جانب من الحرائق التي اشتعلت في القنصلية الأميركية في بنغازي.
جانب من الحرائق التي اشتعلت في القنصلية الأميركية في بنغازي.

زيد بنيامين
 
طرح مقتل السفير الأميركي لدى ليبيا الثلاثاء، إثر احتجاجات على فيلم قيل إنه مسيء للإسلام، الكثير من التساؤلات حول الأوضاع التي تعيشها العديد من دول الربيع العربي سواء من الناحية الاقتصادية، الاجتماعية والأمنية.
 
وقد دعا مراقبون أميركيون إلى قراءة ما حصل من أعمال عنف في ليبيا ومصر بشكل منفصل.
 
في هذا الإطار، قالت خبيرة السياسة الخارجية في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي إيزوبيل كولمان "اعتقد أن الحقائق التي تأتينا من مصر وليبيا تجعلنا نرى أن الحادثتين في كلا البلدين مختلفتين تماما. ما حصل في مصر هي تظاهرة جاءت بعد أيام من التوتر والمناقشات على شاشات التلفزة وبين القيادات الدينية حول الفيديو وتصاعدت يوم الثلاثاء بتسلق جدران السفارة الأميركية".
 
وأضافت كولمان أن ما حصل في ليبيا كان وضعا مختلفا، خصوصا حينما نجحت المجموعات المسلحة في طرد القوات الحكومية من أمام القنصلية الأميركية في بنغازي.
 
وقالت نحن أمام "وضع خطط له جيدا وتم التسليح له في بنغازي. وهو ما يوضح مدى خطورة الوضع في ليبيا من الناحية الأمنية. فمنذ سقوط (الرئيس الليبي السابق) معمر القذافي لدينا مجموعات مسلحة خارج سيطرة الدولة ولدينا تقارير عن كميات كبيرة من الأسلحة ضاعت ولم يتم العثور عليها بعد سقوط نظام الزعيم الليبي السابق".
 
وربطت كولمان ما حصل في بنغازي بما يحصل في المنطقة، وقالت "وجدنا تلك الأسلحة تظهر في مالي وشاهدنا البعض منها يتم نقلها عبر الحدود إلى مصر، ووصلت إلى شبه جزيرة سيناء".
 
من ناحية أخرى، قال الخبير في الحركات الإسلامية إد حسين إن ما حصل في بنغازي كان له علاقة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر وجاء حصوله في ذكرى تلك الأحداث ليؤكد ذلك.
 
وأضاف حسين "لا يمكن سوى القول إن المتعاطفين مع القاعدة، وجنود القاعدة على الأرض في بنغازي كانوا وراء هذه العملية. تنظيم القاعدة لا يصدر بطاقات عضوية لمن ينتمي إليه، لكنه يقدم مسارا للأحداث. والأشخاص الذين هاجموا القنصلية الأميركية في بنغازي كانوا يسيرون على هذا المسار تماما".
 
وأكد حسين أن وجود "عقلية في العديد من أنحاء العالم العربي تقول بأن الولايات المتحدة في حرب مع الإسلام والمسلمين. وهذه العقلية قادتنا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وقد خفتت في مناطق معينة وتصاعدت في أماكن أخرى بعد تلك الأحداث، لكنها كانت تظهر بين الفينة والأخرى وخصوصاً بعد أحداث العراق وأبو غريب وما يحصل في غوانتانامو وحرق نسخ القران في أفغانستان".
 
ولفت محللون أميركيون إلى أن أغلب الذين شاركوا في تظاهرات سواء في مصر أو ليبيا أو قد يشاركوا في تظاهرات يوم الجمعة المقبل هم ولدوا ونشأوا في أنظمة ديكتاتورية، يظنون أن الحكومات في العالم تتحكم بشعوبها.
 
لذلك، يعتقدون أن الحكومات الغربية هي كحكوماتهم تستطيع أن تملي على مواطنيها ما تريد.
 
