مبنى مصرف لبنان في بيروت - رويترز
مبنى مصرف لبنان في بيروت - رويترز

حاكم مصرف لبنان الجديد.. بين الوعود والتحديات الاقتصادية

قال حاكم مصرف لبنان المركزي المعيّن حديثا، كريم سعيد، إن على المصرف التركيز على مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهما من أبرز مخاوف الولايات المتحدة، التي تريد منع جماعة حزب الله اللبنانية من استخدام النظام المالي والتدفقات النقدية عبر البلاد لإعادة بناء نفسها. فهل الحاكم الجديد للمصرف جاد فعلاً في هذا المسعى؟ وهل لديه الأدوات التنفيذية للقيام بذلك؟

أسئلة طرحناها على المحلل السياسي، أمين بشير، الذي أكد في حديث لموقع "الحرّة" أن "من يعرف حاكم المصرف المركزي كريم سعَيد ويعرف خلفيته جيدا، أولاً كمحامي منتسب إلى نقابة نيويورك ويعمل ضمن القوانين الأميركية وساهم في وضع السياسات المالية في العديد من الدول العربية والعمل المصرفي فيها، يدرك أن الرجل يعمل في إطار منظومة القوانين العامة الدولية ولاسيما ضمن الانتظام المالي العام لقوانين المصارف وسيكون الرجل الأمثل لمعرفة الثغرات التي تدخل عبرها عمليات تبييض الأموال وتمويل الإرهاب".

ويشير بشير إلى أنّ "حاكم المصرف المركزي الجديد هو الرجل الأمثل لمكافحة هذه الجرائم وهو الرجل المناسب في المكان والتوقيت المناسبِيَن، فلبنان يعيش تحديات كبيرة لاسيما بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وقطع طرق إمداد حزب الله في الداخل وبالتالي بعد هزيمة حزب الله عسكرياً في حربه الأخيرة مع إسرائيل والقرار الدولي بتجفيف مصادر تمويل الحزب عبر العقوبات التي طالت أعضاءه والأشخاص الذين يعملون معه وبالتالي هذا القرار الدولي أغلق مصادر التمويل التي كانت تأتي لحزب الله من سوريا، التي كانت المنفذ الوحيد غير الشرعي له والتي تخوله أن يموّل نفسه وأن يحتكر تجارة الكبتاغون وتجارة المخدرات وتزوير العملة وتجارة الأعضاء".

ويضيف المحامي والمحلل السياسي أنّه "بعد إغلاق المنافذ المحلية لحزب الله في ظل الإجراءات الأمنية المشددة اليوم في مطار بيروت بعد تهديدات إسرائيلية سابقة بقصف المطار في حال تبيّن نقل أموال من إيران لصالح حزب الله، والإجراءات المشددة المتخذة أيضا في المرفأ أو عبر التحويلات الخارجية واستقدام أموال الكاش".

وتابع "وبالتالي الخناق يضيق على حزب الله، ربما سيبحث عن مصادر أخرى لتمويل نفسه وربما يأتي من الداخل إذ أصبح لحزب الله باع طويل في التعامل مع الدولة اللبنانية على مرّ السنوات الماضية والتي سيطر فيها على الدولة ومؤسساتها واستطاع زرع الكثير من أتباعه فيها كما تمكن من السيطرة أيضا على المنظومة المالية الداخلية ودخل إلى البنوك ونستذكر البنك اللبناني الكندي وعملية إقفاله عام 2011 بعد أن فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات عليه بتهمة استخدام حساباته من جانب أشخاص ناشطين في تجارة المخدرات والسلاح لمصلحة حزب الله إضافة إلى غسل الأموال مما أدى إلى إغلاق المصرف ودمجه مع مصرف لبناني آخر وفق خطة للاستحواذ نفّذها المصرف المركزي اللبناني حينها".

ويضيف بشير أن "حزب الله سيبحث عن ملاذٍ آمنٍ له كي يستعيد تمويله إن كان عبر موضوع القرض الحسن أو مؤسسات الدولة نفسها، من هنا يقع على عاتق الحاكم الجديد للمصرف المركزي دور مهم وكبير جدا، وفي كلمته كان واضحاً الحاكم الجديد عندما تحدث عن الاحتكام إلى قوانين النقد والتسليف والقوانين المالية".

