عناصر من حزب الله - أرشيفية (رويترز)
عناصر من حزب الله - أرشيفية (رويترز)

في تطور لافت، تضمنت مسودة البيان الوزاري للحكومة اللبنانية، المرسلة للبرلمان،  أن السلاح سيكون محصورا بيد الدولة فقط، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن مصير سلاح حزب الله بعد المعركة الأخيرة مع إسرائيل.

ومن أبرز الأمور التي أعلن عنها وزير الإعلام بول مرقص بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء اللبناني والتي لم تتضمن أي ذكر لعبارة المقاومة: "نمثل أمامكم حكومة متضامنة، وملتزمة الدفاع عن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه والعمل الجاد من أجل إخراجه من المحن والأزمات، والاستجابة لتطلعات المواطنين".

وجاء في مسودة بيان الحكومة، التي تضم وزراء من حزب الله وحركة أمل، أن  "الدولة التي نريد هي التي تلتزم بالكامل مسؤولية أمن البلاد، والدفاع عن حدودها وثغورها، دولة تردع المعتدي، تحمي مواطنيها وتُحصّن الاستقلال وتعبئ الأسرة العربية وعموم الدول لحماية لبنان".

وتضمنت المسودة: "تؤكد (الحكومة) حق لبنان في الدفاع عن النفس في حال حصول أي اعتداء، وذلك وفق ميثاق الأمم المتحدة. وتعمل على تنفيذ ما ورد في خطاب القسم للسيد رئيس الجمهورية حول واجب الدولة في احتكار حمل السلاح".

وبعد هذه الخطوة، ترسل مسودة البيان الوزاري قانونا إلى البرلمان، للتصويت عليها بهدف منح الثقة  للحكومة. 

تجاوز الإشارة إلى "المقاومة"

ويرى الباحث والمحلل السياسي، طارق أبو زينب، أن هذا البيان، الذي لم يقر من مجلس النواب بعد، ملفت بكل المقاييس، وغير مسبوق، وخاصة لناحية عدم الإشارة إلى "المقاومة" كجهة مسؤولة عن ردع الاعتداءات والانتهاكات والدفاع عن الدولة بدلا عن الجيش اللبناني.

وقال أبو زينب لموقع "الحرة" حول البيان المطروح "في خطوة تُعدّ تحولا لافتا في المشهد السياسي اللبناني، نجحت حكومة الرئيس، نواف سلام، في اجتياز اختبار البيان الوزاري، متجاوزة لأول مرة منذ سنوات طويلة أي إشارة إلى مصطلح ’المقاومة’، الذي كان يُستخدم كغطاء شرعي لسلاح حزب الله وحلفائه من الفصائل الفلسطينية والمجموعات المسلحة الأخرى".

وأضاف أن "هذه الخطوة تُعدّ مكسبا سياسيا هاما، خصوصا أنها تضع حجر الأساس لمفهوم جديد، وهو حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بعيدا عن أي وصاية أو تحكم من قوى خارجية".

وتابع "تزامنا مع تولي الرئيس، جوزاف عون، منصبه، يتزايد الأمل لدى اللبنانيين في خروج لبنان من عباءة النفوذ الإيراني، الذي كرّسه حزب الله على مدى عقود عبر فرض واقع أمني وعسكري خارج سيطرة الدولة".

وأشار إلى أن "سقوط نظام بشار الأسد، الحليف الإقليمي الأبرز للحزب، عزّز فرص التغيير وفتح المجال أمام استعادة القرار الوطني من قبضة الميليشيات".

القوى الذاتية حصرا

وشددت الحكومة على "التزامها بتعهداتها، لاسيما لجهة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 كاملا، من دون اجتزاء ولا انتقاء. وتُعيد تأكيد ما جاء في القرار نفسه، وفي القرارات ذات الصلة، عن سلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا، حسب ما ورد في اتفاق الهدنة بين إسرائيل ولبنان في 23 آذار (مارس) 1949".

