الجيش اللبناني يباشر الانتشار جنوبا بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ - حساب الجيش على إكس
الجيش اللبناني يباشر الانتشار جنوبا بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ - حساب الجيش على إكس

بحث وفد أميركي ترتيبات وقف اطلاق النار بين لبنان وإسرائبيل، مؤكدا دعم الولايات المتحدة للعملية السياسية في لبنان.

وقال رئيس الوفد السيناتور روني جاكسون بعد لقائه الرئيس اللبناني جوزاف عون، إن واشنطن تريد أن تلمس مرحلة جديدة من السلام والاستقرار في لبنان والشرق الأوسط في ظلّ التغيّرات الكثيرة التي تشهدها المنطقة.

وأشار جاكسون إلى أن الولايات المتحدة تريد أن يكون الأمن في لبنان محصورا بيد الجيش وبشكل كامل وترفض أن يلعب حزب الله هذا الدور، مضيفا أن الجيش وحده مسؤول عن ضمان أمن الحدود.

في مقابلة خاصة مع قناة "الحرة"،قال ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط، إن الحكومة اللبنانية وافقت على تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701.

وأضاف أن هذا يتضمن أيضًا تنفيذ قرار 1559، الذي يطالب بنزع سلاح جميع الميليشيات في لبنان وضبط الحدود اللبنانية.

وأكد شينكر أن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام تعهدا بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، والعمل على بسط الأمن في كافة المناطق لضمان أن يصبح لبنان "دولة ذات سيادة كاملة".

إلا أن شينكر يرى أن الجيش اللبناني، الذي قدر قوامه بحوالي 65 ألف جندي، لا يزال أمامه الكثير من التحديات، أبرزها توفير الرواتب الشهرية للجنود، وقلة أعدادهم، "ما يشكل صعوبة في تأمين الحدود مع سوريا وتنفيذ مهمات حفظ الأمن في المدن الداخلية والمناطق الجنوبية".

وأشار شينكر إلى أن الحكومة اللبنانية كانت قد تعهدت بنشر 100 ألف جندي في جنوب لبنان، "لكن لم يتم بلوغ هذا الهدف بعد". 

وأضاف أن الطريق لتحقيق ذلك ما زال طويلاً، وأن الحكومة اللبنانية ليس أمامها سوى الالتزام بقرارات مجلس الأمن واتفاق وقف إطلاق النار لتحقيق تحول جوهري في لبنان ليصبح دولة ناجحة وذات سيادة كاملة.

من جهة أخرى، أكد النائب اللبناني السابق الدكتور فارس سعيد، في حديثه مع "الحرة"، أن الدستور اللبناني و"اتفاق الطائف" يمثلان الأساس الذي ينظم العلاقة بين اللبنانيين والدولة، ويشكلان المرجعية التي استندت إليها قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالوضع اللبناني.

وأضاف سعيد أن لبنان، حتى قبل صدور هذه القرارات، كان ملزمًا وفقًا للدستور و"اتفاق الطائف" بفرض سيادة الدولة على كامل أراضيه، معتبرًا أن المطالب الأميركية هي مطالب مشروعة يدعمها جميع اللبنانيين.

وأوضح سعيد أنه يجب تطبيق قرارات مجلس الأمن بشكل تدريجي ومنظم، مشددًا على ضرورة أن تعتمد الحكومة اللبنانية سياسة جديدة وجادة تبتكر وسائل أكثر فاعلية لتنفيذ الدستور وتطبيق القرارات الدولية دون أي التفاف أو تلاعب، كما حدث في فترات سابقة، حسب تعبيره.

الرئيس اللبناني جوزاف عون أوضح خلال استقباله السيناتور روني جاكسون أن "الاستقرار في الجنوب وعلى طول الحدود، يتطلب انسحاب الاسرائيليين من التلال التي تمركزوا فيها واعادة الاسرى اللبنانيين الذين احتجزوا خلال الحرب الاخيرة، وهذا الموقف اللبناني ثابت ونهائي".

وأكد عون، بحسب بيان للرئاسة اللبنانية، أن "الجيش اللبناني انتشر في القرى والبلدات التي انسحب منها الاسرائيليون، وهو جاهز للتمركز على طول الحدود"، لافتًا الى ان "التعاون قائم بشكل جيد مع القوات الدولية العاملة في الجنوب بهدف تطبيق القرار 1701 وما ورد في الاتفاق الذي تم التوصل اليه في 27 تشرين الثاني الماضي"،

وبحسب الرئاسة اللبنانية، فأن السيناتور روني جاكسون شدد على أنه سيعمل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزملائه الشيوخ والنواب من أجل توفير الدعم المادي والتجهيزي اللازمين للجيش اللبناني

وبشأن انسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط الخمس التي بقيت فيها بجنوب لبنان، قال جاكسون إن الولايات المتحدة ستواصل العمل لمحاولة التوسط والقيام بدور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، مشيرا الى أهمية إعادة ترسيم الحدود بالكامل، وأن يكون للبنان السيطرة الكاملة على حدوده، وأن تكون هذه الحدود آمنة.