ويرى "أنه في حال تم تطبيق فقط هذه القوانين فهذا يعني أن مؤسسة القرض الحسن التابعة لحزب الله ستصبح خارج المنظومة المالية الشرعية في لبنان، وهذا يعني أنّ الصرّافين التابعين لحزب الله سيصبحون أيضاً خارج المنظومة الشرعية، ما يعني أن كل الشركات المالية التي فتحت مؤخرًا وحلّت في أحيان كثيرة، مكان صندوق خزينة الدولة أو المالية في المؤسسات العامة مثل شركات تحويل الأموال من دون ذكر الأسماء أو من خلال الطوابع المالية التي فُقدت في أوقات معينة من السوق، هذا يدل على عمل مؤامراتي داخل الدولة أن تأتي هذه الشركات المالية وتحلّ مكان الدولة وتصدر إيصالات مكان الطوابع وهذه عمليات تمويل غير مباشرة لأشخاص أو لمنظمات تقف وراء هذه الشركات".

وأوضح أن "دور حاكم المركزي مهم ّجدا، خارجيًا وداخليًا، على المستوى الخارجي: إعادة لبنان إلى الانتظام المالي العام وعلاقته بالمجتمع الدولي وإعادة هيكلة المصارف وهو أمر مهم جدًا ولكن الأهمّ وقف الأعمال غير المشروعة لحزب الله والذي ضرب فيها سمعة لبنان الخارجية، إن كان من خلال تحويل الأموال أو عبر ضرب البنوك في لبنان والمستفيد الأول كان حزب الله. إضافة إلى تحويل الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد الكاش الذي أتاح لحزب الله إدخال ما يريد من الأموال بعد أن كان صعبًا عليه في السابق بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على عناصر وأفراد وكيانات تابعة له، وبالتالي أصبح لبنان ساحة لتبييض الأموال وإدخال الأموال نقداً بكميات كبيرة".

وأشار إلى أنه "في السابق كان يتعذر شراء أي شيء من دون التصريح عن مصدر الأموال، بالتالي هذه المهمة تقع اليوم على عاتق الحاكم الجديد للمصرف المركزي أن يوقف اقتصاد الكاش الذي يستفيد منه حزب الله الذي استطاع من خلاله تبييض الأموال أن يشكّل سوقًا كبيرًا للعملة المزوّرة بعد اكتشاف مراكز كثيرة لها على الحدود اللبنانية- السورية عندما كان الأمن العام السوري يحرر مناطقه"، وهنا يستذكر بشير "العملة الورقية من فئة 50 دولار المزوّرة التي تم ضخها بوفرة في السوق واكتشف فيما بعد أنّ عملية طباعتها تمت عبر أماكن غير شرعية على الحدود اللبنانية السورية".

ولفت بشير إلى أنّه "كان هناك علامات استفهام كبيرة حول مؤسسي تلك الشركات المشبوهة وارتباطهم بحزب الله، ولإعادة انتظام الاقتصاد اللبناني يجب وقف المؤسسات المالية غير الشرعية عبر مبدأ تطبيق القوانين اللبنانية، وهو ما يحرص عليه جدًا حاكم المركزي كريم سعيد، وبالتالي سيتم تجفيف كافة منابع الأموال غير الشرعية التي تذهب لصالح حزب الله، وهذا الأمر مطلوب في إطار القرار الأممي رقم 1701 وهناك إصرار بضمانة دولية على تطبيقه".

وتابع "لبنان اليوم هو تحت المجهر الدولي ليس فقط لتطبيق القرار 1701 عسكرياً إنما لمراقبة تطبيق كل بنوده ومن بينها تجفيف منابع حزب الله المالية، ووقف أي تمويل له إن كان لأعضاء أو شخصيات أو مؤسسات أو حتى أن يقوم حزب الله بإنشاء مؤسسات أو شركات تكون واجهة لتبييض أموال يتخذها ستارة للاختباء وراءها في أعماله المشبوهة وبالتالي هذه مهمّة ملقاة على عاتق حاكم المركزي الجديد لمراقبة أي عمل غير شرعي تقوم به هذه المؤسسات بالداخل في لبنان لإيقافها".

وأكد أن كريم سعيد "أتى بدعم دولي وهو اليوم أيضا تحت المجهر ومطلوب منه تنفيذ القوانين اللبنانية التي تحمي لبنان واقتصاده وتعيد البلد إلى كنف المجتمع الدولي كي يدخل من جديد في المنظومة المالية للمجتمع الدولي وللأسف حزب الله كان أخرجه منها في السنوات الأخيرة".