كما أكدت التزامها "وفقا لوثيقة الوفاق الوطني المُقرّة في الطائف، باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، بقواها الذاتية حصرا، ونشر الجيش في مناطق الحدود اللبنانية المعترف بها دوليا".

A protester runs from the tear gas fired by Lebanese army against Hezbollah supporters who were protesting near Beirut's…
الجيش اللبناني يكسر معادلة تجنّب الصدام مع حزب الله
واجه الجيش اللبناني مناصري حزب الله بقوة لإعادة فتح طريق مطار بيروت الدولي بعد أن أغلقه هؤلاء، في تحرك غير مألوف للجيش الذي تجنب لسنوات طويلة الصدام المباشر مع جمهور الحزب، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان ذلك تحولاً في التوازنات الداخلية أم إجراء استثنائي فرضته التهديدات الإسرائيلية.

من جانبها قالت الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، زينة منصور، لموقع "الحرة" إن "التزام لبنان بالقرارات الدولية لم يعد ترفا ولا استنسابية قانونية لناحية الاجتزاء أو الاستنساب بالالتزام بالـ 1701 والتغاضي عن الـ 1559".

وأشارت منصور إلى أن "الأولوية اليوم هي للتعامل مع مشكلة سلاح حزب الله خطوة بخطوة ومرحلة تلو الأخرى باعتباره الأكبر والأثقل من حيث النوعية وكمية الصواريخ والبنية التحتية اللوجستية. بعد معالجة هذه المشكلة يصبح حل مسألة الأسلحة غير الشرعية الأخرى لباقي التنظيمات المسلحة والتي كانت تبرر ذريعة وجود سلاحها من وجود سلاح ما كان يسمى بمقاومة، محسومة".

عواقب وخيمة

وأضافت "أي مماطلة أو مناورة على بنود الـ1701 والالتزام باتفاقية وقف إطلاق النار عاقبته وخيمة تبدأ بالعقوبات وتنتهي بوضع لبنان تحت الفصل السابع، نظرا باعتبار الـ1701 مع صلاحيات قوات اليونيفيل يندرج تحت الفصل السادس من ميثاق مجلس الأمن والأمم المتحدة".

ولفتت إلى أن العواقب قد تكون حتمية "خصوصا في ظل ما نقلته صحيفة لبنانية أن الإدارة الأميركية أبلغت الدولة اللبنانية بأن أمامها مهلة شهر لتنفيذ القرار 1701 بعد تاريخ انتهاء الهدنة في 18 فبراير والانسحاب الإسرائيلي الناقص والبقاء في خمس نقاط استراتيجية".

قرار الحرب والسلم

وقالت الحكومة "إننا نريد دولة تملك قرار الحرب والسلم. نريد دولة جيشها صاحب عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض أي حرب وفقا لأحكام الدستور. إن الدفاع عن لبنان يستدعي إقرار استراتيجية أمن وطني على المستويات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية".

وأضافت "يترتب على الحكومة أن تُمكِّن القوات المسلحة الشرعية من خلال زيادة عديدها وتجهيزها وتدريبها وتحسين أوضاعها مما يعزز قدراتها على التصدي لأي عدوان وضبط الحدود وتثبيتها جنوبا وشرقا وشمالا وبحر، وعلى منع التهريب ومحاربة الإرهاب".

فرصة ذهبية

وقال أبو زينب "في هذا السياق، يُنظر إلى حكومة نواف سلام باعتبارها فرصة ذهبية للبدء بمرحلة جديدة تستند إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، خاصة الأمنية منها، بعدما تعرضت على مدى سنوات لمحاولات تهميش وإضعاف لصالح ميليشيا مسلحة مرتبطة بمشروع خارجي".

وأشار إلى أنه "من الناحية النظرية، تأكيد البيان الوزاري على احتكار الدولة للسلاح يعني أن أي سلاح خارج إطار الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي هو غير شرعي، وهو ما ينطبق على ترسانة حزب الله، بالإضافة إلى السلاح المنتشر في المخيمات الفلسطينية والمجموعات المرتبطة به. هذه الفصائل، التي لطالما شكلت تهديدا للاستقرار الداخلي، استغلت الفوضى الأمنية والسياسية للإبقاء على ترساناتها العسكرية وتحويل بعض المناطق اللبنانية إلى ملاذات خارجة عن سلطة الدولة".

