عناصر من حزب الله - أرشيفية (رويترز)
عناصر من حزب الله - أرشيفية (رويترز)

في تطور لافت، تضمنت مسودة البيان الوزاري للحكومة اللبنانية، المرسلة للبرلمان،  أن السلاح سيكون محصورا بيد الدولة فقط، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن مصير سلاح حزب الله بعد المعركة الأخيرة مع إسرائيل.

ومن أبرز الأمور التي أعلن عنها وزير الإعلام بول مرقص بعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء اللبناني والتي لم تتضمن أي ذكر لعبارة المقاومة: "نمثل أمامكم حكومة متضامنة، وملتزمة الدفاع عن سيادة لبنان ووحدة أرضه وشعبه والعمل الجاد من أجل إخراجه من المحن والأزمات، والاستجابة لتطلعات المواطنين".

وجاء في مسودة بيان الحكومة، التي تضم وزراء من حزب الله وحركة أمل، أن  "الدولة التي نريد هي التي تلتزم بالكامل مسؤولية أمن البلاد، والدفاع عن حدودها وثغورها، دولة تردع المعتدي، تحمي مواطنيها وتُحصّن الاستقلال وتعبئ الأسرة العربية وعموم الدول لحماية لبنان".

وتضمنت المسودة: "تؤكد (الحكومة) حق لبنان في الدفاع عن النفس في حال حصول أي اعتداء، وذلك وفق ميثاق الأمم المتحدة. وتعمل على تنفيذ ما ورد في خطاب القسم للسيد رئيس الجمهورية حول واجب الدولة في احتكار حمل السلاح".

وبعد هذه الخطوة، ترسل مسودة البيان الوزاري قانونا إلى البرلمان، للتصويت عليها بهدف منح الثقة  للحكومة. 

تجاوز الإشارة إلى "المقاومة"

ويرى الباحث والمحلل السياسي، طارق أبو زينب، أن هذا البيان، الذي لم يقر من مجلس النواب بعد، ملفت بكل المقاييس، وغير مسبوق، وخاصة لناحية عدم الإشارة إلى "المقاومة" كجهة مسؤولة عن ردع الاعتداءات والانتهاكات والدفاع عن الدولة بدلا عن الجيش اللبناني.

وقال أبو زينب لموقع "الحرة" حول البيان المطروح "في خطوة تُعدّ تحولا لافتا في المشهد السياسي اللبناني، نجحت حكومة الرئيس، نواف سلام، في اجتياز اختبار البيان الوزاري، متجاوزة لأول مرة منذ سنوات طويلة أي إشارة إلى مصطلح ’المقاومة’، الذي كان يُستخدم كغطاء شرعي لسلاح حزب الله وحلفائه من الفصائل الفلسطينية والمجموعات المسلحة الأخرى".

وأضاف أن "هذه الخطوة تُعدّ مكسبا سياسيا هاما، خصوصا أنها تضع حجر الأساس لمفهوم جديد، وهو حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بعيدا عن أي وصاية أو تحكم من قوى خارجية".

وتابع "تزامنا مع تولي الرئيس، جوزاف عون، منصبه، يتزايد الأمل لدى اللبنانيين في خروج لبنان من عباءة النفوذ الإيراني، الذي كرّسه حزب الله على مدى عقود عبر فرض واقع أمني وعسكري خارج سيطرة الدولة".

وأشار إلى أن "سقوط نظام بشار الأسد، الحليف الإقليمي الأبرز للحزب، عزّز فرص التغيير وفتح المجال أمام استعادة القرار الوطني من قبضة الميليشيات".

القوى الذاتية حصرا

وشددت الحكومة على "التزامها بتعهداتها، لاسيما لجهة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701 كاملا، من دون اجتزاء ولا انتقاء. وتُعيد تأكيد ما جاء في القرار نفسه، وفي القرارات ذات الصلة، عن سلامة أراضي لبنان وسيادته واستقلاله السياسي داخل حدوده المعترف بها دوليا، حسب ما ورد في اتفاق الهدنة بين إسرائيل ولبنان في 23 آذار (مارس) 1949".

كما أكدت التزامها "وفقا لوثيقة الوفاق الوطني المُقرّة في الطائف، باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، بقواها الذاتية حصرا، ونشر الجيش في مناطق الحدود اللبنانية المعترف بها دوليا".