في هذا الإطار، قال إد حسين "أن تكون ناشطا سياسيا أو محاربا من اجل الحرية لا يعني أنك تفهم معنى الديموقراطية الحقيقي"، مضيفا "إنهم في رحلة لفهم ذلك حالياً وهذه الرحلة ستكلف الكثير".
 
موقف الحكومات
 
ويطرح موقف الحكومات العربية والإسلامية العديد من الأسئلة، يضاف إليه مواقف الحركات الإسلامية التي صعدت إلى السلطة خلال الربيع العربي.
 
في هذا السياق، قالت كولمان "إن الرئيس محمد مرسي على سبيل المثال دعا إلى اتخاذ أقصى الإجراءات بحق من أنتجوا الفيلم الذي أساء إلى الرسول ولكن في حقيقة الأمر لا يستطيع أحد محاكمتهم".
 
بدوره، قال حسين إن السفارة الأميركية وجماعة الإخوان المسلمين في مصر تعملان جنباً إلى جنب وبصورة قريبة "لكن مرسي بحاجة إلى الحديث بشكل يقربه من الشارع في ظل الأحداث الجارية".
 
وأكد حسين "أن صمت الرئيس مرسي النسبي وجماعة الإخوان المسلمين عموما هو محاولة لتهدئة الجناح السياسي المتشدد في البلاد من جهة"، كما أن الرئيس المصري "لم يعرف عنه حتى الآن أنه قادر على اتخاذ قرارات واضحة".
 
وأضاف حسين أن "قول الشيء الصحيح الآن هو مغامرة كبرى في مصر والرئيس مرسي ليس مستعداً لذلك الآن.. ليس مستعداً لخسارة جزء من شعبيته في الشارع المصري بعد".
 
في المقابل، قالت كولمان إن مرسي "يعي أيضا الغضب الأميركي لما حصل في مصر وهو ما يقيد أي ردة فعل إضافية".
 
وهنا تطرح الأسئلة حول كيفية تعامل الولايات المتحدة مع هذه الأزمة.
 
توقعت كولمان "أن تعتمد الولايات المتحدة خلال الفترة المقبلة أكثر على جمع المعلومات" بدل الاعتماد على طائرات بدون طيار لقصف تجمعات التنظميات المتشددة في ليبيا.
 
في المقابل، قال حسين إن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن تنظيم القاعدة والتنظيمات المتشددة عموماً تسعى لتحطيم أواصر الصداقة بين واشنطن ودول الربيع العربي وهو ما يجب أن يدفع الولايات المتحدة إلى "تحقيق تواجد أكبر ومحاولة تقوية هذه الحكومات من اجل وضعها على الطريق الصحيح لضبط الأمور في الشارع".

رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر،
رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر،

قال رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر، إن المصالحة الوطنية "تهدف إلى تهيئة المناخ لانتخابات حقيقية ونزيهة، يعبر فيها الليبيون عن صوتهم الحقيقي".

وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كانت الأطراف الليبية مستعدة للانتخابات، أوضح حفتر في مقابلة خاصة مع قناة "الحرة"، أن "هناك عملا متواصلا لتحضير الشعب الليبي وتهيئته لإقامة انتخابات، تنتج عنها حكومة تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه".

وشدد حفتر على أن المصالحة الوطنية "يجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء"، مؤكداً أن "الأيدي ممدودة للجميع، ونعمل على الجلوس والاستماع لكافة الأطراف".

وتعاني ليبيا من الانقسامات منذ سقوط معمر القذافي عام 2011، وتديرها حاليا حكومتان متنافستان: واحدة في طرابلس (غرب) بقيادة عبد الحميد الدبيبة ومعترف بها من الأمم المتحدة، والأخرى في الشرق بقيادة أسامة حمّاد ومدعومة من مجلس النواب وخليفة حفتر.

وكان مقررا إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ديسمبر 2021، لكنها أرجئت إلى أجل غير مسمّى بسبب الخلافات والانقسامات السياسية والتهديدات الأمنية.