واقع معقد

وتابع الباحث اللبناني "لكن هذا الطرح يصطدم بالواقع المعقد، حيث لا تزال الحكومة تواجه تحديات كبيرة في فرض هذه الرؤية عمليا. فحزب الله، الذي لطالما استغل غطاء ’المقاومة’ لتبرير احتفاظه بالسلاح، يعتبر نفسه فوق الدولة ومؤسساتها، ويمارس ضغوطا سياسية وأمنية لعرقلة أي محاولة لتقليص نفوذه".

وأضاف أبو زينب "على الرغم من توافر الظروف الداخلية والإقليمية الملائمة لنزع سلاح حزب الله، إلا أن إسقاط أي إشارة لـ’المقاومة’ من البيان الوزاري يُعدّ خطوة مهمة نحو إعادة فتح هذا الملف على طاولة البحث. فبعد عقود من الخضوع للابتزاز السياسي تحت ذريعة ’التوازنات’، قد يكون لبنان أمام بداية جديدة تستند إلى استعادة الدولة لدورها الأمني والعسكري، ووضع حد نهائي لمرحلة تحكم السلاح غير الشرعي بقرارات البلاد السيادية".

ولفت إلى أن "نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية صلبة ودعما داخليا وإقليميا، بالإضافة إلى موقف شعبي واضح يرفض استمرار لبنان كرهينة لمشاريع خارجية يديرها حزب الله وأذرعه العسكرية. قد تكون هذه الحكومة الخطوة الأولى نحو تحرير لبنان من حكم الميليشيات، الأيام المقبلة ستحدد الاتجاه الذي ستسلكه البلاد في هذا المسار المصيري".

وضع بالغ الخطورة

بدورها قالت منصور إن "الوضع اللبناني بالغ الخطورة في ظل المخاطر بعودة الحرب أو إدراج لبنان تحت الفصل السابع في حال التقاعس عن تنفيذ القرار 1701 بعد نحو 19 سنة على صدوره وبعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بكفالة ورقابة أميركية لكل من لبنان وإسرائيل ورعاية فرنسية بأن يلتزم لبنان بوقف الأعمال العسكرية المنطلقة من حدوده الجنوبية ونزع السلاح غير الشرعي جنوب وشمال الليطاني على حد سواء، وحصره بالدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وبالتالي احتكار الدولة للسلاح يحتم نزع سلاح الميليشيات المسلحة كافة اللبنانية والفلسطينية".

وأشارت إلى أن "الدولة اللبنانية ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة تعهدت في خطابي القسم والتكليف التي يستوحي منهما البيان الوزاري، الالتزام الكامل بتنفيذ القرارات الدولية، ويأتي على رأسها القرار 1701 الصادر في أغسطس 2006 والذي يتضمن في طياته وبنوده القرارات الصادرة قبله أي الـ1559 والـ1680".

ويعتبر الجيش اللبناني من أضعف جيوش العالم، ويعتمد كثيرا على المساعدات الخارجية والتبرعات، ويحتل المركز رقم 118 في قائمة أقوى جيوش العالم، التي تضم 145 جيشا، وفقا لموقع "غلوبال فاير باور".

وعدد عناصر وضباط الجيش من الأقل في العالم، ويبلغ عدد من هم في الخدمة نحو 60 ألفا، والاحتياط 35 ألفا، من ضمنهم القوات البرية (45000) والجوية (2500) والبحرية (1700).

ولا توجد الكثير من الأسلحة الثقيلة والمعدات الحربية لدى الجيش اللبناني، وهو ضعيف من ناحية التجهيز سواء بالدبابات أو المدافع أو الطائرات أو السفن، ولا توجد لديه مقاتلات حربية أو غواصات على سبيل المثال، وفقا للمصدر ذاته.