إخراج لبنان من اللائحة الرمادية

من جانبه يرى محمد فحيلي، الباحث في كلية سليمان العليان للأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، وهو استراتيجي مخاطر، واقتصادي سياسي ونقدي، في حديثه إلى موقع "الحرّة"، أنّ "مع تعيين حاكم لمصرف لبنان والكم من التحديات التي تنتظره فإنّ مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب من أولوياته".

وفي هذا السياق يشير فحيلي إلى أنّ "إخراج لبنان من اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي مسألة مهمّة ومن غيرالممكن إنجازها من قبل طرف واحد. وإذا فشلت أي سلطة أو قطاع في تنفيذ الإصلاحات اللازمة، فإن الجهد بكامله ينهار. يعتمد نجاح المهمّة على تحقيق الخطوات التالية: إنشاء فريق عمل وطني لضمان حسن تنفيذ خارطة الطريق التي تقدمت بها مجموعة العمل المالي، وتنفيذ إجراءات مساءلة صارمة لمراقبة الامتثال ومعاقبة عدمه، تأمين الإرادة السياسية والالتزام بضمان تصويب الأداء وتنفيذ الإصلاحات دون تدخل".

وأضاف "إذا فشلت إحدى مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص، يظل لبنان على اللائحة الرمادية؛ إما أن ينجح الجميع أو لا أحد!".

ويلفت فحيلي في حديثه لموقعنا إلى أنّ "إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF) شكّل ضغطاً كبيراً على نظامه المالي الهش أصلاً وعلى الدولة أن تفي بمتطلبات الامتثال الصارمة للخروج من هذا المأزق. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف ليس مسؤولية طرف واحد. ويتطلب جهدا منسقاً وجماعياً عبر سلطات متعددة، لأن فشل كيان واحد سيعرض العملية برمتها للخطر. النجاح الجزئي ليس خياراً - إذا فشل أي كيان مسؤول في الوفاء بالتزاماته، سيبقى لبنان على القائمة الرمادية. يجب تحديد الإجراءات الرئيسية التي يجب على لبنان اتخاذها وتحديد مسؤولية كل من طرف ذات صلة، مع التأكيد على ضرورة اتباع نهج الإصلاح القائم على كل شيء أو لا شيء - All or Nothing".

فجوات الامتثال الحالية

يسلط تقييم مجموعة العمل المالي للبنان الضوء على أوجه القصور في العديد من المجالات الرئيسية، بما في ذلك قوانين تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، والعناية الواجبة للعملاء، ومصادرة الأصول، وشفافية الملكية المستفيدة، والتعاون الدولي. تتطلب معالجة هذه القضايا جهداً متزامناً من قبل جميع السلطات المسؤولة. الامتثال الجزئي غير كاف، لأن مجموعة العمل المالي تتطلب إصلاحات شاملة يتم تنفيذها وإنفاذها بشكل فعال. إذا فشلت أي مؤسسة بمفردها، فإن النظام بأكمله ينهار، مما يضمن استمرار العزلة المالية والإضرار بالسمعة.

وعدد الاقتصادي محمد فحيلي الإجراءات الأساسية ومنها:

1. تعزيز قوانين تبييض الأموال وتمويل الإرهاب

تسمح الثغرات في الإطار القانوني اللبناني بحدوث تجاوزات في تبيض الأموال وتمويل الإرهاب.

تعديل التشريعات لتتماشى تماماً مع الأداء المسؤول، وضمان عقوبات متناسبة ورادعة، وتجريم جميع الجرائم الأصلية.

وزارة العدل، والقضاء، وهيئة التحقيق الخاصة، والبرلمان هم السلطات المسؤولة عن ضمان نجاح هذه الجهود.

ولكن إذا نجح واحد فقط من هذه الكيانات بينما فشلت كيانات الأخرى، سيظل لبنان غير ممتثل، وستستمر الأنشطة الغير مشروعة.

2. تعزيز مصادرة الأصول

هناك ضعف في الآليات المعتمدة لتحديد الأصول غير المشروعة وتجميدها ومصادرتها.

إنشاء مديرية مخصصة لإدارة الأصول، وتعزيز الأطر القانونية، وتدريب أجهزة تطبيق القانون على أفضل الممارسات في استرداد الأصول.