وبشأن مدى شرعية الهيئة الوطنية للمصالحة، اعتبر حفتر أن "شرعيتها تنبع من الليبيين أنفسهم"، قائلا إنه "زار أغلب القبائل الليبية في المنطقة الشرقية والجنوبية، وجلس مع مشايخهم، وكلهم يؤيدون جهود المصالحة".

وعن الجديد الذي تقدمه المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية مقارنة بالمسارات السابقة، شدد حفتر على "لقاء الليبيين على أرض ليبية، والعمل على أن تجمع المصالحة كافة الأطراف دون استثناء أي طرف ليبي".

واعتبر حفتر أن مسار المصالحة الوطنية ومنتهاها هو "تحقيق الاستقرار.. للنمو الاقتصادي وانتعاشه"، مشدداً على أن هذا هو "الطريق لتوحيد المؤسسات الاقتصادية".

وفي رده على سؤال عن ضحايا الصراعات، مثل النازحين وأسر المفقودين وضحايا الانتهاكات، وضمانات حصولهم على العدالة، أكد حفتر أن "الإرهاب أضر بليبيا، ودُفعت تضحيات كثيرة في سبيل القضاء عليه، وسيتم التعويض بحسب قانون الجبر والضرر على المتضررين".

ولفت إلى أن "جبر الضرر والتعويض للضحايا هو حق مكفول بالقانون"، مضيفا: "هذا لا يمكن لأحد أن يزيد فيه أو ينقص".

وشدد على أن الخطر الحقيقي الذي كان يهدد الليبيين هو وجود الإرهاب، معتبرا أن "الإرهاب اجتث في ليبيا من جذوره، على عكس بلدان أخرى".

وأشار حفتر إلى أن الخطوة الأولى في المصالحة هي "الجلوس مع الجميع"، وقال: "بدأنا ومضينا فيها وقطعنا أشواطاً كبيرة"، مؤكداً أنه على "استعداد للذهاب إلى كل مدينة في ليبيا".

وأضاف أنه تم الاحتفال بعيد السنة الأمازيغية، قبل أسابيع قليلة، لأول مرة على مستوى ليبيا كلها، بعد أن اقتصرت الاحتفالات على طرابلس ومناطق أخرى.

حملات أمنية ضد الهجرة الشرعية في ليبيا
الأمم المتحدة تحذر.. ماذا يحدث للمهاجرين في ليبيا؟
حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من استمرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء في ليبيا، بمن فيهم الأطفال، مشيرة إلى تعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية واللا إنسانية.

وتابع: "أهلنا الأمازيغ هم مكون أساسي وجوهري حقيقي في ليبيا. لهم حقوقهم، وهذه الحقوق شرعية ومشروعة".

وبشأن ضرورة لقاء الليبيين داخل ليبيا وليس في الخارج، قال: "عندما يجلس الليبيون على طاولة واحدة وعلى نفس البساط يتنازل البعض لبعض. الليبيون لا تنقصهم الحكمة ولا تنقصهم العقول ولا ينقصهم الأكاديميون".

وحول ما إذا كان قد أعلن نية الترشح للانتخابات الرئاسية، رد بأنه "إذا كانت تلك رغبة الليبيين، فسألبيها. لكن رغبتي شخصياً هي أن أسعى لأن أقوم بدوري. أنا لست محتاجاً إلى منصب ولا أبحث عنه".

ولفت كذلك إلى أنه يتم إنشاء "أكاديمية لإعداد القادة السياسيين"، ليكونوا "قادة حقيقيين ليس لديهم عقدة أن كل همهم هو المنصب"، مشدداً على أن "المنصب هو أمانة، والليبيون سيحاسبون من يتولاه".

وأشار إلى أن الليبيين عانوا في مراحل تاريخية متعددة "من العهد التركي إلى العهد الإيطالي إلى عهد المملكة"، وأنهم "يستحقون أن يعيشوا بكرامة تحت الشمس وفوق الأرض".

وثمّن حفتر جهود كل من سبقه في مسار المصالح الوطنية، قائلاً: "كل الجهود التي سبقتنا هي جهود طيبة ونتعامل معها بكل خير، لكن قد تنقصها النظرة العميقة".