حزب الله

عادت "جمعية القرض الحسن"، الذراع المالي لحزب الله، إلى الواجهة مجددا مع تداول تقارير إعلامية تشير إلى جهود أميركية لإضعاف الحزب ماليا.

الجمعية، التي كانت تدير أكثر من 30 فرعا في مختلف المناطق اللبنانية قبل آخر حرب مع إسرائيل، تثير جدلا واسعا بشأن دورها في تمويل الحزب. 

وتحاصر الجمعية التي تقدم نفسها كمؤسسة خدمات مالية تشمل قروضا دون فوائد مقابل رهونات، اتهامات بتبييض الأموال لتمويل أنشطة حزب الله.

ويزداد الجدل تعقيدا في ظل غياب الرقابة الرسمية التي يفترض أن يقوم بها مصرف لبنان على أنشط "القرض الحسن" المالية.

ومع تصاعد الضغوط الدولية على لبنان لسحب سلاح حزب الله وإغلاق قنوات تمويله، ومع ربط المساعدات الدولية وإعادة الإعمار بتنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية، يتساءل كثير من اللبنانيين حول تأثير استمرار عمل "القرض الحسن" على مسار التعافي الاقتصادي في البلاد. 

فهل تستطيع الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات حاسمة لإغلاق هذه "المؤسسة المالية" المخالفة لقانون النقد والتسليف؟

تجاوز الترخيص

تأسست جمعية "القرض الحسن" عام 1982 بموجب ترخيص "علم وخبر" صادر عن وزارة الداخلية اللبنانية، وفقاً للخبير الاستراتيجي في المخاطر المصرفية والاقتصادية، الدكتور محمد فحيلي. 

يوضح فحيلي أن "هذا الترخيص يتيح للجمعية تقديم قروض ذات طابع اجتماعي. وفي البداية، افتتحت الجمعية مكاتبها داخل عدد من المصارف اللبنانية في مناطق نفوذ حزب الله، حيث بدأت بمنح قروض صغيرة جداً تتراوح قيمتها بين 100 و3000 دولار".

ومع مرور الوقت، وسّعت الجمعية نطاق خدماتها لتتجاوز حدود الترخيص الممنوح لها، كما يقول فحيلي لموقع "الحرة".

"أصبحت تقدم خدمات مالية مشابهة للخدمات المصرفية، مثل استقبال الودائع ومنح القروض وإصدار بطاقات الدفع البلاستيكية، إضافة إلى توفير الصرافات الآلية. هذه التجاوزات تمت نتيجة غياب الرقابة من قبل السلطة المعنية، وهي وزارة الداخلية التي منحتها الترخيص".

بدوره، يؤكد الصحفي الاقتصادي، خالد أبو شقرا، أن الجمعية تحولت تدريجياً إلى ما يشبه المصرف غير المرخص، لا سيما بعد تركيب أجهزة الصراف الآلي وتقديم قروض بمبالغ كبيرة سنوياً، بالإضافة إلى استقبال الودائع النقدية والذهبية ودفع أرباح عليها.

ويشدد أبو شقرا في حديث لموقع "الحرة" على أن نشاط "القرض الحسن يمثل مخالفة واضحة لقانون النقد والتسليف اللبناني". ويلفت إلى أن جميع المسؤولين في الجمعية منتمون إلى حزب الله ويخضعون لعقوبات أميركية مفروضة من وزارة الخزانة ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية".

ويرى الكاتب والمحلل السياسي، الدكتور مكرم رباح، في حديث لموقع "الحرة" أن "القرض الحسن لا يُعد عقبة بحد ذاته أمام مسار الإصلاح، بل يمثل اختباراً لمدى جدية الدولة اللبنانية في التعامل مع ملف سلاح حزب الله". ويشير رباح إلى أن "القرض الحسن هو سلاح مالي يُدار خارج إطار الدولة".