وزارة العدل، وزارة الداخلية، هيئة التحقيق الخاصة، والقضاء مسؤولين عن ضمان حسن التنفيذ.

الإنفاذ السليم هو الممر الإلزامي للحدّ من استغلال الثغرات المالية ويساهم في خروج لبنان عن اللائحة الرمادية.

3. تنظيم المنظمات الغير حكومية (NGOs) والتي لا تبغي الربحية (Non-Profit Organization) لمنع إساءة الاستخدام

غياب الرقابة على مصادر تمويل هذه المنظمات يجعلها عرضة للاستغلال.

يجب أن يكون التسجيل الإلزامي، وإجراء تقييمات المخاطر، وتعزيز الرقابة والتدقيق.

وزارة الداخلية، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ومركز الاستخبارات المالية، والجهات التنظيمية المالية ذات الصلة هم من يتحمل مسؤولية حسن التنفيذ والامتثال.

المسؤولية للجميع وعلى الجميع أو يستمر إساءة استخدام هذه المنظمات للتمويل غير المشروع مما يعيق إخراج لبنان عن اللائحة الرمادية.

4. تعزيز العناية الواجبة للعملاء (CDD) ومراقبة الأشخاص المعرضين سياسيا (PEP)

هناك ضعف في تطبيق CDD، خاصة بالنسبة للأفراد المعرضين لمخاطر عالية.

واجب نشر التوعية وتفعيل العناية الواجبة المعززة (EDD)، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية، وفرض إشراف تنظيمي أكثر فعالية.

مصرف لبنان، المؤسسات المالية بمختلف أنواعها وأشكالها، جمعية مصارف لبنان، ومكونات القطاع الخاص عليهم مسؤولية ضمان حسن التنفيذ والامتثال.

يجب أن يكون التنفيذ متين وموحد وعدم ترك فجوات، مما يسمح للجهات الفاعلة غير المشروعة باستغلال النظام.

5. تحسين الشفافية في الملكية المستفيدة - Beneficial Owner

إن عدم وجود سجل مركزي يمكن الوصول إليه لمعلومات الملكية المستفيدة يسمح في ارتكاب الجرائم المالية.

يجب إنشاء سجل وطني للملكية المستفيدة، وإنفاذ متطلبات الإبلاغ، وتنفيذ آليات التحقق.

الجهات المسؤولة عن ضمان حسن التنفيذ والامتثال هم وزارة العدل، وزارة الاقتصاد والتجارة، مصرف لبنان، ومراكز الاستثمار - Investment Authorities.

التنفيذ المطلوب هو عبر جميع الكيانات ذات الصلة؛ غير ذلك يبقي معلومات الملكية المستفيدة غامضة، مما يعزز مخاوف مجموعة العمل المالي.

6. تعزيز تنظيم التقنيات الجديدة (AI) والأصول الافتراضية (Virtual Assets)

يؤدي عدم وجود إطار تنظيمي واضح للأصول الافتراضية إلى مخاطر الجرائم المالية.

وضع إطار تنظيمي شامل ومتماسك، وإجراء تقييمات للمخاطر، وزيادة الوعي بين المؤسسات المالية أصبح واجب.

الجهات المسؤولة عن ضمان حسن التنفيذ والامتثال هي وزارة المالية، مصرف لبنان، ومراكز الاستثمار.

إذا فرضت سلطة واحدة فقط اللوائح بينما تأخرت سلطة أخرى، فسيستمر المجرمون الماليون في وجود واستغلال الثغرات.

7. تعزيز التعاون الدولي وإجراءات تسليم المجرمين

التأخير وعدم الكفاءة في الاستجابة لطلبات المساعدة القانونية المتبادلة وتسليم المجرمين مصدر قلق.

تعديل القوانين لتسريع الإجراءات والتفاوض على المعاهدات الثنائية وتعزيز قدرات السلطات المعنية.

الجهات المسؤولة عن ضمان حسن التنفيذ والامتثال هي وزارة العدل، ووزارة الخارجية، والقضاء، وهيئة التحقيق الخاصة.

سيؤدي الفشل في أطر المساعدة القانونية المتبادلة إلى إبقاء لبنان معزولا عن النظام المالي الدولي.