A protester runs from the tear gas fired by Lebanese army against Hezbollah supporters who were protesting near Beirut's…
الجيش اللبناني يكسر معادلة تجنّب الصدام مع حزب الله
واجه الجيش اللبناني مناصري حزب الله بقوة لإعادة فتح طريق مطار بيروت الدولي بعد أن أغلقه هؤلاء، في تحرك غير مألوف للجيش الذي تجنب لسنوات طويلة الصدام المباشر مع جمهور الحزب، مما أثار تساؤلات حول ما إذا كان ذلك تحولاً في التوازنات الداخلية أم إجراء استثنائي فرضته التهديدات الإسرائيلية.

من جانبها قالت الأكاديمية وخبيرة العلاقات الدولية، زينة منصور، لموقع "الحرة" إن "التزام لبنان بالقرارات الدولية لم يعد ترفا ولا استنسابية قانونية لناحية الاجتزاء أو الاستنساب بالالتزام بالـ 1701 والتغاضي عن الـ 1559".

وأشارت منصور إلى أن "الأولوية اليوم هي للتعامل مع مشكلة سلاح حزب الله خطوة بخطوة ومرحلة تلو الأخرى باعتباره الأكبر والأثقل من حيث النوعية وكمية الصواريخ والبنية التحتية اللوجستية. بعد معالجة هذه المشكلة يصبح حل مسألة الأسلحة غير الشرعية الأخرى لباقي التنظيمات المسلحة والتي كانت تبرر ذريعة وجود سلاحها من وجود سلاح ما كان يسمى بمقاومة، محسومة".

عواقب وخيمة

وأضافت "أي مماطلة أو مناورة على بنود الـ1701 والالتزام باتفاقية وقف إطلاق النار عاقبته وخيمة تبدأ بالعقوبات وتنتهي بوضع لبنان تحت الفصل السابع، نظرا باعتبار الـ1701 مع صلاحيات قوات اليونيفيل يندرج تحت الفصل السادس من ميثاق مجلس الأمن والأمم المتحدة".

ولفتت إلى أن العواقب قد تكون حتمية "خصوصا في ظل ما نقلته صحيفة لبنانية أن الإدارة الأميركية أبلغت الدولة اللبنانية بأن أمامها مهلة شهر لتنفيذ القرار 1701 بعد تاريخ انتهاء الهدنة في 18 فبراير والانسحاب الإسرائيلي الناقص والبقاء في خمس نقاط استراتيجية".

قرار الحرب والسلم

وقالت الحكومة "إننا نريد دولة تملك قرار الحرب والسلم. نريد دولة جيشها صاحب عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض أي حرب وفقا لأحكام الدستور. إن الدفاع عن لبنان يستدعي إقرار استراتيجية أمن وطني على المستويات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية".

وأضافت "يترتب على الحكومة أن تُمكِّن القوات المسلحة الشرعية من خلال زيادة عديدها وتجهيزها وتدريبها وتحسين أوضاعها مما يعزز قدراتها على التصدي لأي عدوان وضبط الحدود وتثبيتها جنوبا وشرقا وشمالا وبحر، وعلى منع التهريب ومحاربة الإرهاب".

فرصة ذهبية

وقال أبو زينب "في هذا السياق، يُنظر إلى حكومة نواف سلام باعتبارها فرصة ذهبية للبدء بمرحلة جديدة تستند إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة، خاصة الأمنية منها، بعدما تعرضت على مدى سنوات لمحاولات تهميش وإضعاف لصالح ميليشيا مسلحة مرتبطة بمشروع خارجي".

وأشار إلى أنه "من الناحية النظرية، تأكيد البيان الوزاري على احتكار الدولة للسلاح يعني أن أي سلاح خارج إطار الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي هو غير شرعي، وهو ما ينطبق على ترسانة حزب الله، بالإضافة إلى السلاح المنتشر في المخيمات الفلسطينية والمجموعات المرتبطة به. هذه الفصائل، التي لطالما شكلت تهديدا للاستقرار الداخلي، استغلت الفوضى الأمنية والسياسية للإبقاء على ترساناتها العسكرية وتحويل بعض المناطق اللبنانية إلى ملاذات خارجة عن سلطة الدولة".

واقع معقد

وتابع الباحث اللبناني "لكن هذا الطرح يصطدم بالواقع المعقد، حيث لا تزال الحكومة تواجه تحديات كبيرة في فرض هذه الرؤية عمليا. فحزب الله، الذي لطالما استغل غطاء ’المقاومة’ لتبرير احتفاظه بالسلاح، يعتبر نفسه فوق الدولة ومؤسساتها، ويمارس ضغوطا سياسية وأمنية لعرقلة أي محاولة لتقليص نفوذه".