وتنص المادة 200 من قانون النقد والتسليف على تجريم أي شخص أو مؤسسة تمارس عمليات التسليف دون ترخيص من مصرف لبنان، فيما تلزم المادة 206 بملاحقة المخالفين أمام المحاكم الجزائية.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على "القرض الحسن" عام 2007، وأعقبتها بعقوبات إضافية في 2021 طالت ستة من موظفيه. وقد اتُهم هؤلاء باستخدام حسابات شخصية في مصارف لبنانية لتحويل أكثر من 500 مليون دولار إلى الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المالي الدولي.

وفي سياق متصل، سبق أن وصف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي في تغريدة عبر منصة "إكس"، الجمعية بـ"المصرف الأسود لحزب الله"، مشيراً إلى أنها تُستخدم كقناة خلفية لتبييض الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات التي يديرها الحزب، ويمتد نشاطها إلى أميركا اللاتينية.

وفي حديث سابق لموقع "غلوبس" الإسرائيلي، أشار خبير الحرب المالية، عوزي شايع، إلى أن "القرض الحسن" يمثل الخزينة المالية لحزب الله، حيث تُدار من خلاله الحسابات المالية للمنظمة، فضلاً عن تمويل الأنشطة التجارية والخيرية.

خطر مزدوج

يشير تقرير لمنظمة الدفاع عن الديمقراطيات إلى أن "كبار ممولي حزب الله امتلكوا حسابات في القرض الحسن، واستخدم موظفو الجمعية حسابات شخصية في المصارف اللبنانية الكبرى لتنفيذ معاملات نيابة عن الجمعية، مما أتاح لها الوصول إلى النظام المصرفي اللبناني"، 

وأوضحت المنظمة، في التقرير الذي حمل عنوان "القرض الحسن التابع لحزب الله والقطاع المصرفي في لبنان،" أن وزارة الخزانة الأميركية فرضت عام 2019 عقوبات على "بنك جمال تراست" لتورطه في تسهيل وصول "القرض الحسن" إلى القطاع المصرفي، "وهو ما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء فرض تلك العقوبات"، وعقب ذلك تقدم المصرف بطلب إلى مصرف لبنان للحصول على الموافقة لتصفيته، وهو ما تم بالفعل.

وفي ديسمبر 2020، تمكنت مجموعة من القراصنة الإلكترونيين تدعى "Spiderz" من اختراق حسابات جمعية "القرض الحسن"، و"نشرت معلومات تتعلق بنحو 400 ألف حساب مرتبط بالجمعية، تضمّنت أسماء شخصيات بارزة في حزب الله. 

ومن بين تلك الشخصيات قائد قوة الرضوان الذي اغتالته إسرائيل وسام الطويل، وإبراهيم علي ضاهر، رئيس الوحدة المالية للحزب، وحتى المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي" وفقا لما نشره موقع "غلوبس".

وعقب هذا الاختراق، أصدرت بعض المصارف اللبنانية بيانات نفت فيها وجود حسابات رسمية باسم "القرض الحسن"، بحسب ما أشارت إليه "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات".

وأوضحت أنه "رغم صحة هذه البيانات من الناحية القانونية، إذ لا توجد حسابات مسجلة باسم الجمعية، إلا أن الوثائق المسربة كشفت أن مسؤولي الجمعية استخدموا حساباتهم الشخصية لإجراء معاملات نيابة عنها".

وفي إطار الجهود الأميركية لمساعدة لبنان على تجاوز أزمته الاقتصادية، حملت مورغان أورتاغوس، نائبة المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط، خلال زيارتها إلى بيروت في أبريل الماضي، رسائل متعددة تضمنت التركيز على ملف الإصلاحات الاقتصادية والمالية إلى جانب الشق الأمني المتعلق بنزع سلاح حزب الله.

وفي هذا السياق، يقول فحيلي أن "الولايات المتحدة تعتبر جمعية القرض الحسن إحدى الأذرع المالية لحزب الله. لكن إذا طبّق لبنان القرار 1701 بشكل صارم، فإن الجمعية ستصبح مجرد تفصيل صغير، في حال فرضت وزارة الداخلية حدوداً واضحة على أنشطتها ضمن إطار الترخيص الممنوح لها، فلن تشكل خطراً على مستوى تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب".