دور القطاع الخاص

ويرى فحيلي أنّ "القطاع الخاص شريكاً أساساً في جهود لبنان للخروج من اللائحة الرمادية. وبدون تعاونها الكامل، لن يكون أي إصلاح تقوده الحكومة فعالاً". تشمل المسؤوليات الرئيسية ما يلي:

ضمان الامتثال لتدابير العناية الواجبة للعملاء (CDD) وتنفيذ العناية الواجبة المعززة (EDD) للعملاء ذوي المخاطر العالية.

الإفصاح عن الملكية المستفيدة بشفافية لمنع إساءة استخدام هياكل الشركات.

التعاون النشط مع المنظمين لضمان تنفيذ السياسات المتوافقة مع مجموعة العمل المالي.

تطبيق تدابير مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب على المهن عالية الخطورة مثل الوكلاء العقاريين والمحامين وغيرهم.

الامتثال للوائح الجديدة الخاصة بالأصول الافتراضية والتكيف مع مخاطر الجرائم المالية المتطورة.

الاستثمار في التدريب وعمليات تدقيق الامتثال الداخلية للحفاظ على نهج وثقافة الشفافية.

إذا فشل القطاع الخاص في الوفاء بهذه المسؤوليات، فإن جهود لبنان للخروج من اللائحة الرمادية ستنهار، بغض النظر عن مدى جودة أداء أجهزة الدولة.

ويختم الاقتصادي فحيلي حديثه بالقول "إنّ مسار لبنان للخروج من القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي واضح ولكنه متطلب وأنّ النجاح الجزئي يكون بمثابة الفشل، فمن خلال العمل الجماعي والإصلاحات التشريعية والإنفاذ الصارم من قبل جميع السلطات المسؤولة وكيانات القطاع الخاص يمكن للبنان استعادة الثقة في نظامه المالي واستعادة الوصول إلى الأسواق.

وتبقى مهمة حاكم مصرف لبنان حسب كثيرين معقدة في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها لبنان، خاصةً فيما يتعلق بتحقيق توازن بين مكافحة الإرهاب وغسيل الأموال وحماية استقرار النظام المالي الوطني.

حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا
حزب الله تلقى ضربات كبيرة في لبنان عسكريا وسياسيا وماليا

في تطوّر لافت وغير مسبوق، نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤول كبير في حزب الله قوله إن الجماعة مستعدة لمناقشة مستقبل سلاحها مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في سياق استراتيجية دفاع وطني، وذلك بشرط انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس الحدودية في جنوب لبنان ووقف الغارات. الإعلان بحد ذاته شكّل كسراً لما يعتبر أحد أبرز "التابوهات" في قاموس حزب الله منذ تأسيسه.

مصادر سياسية كشفت للوكالة أن الرئيس عون يعتزم إطلاق حوار مع الحزب بشأن السلاح، في إطار ما وصفه بـ"استراتيجية الأمن الوطني"، التي أعلن عن نيّته العمل على صياغتها فور توليه المنصب، مؤكداً أن السلاح يجب أن يكون محصوراً بيد الدولة دون سواها.

هذا التطور يأتي في سياق تصاعد الضغوط الدولية والمحلية على الحزب، حيث أكدت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي زارت بيروت الأسبوع الماضي، موقف واشنطن القوي بضرورة نزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، مشددة على أن هذا يجب أن يتم في أقرب وقت ممكن.

وفي مقابلة مع قناة (إل.بي.سي.آي) اللبنانية في السادس من أبريل، قالت أورتاغوس "من الواضح أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ومن الواضح أن إسرائيل لن تقبل بإطلاق الإرهابيين النار عليها داخل أراضيها، وهذا موقف نتفهمه".

هذا الموقف فتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل حزب الله مستعد فعلاً للدخول في مفاوضات جديّة تنهي الثنائية الأمنية التي أرساها منذ عقود؟ أم أن ما يطرح لا يعدو كونه مناورة سياسية لشراء مزيد من الوقت؟ وما مدى واقعية الرهان على استراتيجية دفاعية وطنية تشمل الحزب؟

لكن الحزب لم يترك التأويلات مفتوحة طويلاً، إذ سارع العضو في مجلسه السياسي غالب أبو زينب إلى توضيح الموقف خلال مقابلة مع قناة "الجديد"، أمس الأربعاء، قائلاً "لم نوافق على تسليم السلاح أو نزعه. نحاور حول كيف يمكن للبنان أن يمتلك أوراق قوة أساسية يستطيع من خلالها أن يحافظ على وجوده في ظل هذه المتغيرات الكبيرة. لن نكون إلا في موقع قوة للبنان، وهذا السلاح ليس معروضاً للتسليم".