وأضاف أبو زينب "على الرغم من توافر الظروف الداخلية والإقليمية الملائمة لنزع سلاح حزب الله، إلا أن إسقاط أي إشارة لـ’المقاومة’ من البيان الوزاري يُعدّ خطوة مهمة نحو إعادة فتح هذا الملف على طاولة البحث. فبعد عقود من الخضوع للابتزاز السياسي تحت ذريعة ’التوازنات’، قد يكون لبنان أمام بداية جديدة تستند إلى استعادة الدولة لدورها الأمني والعسكري، ووضع حد نهائي لمرحلة تحكم السلاح غير الشرعي بقرارات البلاد السيادية".

ولفت إلى أن "نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية صلبة ودعما داخليا وإقليميا، بالإضافة إلى موقف شعبي واضح يرفض استمرار لبنان كرهينة لمشاريع خارجية يديرها حزب الله وأذرعه العسكرية. قد تكون هذه الحكومة الخطوة الأولى نحو تحرير لبنان من حكم الميليشيات، الأيام المقبلة ستحدد الاتجاه الذي ستسلكه البلاد في هذا المسار المصيري".

وضع بالغ الخطورة

بدورها قالت منصور إن "الوضع اللبناني بالغ الخطورة في ظل المخاطر بعودة الحرب أو إدراج لبنان تحت الفصل السابع في حال التقاعس عن تنفيذ القرار 1701 بعد نحو 19 سنة على صدوره وبعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بكفالة ورقابة أميركية لكل من لبنان وإسرائيل ورعاية فرنسية بأن يلتزم لبنان بوقف الأعمال العسكرية المنطلقة من حدوده الجنوبية ونزع السلاح غير الشرعي جنوب وشمال الليطاني على حد سواء، وحصره بالدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وبالتالي احتكار الدولة للسلاح يحتم نزع سلاح الميليشيات المسلحة كافة اللبنانية والفلسطينية".

وأشارت إلى أن "الدولة اللبنانية ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة تعهدت في خطابي القسم والتكليف التي يستوحي منهما البيان الوزاري، الالتزام الكامل بتنفيذ القرارات الدولية، ويأتي على رأسها القرار 1701 الصادر في أغسطس 2006 والذي يتضمن في طياته وبنوده القرارات الصادرة قبله أي الـ1559 والـ1680".

ويعتبر الجيش اللبناني من أضعف جيوش العالم، ويعتمد كثيرا على المساعدات الخارجية والتبرعات، ويحتل المركز رقم 118 في قائمة أقوى جيوش العالم، التي تضم 145 جيشا، وفقا لموقع "غلوبال فاير باور".

وعدد عناصر وضباط الجيش من الأقل في العالم، ويبلغ عدد من هم في الخدمة نحو 60 ألفا، والاحتياط 35 ألفا، من ضمنهم القوات البرية (45000) والجوية (2500) والبحرية (1700).

ولا توجد الكثير من الأسلحة الثقيلة والمعدات الحربية لدى الجيش اللبناني، وهو ضعيف من ناحية التجهيز سواء بالدبابات أو المدافع أو الطائرات أو السفن، ولا توجد لديه مقاتلات حربية أو غواصات على سبيل المثال، وفقا للمصدر ذاته.

كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟
كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ وما هي الاستراتيجية والأهداف؟

طائرة تحلّق في الأجواء. صاروخ لا تراه لكن تشاهد أثره: سيارة تتحول في ثوان إلى حطام، أو شقة سكنية تتحول إلى كتلة لهب.

الهدف كادر أو قيادي في حزب الله.

والمشهد يتكرر.

في لبنان، تهدئة معلنة.. هذا على الأرض.

لكن في السماء، تواصل الطائرات الإسرائيلية المسيّرة التحليق وتنفيذ ضربات دقيقة تخلّف آثاراً جسيمة، ليس في ترسانة الحزب العسكرية فقط، بل في البنية القيادية كذلك.

وفيما يحاول الحزب امتصاص الضربات، تتوالى الأسئلة: كيف تصل إسرائيل إلى هذه الدقة في إصابة أهدافها؟ أهو التقدّم التكنولوجي المحض، من ذكاء اصطناعي وطائرات بدون طيار؟ أم أن هناك ما هو أخطر؟ اختراقات بشرية داخل صفوف الحزب تُستغلّ لتسهيل تنفيذ الضربات؟ وما هي الاستراتيجية الإسرائيلية هنا والأهداف؟

"اختراق بشري"

استهداف تلو الآخر، والرسالة واضحة: اليد الإسرائيلية طويلة بما يكفي لتصل إلى أي نقطة في لبنان، والعين الإسرائيلية ترى ما لا يُفترض أن يُرى.