"سلاح" يجب ضبطه

خلال زيارة وفد مجموعة العمل المالي إلى لبنان، شدد الوفد، وفقاً لما يقول أبو شقرا، "على ضرورة تعزيز الرقابة على المؤسسات المالية غير المرخصة والتي لا تلتزم بالأنظمة والقوانين المعمول بها. هذه المؤسسات، سواء كانت القرض الحسن أو غيرها، قد تساهم بشكل أو بآخر في عمليات تبييض الأموال وتمويل الأنشطة العسكرية، مما يستدعي فرض إجراءات رقابية صارمة للحد من هذه الأنشطة غير القانونية".

وفي ظل تجاوز الجمعية لحدود أنشطتها المسموح بها، يؤكد فحيلي أن المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي تمتلك الصلاحيات لتطبيق القانون على المخالفين. ويشدد على ضرورة أن تقوم وزارة الداخلية بإبلاغ إدارة الجمعية بوضوح بحدود الترخيص وإلزامها بالالتزام به.

وبشأن إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي، نفى فحيلي وجود علاقة مباشرة بين القرار وأنشطة "القرض الحسن". 

وأوضح أن "المشكلة الأساسية تكمن في غياب الرقابة على المعاملات النقدية، خاصة بعد فقدان الثقة بالمنظومة المصرفية وابتعاد المواطنين عن استعمال وسائل الدفع المتاحة من خلال القطاع المصرفي والإفراط في استعمال الأوراق النقدية، وقرار مصرف لبنان بتجفيف السيولة بالليرة اللبنانية، والذي سمح باستبدال مبالغ نقدية كبيرة بالدولار الأميركي". 

ويضيف أن "هذا القرار، في ظل غياب الرقابة، أعطى مساحة إضافية لمن يريد تبييض الأموال. وزاد الأمور تعقيداً ظهور عدد كبير من الجمعيات المدنية، وكان معظمها غير مرخص، عقب انفجار مرفأ بيروت".

بالنسبة لمطالب صندوق النقد الدولي، يؤكد فحيلي "رغم أنه لا يتدخل في التفاصيل، فإنه بالتأكيد يهتم بأن تكون جميع المؤسسات التي تقدم خدمات مصرفية مرخصة رسميًا وتحت إشراف الجهات الرقابية الرسمية"، وأضاف قوله: "إذا كانت الحكومة اللبنانية تسعى إلى إعادة الانتظام المالي، فإن ذلك يستوجب وجود مؤسسات مرخصة من قبل مصرف لبنان وخاضعة لرقابته".

وفي السياق ذاته، يقول أبو شقرا إن "المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي يطالبان بمعالجة ملفات يعتبرانها أكثر إلحاحاً من ملف القرض الحسن، تشمل إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، واستعادة الانتظام المالي، ومعالجة الفجوة المالية، وإصلاح قطاع الطاقة، وخاصة قطاع الكهرباء، فضلاً عن إصلاح السرية المصرفية والخروج من اللائحة الرمادية المرتبطة بتبييض الأموال".

ويشير أبو شقرا إلى أنه "رغم قدرة السلطات اللبنانية على وضع حد للنشاط المالي والمصرفي لجمعية القرض الحسن، إلا أن التوازنات السياسية التي شهدتها البلاد في الفترة الماضية حالت دون التعامل الجدي مع الجمعية".

ويعتبر أبو شقرا أن "معالجة ملف القرض الحسن ترتبط أساساً بالتسوية السياسية"، وقال إن القضية لا تقتصر على الإصلاحات المالية فقط، "بل تتطلب مقاربة شاملة تأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية والعسكرية".

من جانبه يدعو رباح إلى إغلاق الجمعية فوراً ومنعها من التظاهر بأي شرعية مالية، وأوضح أن "القرض الحسن، سواء كان له ارتباط مباشر بالحرس الثوري الإيراني أم لا، يظل مؤسسة غير حكومية تمارس أنشطة مالية خارج إطار القانون".