واليوم الخميس، قال النائب عن حزب الله حسن فضل الله، خلال مؤتمر صحفي في مجلس النواب، إن الحزب "أبدى كامل الاستعداد للحوار بهدف التوصل إلى استراتيجية دفاع وطني لحماية السيادة اللبنانية"، مؤكداً أن "من أولوياتنا الحفاظ على لبنان محرراً، محمياً وقوياً، وحماية إنجازات مقاومته".

أبعاد إقليمية

رغم مسارعة أبو زينب إلى نفي استعداد الحزب لتسليم سلاحه، إلا أن مجرد ربط هذا السلاح بشروط محددة، "يُفرغ أي حوار مرتقب من مضمونه محوّلاً إياه إلى مجرد فولكلور ووعد نظري"، كما يرى المحلل السياسي إلياس الزغبي، "لأن نزع السلاح مشروط بتنفيذ تفاهمات وقف الأعمال العدائية أي وقف إطلاق النار ابتداء من 27 نوفمبر الفائت وبالقرارات الدولية واتفاق الطائف وخطاب القسم والبيان الوزاري".

ويذهب الزغبي أبعد من ذلك في حديث مع موقع "الحرة"، معتبراً أن الحزب لا يربط سلاحه بشروطه، بل بمصير الحوار الإيراني–الأميركي، ويقول "على ضوء نتائج هذا الحوار يتلقى التوجيه الإيراني بالموقف المناسب، وحتى ذلك الحين يسعى إلى كسب الوقت والمماطلة".

من جانبه يرى رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية، شارل جبور، أن "المشهد الإقليمي يشهد تغييرات جذرية تنعكس بشكل مباشر على وضع حزب الله في لبنان"، معتبراً أن الحزب أصبح أمام معادلة جديدة تفرض عليه التخلي عن سلاحه.

ويقول جبور لموقع "الحرة" إن "المسألة لم تعد مرتبطة بما يقوله حزب الله أو لا يقوله، بل بالواقع الإقليمي المتبدل كلياً"، موضحاً أن "الحزب خرج من الحرب الأخيرة مهزوماً، ووقّع اتفاقاً لوقف إطلاق النار ينص بوضوح على تفكيك بنيته العسكرية في كل لبنان، فيما انقطع طريق إمداده من إيران نتيجة سقوط نظام الأسد".

ويشير جبور إلى أن هذه التطورات تتزامن مع معطيات أخرى لا تقل أهمية، أبرزها "الإعلان الرسمي عن المفاوضات الإيرانية-الأميركية في سلطنة عمان، وتخلي الفصائل المدعومة من إيران في العراق عن مشروع السلاح، بالإضافة إلى إعلان طهران عدم مسؤوليتها عن الحوثيين في اليمن". واعتبر أن "هذه المؤشرات تؤكد أن إيران بدأت إرسال رسائل 'حسن نية' إلى واشنطن، تتماشى مع شروط الأخيرة الثلاثة: التخلي عن الأذرع العسكرية، الصواريخ الباليستية، والمشروع النووي".

والأربعاء، اعتبر رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان أن "ربط مسألة نزع السلاح بقضايا أخرى يُعدّ مخالفة واضحة لتعهدات لبنان، ونكون نُضيّع وقتنا إذا اعتقدنا أن الإصلاح ممكن من دون حصر السلاح بيد الدولة".

كما أضاف في مؤتمر صحافي من المجلس النيابي "سمعنا الوزير غسان سلامة يتحدث عن أن موضوع السلاح خارج الدولة يرتبط بمسألة إعادة الإعمار، ونقول لرئيس الحكومة نواف سلام إن المطلوب منه اليوم هو تدبير سريع بحق الوزير سلامة لأنه يخالف البيان الوزاري والقرارات الدولية، وإن لم يتم فنحن كتكتل الجمهورية القوية قد نطرح الثقة به".

