استعداد أمنية مكثفة ليوم تشييع حسن نصر الله - رويترز
استعداد أمنية مكثفة ليوم تشييع حسن نصر الله - رويترز

قالت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية في لبنان، الأحد، إن إسرائيل شنت سلسلة غارات جنوبي البلاد، وذلك قبيل تشييع زعيم حزب الله، حسن نصر الله، الذي قتل بغارة إسرائيلية في سبتمبر الماضي.

وذكرت الوكالة أن الطيران الإسرائيلي "استهدف بغارات جوية قضاء صور"، بجانب "غارة جوية أخرى قرابة التاسعة صباحا استهدفت بلدة مريصع في قضاء النبطية"، جنوبي البلاد.

من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، أنه استهدف بغارات "بشكل دقيق، موقعا عسكريا احتوى على قذائف صاروخية ووسائل قتالية داخل لبنان، تم رصد أنشطة لحزب الله في داخله".

وأضاف أنه هاجم "عدة منصات صاروخية لحزب الله" في منطقة جنوب لبنان.

وكان الجيش الإسرائيلي قد قال في بيان، السبت، إنه استهدف أيضا "محاور نقل" على الحدود بين سوريا ولبنان.

وتابع أن تلك المحاور "يحاول حزب الله من خلالها نقل وسائل قتالية إلى لبنان"، واصفا ذلك "بمثابة خرق فاضح للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان".

يأتي ذلك تزامنا مع تأهب لبنان لتشييع نصر الله، الذي قتل بضربة إسرائيلية على مقرّه الواقع تحت الأرض في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب، في 27 سبتمبر 2024.

وتبدأ مراسم التشييع التي يتوقع أن تشلّ البلاد مع تدفق مناصري حزب الله (المصنف على لوائح الإرهاب الأميركية) إلى بيروت من عدة مناطق، عند الساعة الواحدة ظهرا (11,00 ت غ) في مدينة كميل شمعون الرياضية بجنوب بيروت، وفق فرانس برس.

وسيشيّع معه القيادي البارز في الحزب، والذي كان مرشحا لخلافة نصر الله، هاشم صفي الدين، الذي قتل بضربة إسرائيلية في الثالث من أكتوبر على ضاحية بيروت الجنوبية.

تعد عملية التشييع أول حدث جماهيري لحزب الله منذ المواجهة المفتوحة بين الحزب وإسرائيل التي انتهت بوقف لإطلاق النار في 27 نوفمبر، وخرج منها الحزب ضعيفا سياسيا وعسكريا.

وعلى المستوى الرسمي، سيحضر التشييع رئيس مجلس النواب نبيه بري وسيمثل في الوقت نفسه رئاسة الجمهورية، أما رئيس الحكومة نواف سلام فقد كلف وزير العمل محمد حيدر تمثيله في مراسم التشييع، إضافة إلى حضور شخصيات وزارية ونيابية وحزبية ودينية وعسكرية.

واستقبل مطار بيروت، الأحد، طائرتين إيرانيتين، ضمت وفودا لحضور التشييع، على رأس المشاركين فيها، وزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس مجلس الشورى الإسلامي في إيران محمد باقر قاليباف.

وأعلنت وزارة الداخلية اللبنانية، الجمعة، عن إجراءات تهدف إلى "المحافظة على الأمن والنظام (...) وتأمين أمن المناسبة".

وتمّ تعليق الرحلات الجوية في مطار بيروت من الساعة الثانية عشرة ظهر الأحد (10,00 ت غ) حتى الساعة 4,00 بعد الظهر.

ودعت السفارة الأميركية رعاياها إلى تجنب المنطقة حيث تقام مراسم التشييع، بما فيها المطار.

ونشرت فرق صحية ومستشفيات نقالة وفرق إنقاذ وإطفاء على الطرق المؤدية إلى التشييع، مع تخصيص مسارات خاصة للسيارات ومواقف للقادمين من خارج العاصمة، فيما طلب من الوافدين من الضاحية الجنوبية السير على الأقدام بسبب إغلاق بعض الطرق أمام المركبات.

وحثّ المنظمون على عدم إطلاق النار وعدم التدافع حفاظا على السلامة، فيما أصدر وزير الدفاع قرارا بتجميد تراخيص حمل الأسلحة في لبنان من 22 إلى 25 فبراير.

وأعلن الجيش اللبناني من جهته، وقف العمل بتراخيص التصوير عبر الطائرات المسيرة، من مساء السبت حتى مساء الأحد.

وشكلت غرفة عمليات مقرّها "ثكنة هنري شهاب"، تنسّق بين الأجهزة والقطعات، لحفظ أمن المدينة الرياضيّة ومحيطها، ومحيط مكان دفن السيّد نصرالله.

وبالتوازي، تُتخذ تدابير مماثلة في كل المناطق والأقضية التي سيسلكها المشاركون، والتي سينتشر فيها عناصر أمن من مختلف الأجهزة، على أن تتولى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، إجراءات تسهيل المرور وفتح الطرقات في ظل الازدحام المُرتقب.