يصف القائد السابق للفوج المجوقل في الجيش اللبناني، العميد المتقاعد جورج نادر العمليات الإسرائيلية الأخيرة بأنها "بالغة التعقيد، تعتمد على تناغم نادر بين التكنولوجيا المتقدّمة والاختراق الاستخباراتي البشري"، مشيراً إلى أن "تحديد هوية القادة الجدد الذين حلّوا مكان المُغتالين يتم عبر تقنيات متطوّرة تشمل بصمات العين والصوت والوجه"، متسائلاً "من أين حصلت إسرائيل على أسماء القادة والكوادر الجدد؟ الجواب ببساطة: عبر اختراق بشري فعّال".

ويتابع نادر "حتى الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المعروف بتشدده الأمني وإقامته في مواقع محصّنة، لم يكن بمنأى عن محاولات التتبّع، إذ تحدّثت تقارير استخباراتية دولية عن اختراق بشري ساعد في تحديد موقعه".

ويرى أن "ما نشهده هو منظومة اغتيال متطوّرة ومتعددة الأبعاد، تمزج بين الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة والعمل البشري الدقيق. هذه الثلاثية تفسّر نجاح العمليات الأخيرة، والأثر العميق الذي تتركه في هيكلية حزب الله، سواء على المستوى العملياتي أو المعنوي".

من جانبه، يرى الباحث في الشأن السياسي نضال السبع أن هذه الاستهدافات "تعكس مزيجاً من التفوق التقني الإسرائيلي والاختراق الأمني الداخلي في بنية الحزب، وكما هو واضح فإن إسرائيل تمتلك قائمة أهداف تتعامل معها تباعاً، وفقاً لمعلومات دقيقة يتم تحديثها باستمرار، ما يتيح لها تنفيذ عمليات مدروسة بعناية شديدة، ويحدّ من قدرة حزب الله على المناورة أو استعادة توازنه سريعاً".

صمت وعجز

على الرغم من الضربات المتتالية التي تلقاها الحزب منذ 27نوفمبر الماضي، والتي أودت بحياة عدد كبير من كوادره، لم يقم بالرد، ويُفسّر نادر ذلك بـ"ضعف فعلي في القدرة على الرد، أكثر من كونه خياراً استراتيجياً".

ويقول نادر "ليس بالضرورة أن الحزب لا يريد الرد، بل الحقيقة أنه لم يعد يمتلك القدرة. هو يعاني من تراجع عملياتي ملحوظ، وتصدّع في هيكليته القيادية، يرافقه حصار سياسي داخلي وخارجي يزداد ضيقاً".

ويضيف "حتى لو قرّر الرد، فما الذي يمكنه فعله فعلاً؟ هل يملك القدرة على تنفيذ عملية نوعية تترك أثراً؟ المعطيات الحالية تشير إلى أن هذه القدرة باتت شبه معدومة، لا سيما بعد خسارته الغطاء السياسي الذي كان يوفره له بعض الحلفاء، ومع تزايد عزلته على الصعيدين العربي والدولي".

ويختم نادر بالقول "تصريحات الحزب تعكس حالة من التردد والارتباك. فتارةً يتحدّث عن التزامه بقرارات الدولة، وتارةً يلوّح بحق الرد. لكن الواقع على الأرض يقول إنه في وضع حرج: محاصر سياسياً، وعاجز عسكرياً، وأي مغامرة جديدة قد تكلّفه الكثير... وهو يعلم ذلك جيداً".

من جانبه، يرى السبع أن حزب الله لا يسعى حالياً إلى الرد، بل يركّز على "مرحلة إعادة التقييم والاستعداد"، مشيراً إلى أن الحزب "رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ ببنية عسكرية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها إمكانيات الجيش اللبناني نفسه، لكنه في المقابل، يقرأ المشهد اللبناني الداخلي بدقة، ويدرك حساسية التزامات الدولة تجاه المجتمع الدولي، ولا سيما مع توقف خطوط إمداده من سوريا، ما يدفعه إلى التريّث في اتخاذ قرار المواجهة".

خريطة استراتيجية تغيرت

يرى الباحث نضال السبع أن الإسرائيليين يشعرون بالتفوق. يضيف "عزز هذا الانطباع عدد من العوامل، أبرزها سقوط النظام السوري كحليف استراتيجي، والتقدم الميداني في غزة، وعجز الحزب عن تنفيذ ضربات نوعية، فضلاً عن ازدياد عزلته السياسية في الداخل اللبناني، لا سيما بعد انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل نواف سلام للحكومة".