حوار بلا جدوى؟

"نزع السلاح ليس في حاجة إلى الحوار الذي قرره رئيس الجمهورية جوزف عون مدعوماً من الرئيسين بري وسلام"، كما يرى الزغبي "لأن قرار تسليمه "نافذ على أصله" كما في الأحكام القضائية، ولا يتطلّب سوى تنفيذ الاتفاقات والتعهدات المكتوبة، لكن السلطة تبرر الحوار بتفادي الصدام واهتزاز السلم الأهلي كما تقول. وفي أي حال، على هذا الحوار ألّا يطرح مبدأ نزع السلاح، بل الآلية والجدول الزمني للتنفيذ لئلّا يغرق في متاهات تساعد الحزب في المماطلة إلى درجة التملّص من تسليم سلاحه".

ويضيف الزغبي "الواضح أن الرئاسة اللبنانية تطرح "إستراتيجية الأمن الوطني" الأشمل بحيث تكون "الاستراتيجية الدفاعية" جزءاً منها، خلافاً لما يريده حزب الله للاحتفاظ بسلاحه تحت حجة عجز الجيش اللبناني وضرورة بقاء "المقاومة" لمواجهة إسرائيل، كما أن هناك خلافاّ داخله بين فريق متشدد يريد الاستمرار في المواجهة العسكرية وفريق يطالب باستخلاص دروس الحرب والانضواء تحت لواء الدولة، الأمر الذي يضاعف تعقيد الحوار وإفشاله".

من جانبه يقول جبور، "حزب الله أصبح اليوم أمام واقع لا يمكن الانقلاب عليه، ويتوجب عليه أن يتأقلم مع المستجدات، ويتخلى عن مشروعه المسلح، ويسلّم سلاحه".

وفي هذا السياق، لفت جبور إلى أن "المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس وصفت حزب الله بـ'السرطان الذي يجب استئصاله'، بعد زيارتها الأخيرة إلى بيروت، كما أن السفارة الأميركية أعلنت في أعقاب الزيارة أن المحادثات تركزت على شقين أساسيين: سلاح حزب الله والإصلاحات، وأكدت أن لا مساعدات دولية للبنان ما لم يُسلّم الحزب سلاحه للدولة".

وفي السياق، رد رئيس الحكومة نواف سلام، من بكركي أمس الأربعاء، على سؤال حول الجدول الزمني لسحب سلاح حزب الله مؤكداً أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة ستكون قريباً على جدول أعمال مجلس الوزراء، وقال "عندما طُرح هذا الموضوع في مجلس الوزراء، كان جوابي أننا سنطلب سريعاً من الوزراء المعنيين، ولا سيما وزير الدفاع، تزويدنا بتقرير حول ما التزمنا به في البيان الوزاري، وكيف يمكننا التقدم في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية".

فرصة مؤقتة

يعيش لبنان في مرحلة "وقت ضائع"، كما يصفها جبور، "حيث كان يفترض أن تشهد البلاد انطلاقة جديدة مع عودة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، وأن تستعاد الدورة الاقتصادية والمالية. لكن ذلك لم يتحقق، والسبب تمسّك حزب الله بسلاحه".

ويتابع جبور "لقد تبيّن أن هذا السلاح لم ينجح في حماية الحزب، لا خلال الحرب ولا بعدها. وحدها الدولة تمتلك القدرة على تأمين الحماية لجميع اللبنانيين، بما فيهم حزب الله".

ويختم جبور بالتأكيد على أن "موضوع سلاح حزب الله انتهى"، معتبراً أن "كلما تم تسريع احتكار الدولة للسلاح، كلما اقترب لبنان من استعادة عافيته، ومن قيام دولة فاعلة تستعيد سيادتها ودورتها الاقتصادية والمالية".

من جانبه يرى الزغبي أن لبنان "أمام فرصة محدودة في الزمن لتلبية رغبة المواطنين في الاستقرار وشروط المجتمع الدولي، ولا يملك ترف الوقت المفتوح لحوار تم تجربته سابقاً على الطاولات الجامعة وانتهى إلى الفشل".

ولذلك لا بد بحسب الزغبي "من برمجة الحوار ضمن مهلة محددة، وفي حال بلوغه طريقاً مسدوداً تستعيد الدولة مبادرة معالجة السلاح تنفيذاً لكل الوثائق التي تؤكد حصر السلاح في يد الدولة. وإذا تلكأت أو فشلت فإن خطر تجدد الحرب يصبح ماثلاً وتعود إسرائيل إلى تدمير ما تبقى من ترسانات "الحزب"، ويدفع لبنان أثماناً إضافية".