وانسحبت القوات الإسرائيلية، فجر الثلاثاء، من 9 قرى لبنانية، وأبقت وجودها في 5 نقاط رئيسية على طول الحدود في جنوب لبنان.

وبهذا الصدد قالت الرئاسة اللبنانية،  إن بيروت ستعتبر أي استمرار للوجود الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية "احتلالا"، مع انتهاء مهلة انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، وبقاء قواته في خمس نقاط جنوبي البلاد.

وأكد بيان صادر عقب اجتماع بين رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، أن لبنان "سيتوجه إلى مجلس الأمن الدولي للمطالبة بمعالجة الخروقات" الإسرائيلية.

وأشار البيان إلى أن لبنان سيواصل العمل والمطالبة عبر "اللجنة التقنية العسكرية للبنان" والآلية الثلاثية، اللتين نص عليهما إعلان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، من أجل تطبيق بنوده كاملة.

ودخل وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر الماضي. ووافقت الحكومة اللبنانية على استمرار العمل بموجب تفاهم وقف إطلاق حتى 18 فبراير .

حزب الله

في أقصى الجنوب اللبناني، حيث لا يبدو أن إعادة الإعمار قادرة على إعادة عقارب الدمار إلى الوراء، يبرز السؤال مرة أخرى: من يملك القرار في لبنان فعلا؟ الدولة، أم ميليشيا تعمل بالوكالة داخل الدولة؟

عاد هذا السؤال المزمن إلى الواجهة بعد تأكيد نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، في 3 مايو، مرة أخرى،  رفض الحزب التخلي عن سلاحه لصالح سيادة الدولة.

 "سلاح المقاومة باق ولن يُسلَّم مهما اشتدت الضغوط،" قال قماطي. 

العبارة مألوفة، لكنها تتردد اليوم في لبنان المنهار اقتصاديا، المتعثر سياسيا، والمثقل بتبعات حرب لم يكن حزب الله قادرا على خوضها.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين، الجواب بات واضحا. فالحرب الأخيرة مع إسرائيل كشفت حدود قدرة حزب الله العسكرية، وفشله في حماية لبنان من التدمير الواسع النطاق، بل فشله حتى في حماية قياداته. 

ورغم قبوله باتفاق وقف إطلاق النار، الذي اعتبره مراقبون بمثابة "استسلام"، يواصل الحزب تأويل بنود الاتفاق، مصرا على حصر تسليم السلاح في جنوب نهر الليطاني، والاحتفاظ بترسانته في شماله.

الدولة في مواجهة الميليشيا

إصرار حزب الله على الاحتفاظ بسلاحه يتناقض بشكل صارخ مع خطاب القسم الرئاسي والبيان الوزاري، وقرارات دولية أبرزها القرار 1701، والتي تؤكد جميعها حصر السلاح بيد الدولة. ومع ذلك، يصر حزب الله على أن سلاحه لا يزال ضروريا لـ"الحماية والدفاع" رغم أن هذا السلاح نفسه يغرق لبنان أكثر فأكثر في صراعات إقليمية لا طاقة له بها.

"سلاح حزب الله لم يكن يوما لحماية لبنان"، يقول الكاتب والمحلل السياسي علي الأمين، رئيس تحرير موقع "جنوبية"، "الهدف الأساس كان حماية المصالح الإيرانية في المنطقة، من سوريا إلى العراق واليمن".

وفي رأيه، فإن مواجهة حزب الله لإسرائيلي في السابق، لم تكن إلا وسيلة للحفاظ على نفوذ طهران، لا على السيادة اللبنانية. "لبنان لم يكن أولوية، بل جاءت سيطرة هذا السلاح على لبنان لتضعف الدولة والاقتصاد وتساهم في الانهيار المالي والسياسي الذي يعاني منه لبنان حتى اليوم"، كما قال في حديثه لـ"الحرة".

سلاح بلا مهمة

يصف الأمين تصريح قماطي بأنه "نوع من المكابرة". ويضيف: "إذا كان المقصود بالسلاح مواجهة إسرائيل، فسلاح حزب الله فشل فشلا ذريعا في حماية لبنان، بل في حماية قيادته والبيئة الحاضنة ووفر فرصة لإسرائيل لتدمير وتهجير عشرات القرى والبلدات الحدودية".

التناقض جلي: كيف يمكن لحزب أن يشارك في المؤسسات الدستورية للدولة بينما يحتفظ بميليشيا مسلحة خارجة عن سلطتها؟

أداة بيد طهران

من جانبه، يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي أن تمسك حزب الله بسلاحه يعكس تطورات تتجاوز حدود لبنان.

"يتبدّل خطاب الحزب تبعا لمسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية، والوضع في اليمن، ومصير سلاح الحوثيين"، يشرح الزغبي، "حتى تصريح قماطي الأخير جاء، بعد ثلاثة أسابيع من الصمت، بطلب إيراني على الأرجح، في إطار لعبة التفاوض الأوسع".