يشبّه السبع ما يجري اليوم في لبنان بالمشهد الذي أعقب حرب يوليو 2006، "حيث توقفت العمليات العسكرية رسمياً، فيما بدأت إسرائيل التحضير لما وصفته آنذاك بـ(المعركة الأخيرة)، مستغلة فترة الهدوء الطويل لإعادة التموضع وتكثيف الجهوزية".

يقول إن "حزب الله دخل مرحلة إعادة تقييم وتجهيز بعد سلسلة الضربات التي تلقاها في الأشهر الماضية، في حين تسعى إسرائيل إلى منعه من التقاط الأنفاس، عبر استمرارها في تنفيذ عمليات نوعية ودقيقة، تشبه إلى حدّ بعيد تلك التي نفذتها في الساحة السورية بعد العام 2011، عندما استباحت الأجواء السورية".

ويضيف أن "المشهد ذاته يتكرر اليوم في لبنان، حيث باتت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية جزءاً من المشهد اليومي، تنفّذ عمليات اغتيال متتالية".

كسر البنية القيادية

لكن هل تؤثر هذه العمليات على بنية الحزب؟

يوضح السبع أن "الاستهدافات الأخيرة تطال كوادر داخل حزب الله، لكن الضربة الكبرى وقعت خلال حرب الشهرين، حين تعرّضت قيادات الصف الأول والثاني للاغتيال، أما اغتيال كوادر من الصف الثالث، فله تأثير محدود ولا يحدث خللاً جذرياً في الهيكل التنظيمي للحزب".

من جهته، يرى العميد المتقاعد جورج نادر أن أهداف إسرائيل من تصفية الكوادر العسكرية تلامس عمقاً استراتيجياً أكبر، موضحاً: "الرسالة الأساسية التي تبعث بها إسرائيل من خلال هذه العمليات هي التأكيد على قدرتها على استهداف أي عنصر أو قائد في حزب الله، وفي أي موقع داخل الأراضي اللبنانية، ما يكرّس واقعاً أمنياً جديداً تتحكم فيه بالمجال الجوي للبنان".

ويؤكد نادر أن وراء هذا الاستهداف "رسالة مباشرة مفادها أن لا أحد بمنأى، ما يترك أثراً نفسياً بالغاً على العناصر، ويقوّض شعورهم بالأمان".

خريطة استهدافات

رسمت إسرائيل، خلال السنوات الماضية، خريطة دقيقة لاستهداف قيادات حزب الله، عبر عمليات اغتيال شكّلت ضربة قاسية للحزب. ومن بين أبرز هذه العمليات، اغتيال ثلاثة من أمنائه العامين.

ففي 16 فبراير 1992، اغتيل عباس الموسوي، الأمين العام الأسبق لحزب الله، في غارة جوية استهدفت موكبه في جنوب لبنان.

وفي سبتمبر 2024، قتل حسن نصر الله، بصواريخ خارقة للتحصينات، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وبعد أسابيع، في أكتوبر 2024، اغتيل هاشم صفي الدين، خلفية نصر الله، في عملية مماثلة.

وطالت الاغتيالات شخصيات بارزة في الجناح العسكري للحزب، أبرزهم عماد مغنية، الذي قُتل في فبراير 2008، إثر تفجير سيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، وفي مايو 2016، لقي مصطفى بدر الدين، خليفة مغنية مصرعه في تفجير استهدفه قرب مطار دمشق.

واغتيل فؤاد شكر، القائد البارز في وحدة "الرضوان"، في يوليو 2024، بواسطة طائرة استهدفته داخل مبنى سكني في الضاحية الجنوبية.

وفي سبتمبر 2024، لقي إبراهيم عقيل، عضو مجلس الجهاد والرجل الثاني في قيادة الحزب بعد مقتل شكر، المصير ذاته، إثر ضربة بطائرة استهدفته في الضاحية.

ويرى نادر أن "هذه الاغتيالات لا تكتفي بالتأثير الرمزي، بل تُحدث خللاً فعلياً في التراتبية القيادية داخل الحزب، إذ يصعب تعويض القادة المستهدفين بسرعة أو بكفاءة مماثلة، ما يربك الأداء الميداني والتنظيمي، ويجعل من عمليات الاغتيال أداة استراتيجية تستخدم لإضعاف حزب الله من الداخل".