجياً. وقد أبدى في مختلف تصريحاته تمسكه بالسلم الأهلي، وهو معروف بقدرته على إدارة الأزمات بتوازن، دون أن يترك تداعيات سلبية معقدة، وبالتالي هو يتمتع بالحكمة والخبرة الكافيتين لقيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة، والتعامل مع الملفات الأمنية الحساسة بمسؤولية عالية".

من جهته، أكد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والعلاقات العامة، العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، أن إعداد استراتيجية دفاعية وطنية شاملة لم يعد ترفاً. 

وقال لموقع "الحرة": "منذ سنوات نطالب بوضع استراتيجية دفاعية، ومن غير المفهوم أن الدولة لم تبادر حتى اليوم إلى تشكيل لجنة متخصصة لهذا الغرض، علماً أن إعداد هذه الاستراتيجية لا يحتاج لأكثر من شهر، قبل عرضها على الحكومة ثم مجلس النواب لإقرارها بقانون".

أما القائد السابق لفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر، فرأى في حديث لموقع "الحرة" أن تصريحات رئيس الجمهورية عن "استراتيجية الأمن الوطني" تشير إلى مقاربة أشمل من مجرد استراتيجية دفاعية. 

إذ تشمل وفق نادر "الأمن الداخلي والخارجي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، إلى جانب الأمن العسكري. وبالتالي فإن الاستراتيجية الدفاعية ليست سوى جزء من منظومة الأمن الوطني الشاملة".

بدوره، شدد ملاعب على أن "استراتيجية الأمن الوطني لا يمكن اختزالها بالبعد العسكري، بل تشمل مختلف الأبعاد: الاقتصادية، المالية، الجغرافية، التربوية، وكل ما يشكل مكونات القوة الوطنية. ومن هذه الركائز تُبنى الاستراتيجية الدفاعية لتكون إطاراً شاملاً يحفظ أمن الدولة واستقرارها".

الدمج غير وارد؟

"أي استراتيجية دفاعية لا يمكن أن تستوعب سلاحاً خارج إطار الدولة"، كما رأى نادر، مؤكداً أن "القرار الرسمي اللبناني واضح في هذا السياق، ويقضي بحصر السلاح بيد الجيش اللبناني".

لذلك لا يمكن على الإطلاق كما أكد نادر "إدماج الحزب في استراتيجية الدفاع الوطني، لأن السلاح يجب أن يكون فقط بيد الجيش".

وأردف قائلا: "لا يمكن لمجموعة مسلّحة، ولو كانت مؤلفة على سبيل المثال من خمسة آلاف عنصر، أن تشكّل لواءً خاصاً بها داخل المؤسسة العسكرية وتحتفظ بسلاحها".

واستعاد نادر تجربة توحيد المؤسسة العسكرية بعد الحرب الأهلية، مشيراً إلى أن "الجيش خضع عام 1990 لعملية دمج شاملة، أنهت الانقسامات الطائفية والمناطقية، وأرست أسس مؤسسة وطنية موحدة. اليوم، لم يعد هناك مكان لألوية مذهبية أو فئوية، وأي عودة إلى الوراء ستُقوّض ما تحقق".

لذلك "من يرغب من عناصر الحزب في الدفاع عن لبنان فالباب مفتوح أمامه" كما قال نادر "للتطوع في صفوف القوات المسلحة اللبنانية، وفق الشروط المعتمدة، كما هو الحال مع أي مواطن لبناني آخر".

وأكد نادر أن "الاستراتيجية الدفاعية هي مسؤولية وطنية سيادية، تحدّد من هو العدو، وكيف تتم مواجهته، وبأي وسائل، ولماذا"، مشدداً على أنه "لا يمكن أن تترك هذه المهمة لأي فصيل مسلّح خارج سلطة الدولة".

مقاربة مختلفة

على خلاف نادر، رأى جابر أن الاستراتيجية الدفاعية "يجب أن تقوم على مبدأ أن مسؤولية الدفاع عن الوطن تقع أولاً على عاتق القوى النظامية، أي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بالإضافة إلى قوات احتياط تنظّم ضمن إطار الدولة" وتشمل ما يعرف بـ"القوى شبه النظامية" أو Para-Military Forces.