ويشير الزغبي إلى أن طهران تسعى لضبط إيقاع أذرعها: إيقاف ضربات ضد الأميركيين، الاستمرار في الضغط على إسرائيل، والمحافظة على ورقة السلاح للتفاوض.

درع مُكلف

ينتقد كثير من اللبنانيين سلاح الحزب باعتباره درعا جلب الخراب بدلا من الحماية. المحلل السياسي خالد ممتاز كتب على منصة أكس "لو كان سلاح حزب الله رادعا، لما تجرأت إسرائيل على استهداف قياداته، ولما بلغت خسائر لبنان 14 مليار دولار، ولا تدمرت مئات القرى بالكامل".

ويضيف: "سلاح الحزب له قيمة فقط في الداخل، لذلك نطالب بتفكيك المنظومة الأمنية المرتبطة به، لأن كواتم الصوت والمتفجرات قتلت خيرة الناس وساهمت في دمار الدولة وإفلاس البنوك ووصول الفاسدين إلى السلطة".

بين البقاء والاندثار

يعتقد الأمين أن الحزب يتمسك بسلاحه لأنه لا يستطيع الاستمرار من دونه. "نزع السلاح يعني تحوّله إلى حزب سياسي عادي، ما يفقده جزءا كبيرا من النفوذ القائم على المال والسلاح والتبعية الكاملة لإيران".

لكن هذا النفوذ يأتي بثمن داخلي متزايد. "حين يتحول السلاح إلى أداة لتخويف المجتمع وفرض القرار، يُغذي الطائفية ويزيد الانقسام"، يحذر الأمين.

ويدعو الحكومة إلى الحزم إذ "لا يجوز للدولة أن تتعايش مع ميليشيا. إما أن يلتزم الحزب بشرعية الدولة، أو أن يخرج منها. لا وجود لمنطقة وسطى".

وهم المقاومة

بحسب الزغبي، فقدت ذريعة المقاومة صلاحيتها بعد الهزيمة أمام إسرائيل. ويقول: "لم يعد بإمكان الحزب الادعاء بأن سلاحه يحمي لبنان، إذليس باستطاعته حتى حماية معاقله".

ويرى أن تذرّع الحزب بخطر التكفيريين وسوريا هو محاولة جديدة لتبرير بقاء السلاح، لكنه يضيف: "الحماية الحقيقية لا تأتي إلا من الدولة وشرعيتها".

ورغم ذلك، لا يتردد حزب الله في مطالبة الدولة بالحماية من الغارات الإسرائيلية، وبالدعم في إعادة الإعمار، بينما يُصر على التفرد بالسلاح. هذا التناقض يعمّق أزمة الشرعية والحكم في لبنان.

البُعد الدولي

تتجاوز تداعيات احتفاظ حزب الله بسلاحه حدود لبنان. فالدعم الدولي مشروط بسيادة الدولة الكاملة. أما إسرائيل، فتحذر من أنها قد تتصرف بمفردها إذا عجزت الدولة اللبانية عن ضبط الميليشيات.

بالنسبة للأمين، لم تعد مسألة السلاح داخلية فقط. فالحزب وافق على اتفاق وقف إطلاق النار. "تصريحاته اليوم تهدف لإشعال أزمة داخلية، لكنها لن تغيّر الموقف الدولي".

ويحذر من أن المماطلة ستزيد من كلفة نزع السلاح على اللبنانيين.

ويذهب الزغبي في الاتجاه ذاته: "ما دام الحزب مسلحا، سيبقى لبنان غير مستقر. السلاح يمنع قيام الدولة، ويُبقي الطوائف في حالة ترقب وقلق دائم من مواجهات جديدة".

ضرورة وطنية

في الذكرى السنوية لأحداث 7 أيار، كتب العميد المتقاعد بعرب صخر، الباحث في شؤون الأمن القومي: "يوم عار كشف الستار عن الوجه القبيح لحزب إيران في لبنان، وبين أن سلاحه ليس من أجل لبنان، بل على لبنان".

وأضاف في منشور على أكس: "اليوم المجيد هو اليوم القريب الذي ننزع فيه هذا السلاح، سلاح الدمار والغدر والاغتيال، والعبثية والتبعية لأعداء لبنان".

ويخلص الزغبي إلى القول إن على الدولة اللبنانية "حصر السلاح في يدها" وذلك "كي تنجح في تحقيق وعودها بالاستقرار والسيادة والإصلاح. فنزع السلاح غير الشرعي سواء كانت هويته لبنانية أو غير لبنانية هو الشرط الأول لنجاح الإصلاح واستجرار أموال المساعدات العربية والدولية المخصصة لإعادة الإعمار، وكذلك لاستعادة ثقة العرب والعالم وتشجيع السياحة وأموال الاستثمارات" في لبنان.