كما يقوم الجيش بإجراءات متعدّدة، بعدما رفع درجات الجهوزيّة إلى أعلى مستوياتها، وتحضّر لخطة ضخمة ينفّذها في الساعات التي تسبق موعد التشييع، على أن ينتشر في العديد من المناطق، "مع الأخذ في الاعتبار.. الفرضيّات والهواجس الأمنيّة، وسبل معالجتها سريعاً، خصوصاً داخل مكان الحدث"، وفق مراسلة الحرة في بيروت.

وفي هذا الإطار، يفترض أن ينتشر عناصر الجيش عند المداخل المؤدية إلى المكان، وكذلك داخله، وعلى أسطح الأبنية في المناطق والمخيّمات المحيطة بالمدينة الرياضية.

علي

"أنا مين؟" سأل نفسه، عائدا، على حدود الوطن.

لم يجد جوابا.

منذ غادر لبنان، لم يكن الاسم وحده ما تغيّر.

علي، الشاب الشيعي المنتمي لحزب الله منذ الطفولة، لم يقرر أن يولد عليًّا، ولم يكن يتخيل يومًا أن يصير إيلي، يقول.

من الكشافة إلى القتال

في بيت فقير، في جنوب لبنان، وُلد علي يتيمًا بين عشرة.

أمه، بلا سند، لم تجد ملاذًا سوى في الحزب الذي يفرض حضوره على كل تفصيل في المجتمع: من المدرسة إلى المستشفى، من الطفولة إلى السلاح.

هناك، لم تكن الحياة مجرد حياة؛ بل عقيدة. "نحن على الحق"، يرددونها صباحًا ومساءً. ومنذ الطفولة، صارت البندقية جزءًا من المنهج.

في عمر العاشرة، انضم علي إلى "كشافة الإمام المهدي"، حيث يبدأ الغرس العقائدي والعسكري معًا. "دورة محو الأمية" لم تكن كما توحي تسميتها؛ بل تدريبًا أوليًا على حمل السلاح. في الثانية عشرة، كان الطفل الصغير يعرف كيف يفكك البندقية، وفي الثالثة عشرة، كان يفتخر باستشهاد أصدقاء في التدريبات.

يصف علي دورات القتال بأنها "مزج من العسكر والعقيدة"، لكن العقيدة كانت الغالبة دائمًا. يتعلم المنتسبون أنهم يدافعون عن "أمة، عن شرف، عن طائفة"، وأن كل ما هو خارج هذا المسار مشبوه، خطر، أو "كفر".

عالم بالألوان

لكن العالم ليس أبيض وأسود. في سن الثامنة عشرة، بدأت تظهر تصدعات الشك. تعرّف علي على أصدقاء خارج "الخط"، وبدأ يرى شيئًا مختلفًا: حياة أخرى، حوارات، ضحك، نساء، ملابس ملونة، وموسيقى. كلها ممنوعة.

في إحدى الليالي، عاد إلى البيت متأخرًا، فصفعته أمه بركوة قهوة. تلك الصفعة لم تكن مجرد غضب أم، بل لحظة صدع.

"هل هذا هو الحق؟"، تساءل لأول مرة.

ومن هذا السؤال، بدأ كل شيء يتغير.

الهروب من القدر

رفض علي دعوة الحزب للانضمام إلى دورة تؤهله ليصبح "متفرغًا". كان يعلم أن القبول بها يعني بلوغ نقطة اللاعودة. فقرر أن يغادر. هرب من عائلته، من أصدقائه، ومن اسمه.

سافر إلى تركيا، ومنها حاول عبور البحر إلى أوروبا على "قوارب الموت". غرق ثلاث مرات. في كل مرة، كان الموت قريبا وكان كأنه يولد من جديد. أعادته النجاة إلى السؤال الأصلي: من هو؟ وماذا يريد أن يكون؟

من علي إلى إيلي

بعد فشل محاولة اللجوء، عاد إلى لبنان. في مطار بيروت، وقف حائرًا: لا أهل، لا أصدقاء، ولا خط عودة إلى الحزب. دق باب صديق قديم، فأتاه الجواب:

"في عائلة بدها حدا يساعدها... بس في مشكلة: اسمك علي".

ضحك، وقال: "خليه إيلي".

هكذا بدأ فصلاً جديدًا من حياته، يعيش مع عائلة مسيحية، يذهب معهم إلى الكنيسة، يشاركهم التراتيل، ويشعر لأول مرة بأنه إنسان، فقط إنسان.

"أنا مين؟" يعيد السؤال، هذه المرة بثقة أكبر. لا يريد أن يكون تابعًا، ولا أن يُملى عليه ما هو الحق وما هو الباطل. "بدي أكون إنسان يقرر، يشوف، يعرف".

تغير الاسم، بقي السؤال، لكن صارت لديه حرية البحث عن إجابة.