وأوضح جابر أن "الأحزاب التي تمتلك سلاحاً، ومنها حزب الله، تخضع أسلحتها الثقيلة لإشراف الجيش اللبناني، بحيث تُخزَّن في مستودعات عسكرية، فيما يعود عناصر هذه القوى إلى حياتهم المدنية في الظروف العادية. ويتم تنظيم هذه العملية بشكل لوجستي دقيق، يسمح باستدعاء العناصر خلال 72 ساعة في حال إعلان الطوارئ أو تعرّض البلاد لخطر داهم".

وأضاف "في حالات الطوارئ، يستدعى هؤلاء إلى مراكز محددة من قبل قيادة الجيش، حيث يعاد توزيع السلاح عليهم وفق خطة مُسبقة، تحدد موقع كل عنصر ودوره ووقت تدخله، على أن تتم العملية تحت إشراف السلطة العسكرية العليا، أي قيادة الجيش والمجلس الأعلى للدفاع".

وعن مدى قدرة هذه المقاربة على إنهاء الازدواجية العسكرية، قال جابر "نعم، بالتأكيد. القيادة والقرار سيكونان بيد مؤسسة واحدة، ما يشكّل حلاً نهائياً وليس تسوية ظرفية أو مؤقتة".

واستشهد جابر بالنموذج السويسري، حيث يمكن للجيش رفع عديده من 50 ألفاً إلى نحو 370 ألفاً خلال 72 ساعة فقط عبر استدعاء الاحتياط، قائلاً "لا نسعى لأن نصبح سويسرا، لكن من خلال العمل الجاد والتنظيم، يمكننا بناء استراتيجية دفاعية تتيح لكل من يريد الدفاع عن الوطن أن يفعل ذلك ضمن كنف الدولة".

وشدد جابر على أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف حزب الله وحده، بل تشمل جميع الأحزاب والقوى التي تمتلك سلاحاً.

وأوضح أن "من يرفض الانخراط في هذا الإطار تنزع منه الأسلحة. فهناك أيضاً عشائر وفصائل حزبية تمتلك سلاحاً ثقيلاً، ويجب أن يشملها الحل، سواء عبر الدمج ضمن الاستراتيجية الدفاعية أو من خلال نزع سلاحها".

وأشار إلى ضرورة شمول المخيمات الفلسطينية بهذا الإطار، مؤكداً أنه "لا يمكن المطالبة بنزع سلاح جهات لبنانية، مع الإبقاء على ترسانة قائمة داخل المخيمات".

أما فيما يخص السلاح الفردي، فكشف جابر عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح خفيف في لبنان، كالمسدسات، مشيراً إلى إمكانية تنظيم هذا النوع من السلاح عبر آليات الترخيص لأغراض الحماية الشخصية.

خطوط حمراء.. ودعم

وتضع الولايات المتحدة الأميركية خطوط حمراء في مقاربتها للملف اللبناني، وفق ما يؤكده ملاعب، "أولهما ضمان أمن إسرائيل، وثانيهما الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية كمدخل لاستقرار النظام السياسي في لبنان".

وقال ملاعب "من رعا انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وإطلاق مسار إصلاحي هي واشنطن، وبالتالي فإن هذه السلطة باتت بالنسبة لها خطاً أحمر لا يُسمح بإفشاله".

وأضاف أن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت مؤخراً، "لم تأتِ بسيف التهديد كما حاول البعض الترويج، بل حملت رؤية دعم واضحة، وعقدت لقاءات مع وزراء معنيين بملفات الاقتصاد، الإدارة، المالية والعدل، وناقشت معهم خطوات إصلاحية بدأت تترجم ميدانيًاً."

وأوضح ملاعب أن الموقف الأميركي لا يزال ثابتاً "الولايات المتحدة ستكون شريكاً للبنان فقط إذا مضى في طريق الإصلاح، ونجح في حصر السلاح بيد الدولة".

وأشار إلى أن اللقاءات اللبنانية–الأميركية الأخيرة عكست إجماعاً لبنانياً على ضرورة معالجة جذور الأزمة الأمنية، لا الاكتفاء بنتائجها. 

وقال "هناك موقف واضح من الدولة اللبنانية مفاده: إذا التزمت واشنطن بالضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة وتنفيذ القرار 1701 والاتفاقات الدولية ذات الصلة، فلن يبقى مبرر لأي سلاح خارج إطار الشرعية."

من جهته، شدد نادر على أن الحل الوحيد المقبول لقضية سلاح حزب الله يتمثل في "تسليم الحزب سلاحه للدولة، والانخراط في العمل السياسي كأي حزب لبناني آخر، ضمن القوانين والدستور".