أطلق المخرج الفرنسي أنطوان فيتكين مؤخرا فيلمه الوثائقي المثير للجدل "القذافي حيا أو ميتا"، الذي يرصد بأسلوب يجمع بين السخرية والدراما لعلاقة الرئيس الليبي السابق معمر القذافي بالغرب وكواليس قرار مجلس الأمن رقم 1973، الذي سمح لقوات الناتو بالتدخل في ليبيا لإنهاء الصراع.

 يعتبر النقاد هذا الفيلم هو المكمل لفيلمه السابق "القذافي أفضل أعدائنا"،  الذي صدم بجرأته كثيرا من المشاهدين العرب، لأنه كشف خبايا "العمليات السرية التي أثبت تورط القذافي في الإرهاب"، و تم إنتاجه في عام 2011.

بداية الفيلم: السخرية تتحول إلى دراما

يفتتح الفيلم الوثائقي بمقتطفات من أشهر خطابات زعماء العالم المطالبة بتنحي ورحيل القذافي، ودمج تلك اللقطات مع لقطات استقبال نفس هؤلاء الزعماء للقذافي في مناسبات مختلفة.

بعد مرور 50 ثانية على بداية الفيلم بدأ يظهر أن المخرج لن يكن رحيما في توجيه سهام النقد لكل من القذافي من جهة، والغرب من جهة أخرى.

​​
لم يتركنا المخرج ننتظر طويلا، فبعد انتهاء الافتتاحية وسرد سريع لوقائع اندلاع الاحتجاجات الشعبية في بنغازي أفرد مساحة لمشاهد غضب الشارع الليبي على العقيد الذي حكمه بـ"الحديد والنار لمدة 40 عاما".
​​
واختار المخرج مباشرة البدء بأول رد فعل من طرف العقيد، الذي ظهر في لقاء تلفزيوني قصير (21 فبراير / شباط 2011) . كان وضحا حجم "الهلع" الذي أصاب القذافي رغم تماسكه أمام الكاميرا. كان يردد أنه ليس في فنزويلا ولن يسمح بالاحتجاجات، لكن مشهد مصارعته المظلة لإدخالها السيارة أظهر ارتباكه للعالم..

تمضي مشاهد الفيلم الوثائقي وتبدأ النبرة السينمائية الساخرة في التضاؤل لتفسح المجال أمام الدراما، حيث تتوالى شهادات صانعي القرار لوصف المشهد السياسي الليبي، الذي يشهد أول "غليان وفوران شعبي" في تاريخه الحديث.

تظهر المشاهد الأولية شهادات وجوه المعارضة الليبية، التي سيتعرف عليها العالم لأول مرة على محطات التلفزيونات العالمية، ومن هؤلاء: محمد جبريل المسؤول السابق في المجلس الانتقالي الليبي.

في هذه الأثناء، يسلط الفيلم الضوء على مواقف الغرب ومسار تحولاته من الثورة  ومن القذافي تحديدا، بينما يعترف أن "إدارة أوباما كانت مترددة في الانخراط في تلك المغامرة"، حيث يستطيع المشاهد استشعار التوتر الذي ساد كواليس اتخاذ القرار حول ليبيا.

تأخذنا الكاميرا إلى القاهرة و اجتماع جامعة الدول العربية، و إلى لحظات أكثر تعقيدا مما كنا نتخيل، فرغم أن القذافي "شوش"  بـ"حماقاته على جيرانه لسنوات طوال" كما يقول مخرج الفيلم، إلا أن قرار الجامعة العربية بالسماح بالتدخل العسكري في ليبيا كان سابقة في تاريخ الجامعة.

قلب الفيلم: طوفان النار على رأس العقيد

يدفعنا الفيلم لتتبع المعارك الحربية لحظة بلحظة، حيث نشاهد الطلعات الجوية الأوروبية والأميركية، ويصف الراوي الحرب على العقيد بـ"طوفان النار، الذي حول مراكز القيادة والبطاريات المضادة للصواريخ والقواعد العسكرية الليبية إلى رماد".  

​​
في مشاهد أخرى نرى تأثير الدعم الجوي على تقدم قوات الثوار على الأرض. فقد انهزمت الآلية العسكرية للنظام أمام القصف الجوي الكثيف، وقام الإعلام بدور محوري في دعمه للثوار على الأرض بفسح المجال أمام المعارضة، ما أجج الدراما ودفع الموقف برمته لنقطة الذروة.

النهاية.. "مأساوية"

 تتداعى الأحداث و تنكشف كثير من التفاصيل عن دور كل طرف في ذلك الصراع لنصل للنتيجة المحتومة التي نتوقعها منذ بداية الفيلم: بعد حكم استمر 42 عاما لـ"لجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى" تمت مطاردة معمر القذافي وقتل بطريقة "مأساوية" في سرت (مسقط رأسه) عن عمر يناهز 69 سنة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بعد أسره من قبل ثوار ليبيا إثر هروبه من غارة للناتو -يعتقد أنها من القوات الفرنسية- استهدفت قافلة عسكرية كان القذافي يختبئ بها مع وزير دفاعه (أبو بكر يونس) و ابنه المعتصم.

ليبيا تعاني فوضى سياسية وأمنية منذ إسقاط القذافي. ـ صورة تعبيرية.

أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن ذعرها وقلقها من "موجة الاحتجازات والتوقيفات التعسفية نفذتها أجهزة إنفاذ القانون وأطراف أمنية" في عموم البلاد.

وأضافت البعثة، في بيان على منصة "إكس"، أن هذه الأطراف "تستغل سلطة الاحتجاز والتوقيف المناطة بها لاستهداف أفرادٍ على ضوء انتماءاتهم السياسية المزعومة وتكميم أفواه كل من ينظر إليه كمعارض وتقويض استقلال القضاء".

وأشارت البعثة الأممية إلى أن "هذه الممارسات غير القانونية تتسبب في خلق مناخ من الخوف وتحجيم الحيز المدني وتهالك سيادة القانون".

حالات "احتجاز تعسفي"

وعدّدت البعثة الأممية بعض أعمال العنف والاحتجاز التعسفي للعاملين في مجال القانون وأعضاء هيئة القضاء، إذ تعرض القاضي علي الشريف لتوقيف "اتسم بالعنف" في مدينة طرابلس في 10 مارس.

وأشارت إلى أن "الاحتجاز التعسفي المستمر لكل من المحامي منير العرفي، في بنغازي منذ 12 مارس، وكذلك اثنين من المدعين العسكريين وهما منصور داعوب ومحمد المبروك الكار منذ 2022 في طرابلس، يسلط الضوء على الارتفاع في وتيرة التهديدات التي تطال العاملين في مجال القانون والنيل من استقلاليتهم".

وفي طرابلس، أشارت البعثة الأممية إلى أن عضو مجلس النواب، علي حسن جاب الله "ما زال قابعًا في الاحتجاز التعسفي"، لما يزيد على عام بأكمله قبل صدور الحكم عليه في أكتوبر 2024 في "محاكمة عسكرية مشوبة بالمخالفات وحرمانه من الحق في إجراءات التقاضي السليمة".

كما أوضحت البعثة أن "مدير عام مكتب استرداد أموال الدولة الليبية وإدارة الأصول المستردة محمد المنسلي تعرض للاحتجاز التعسفي منذ 7 يناير الماضي".

وقالت البعثة الأممية إن المئات "يحتجزون بشكل غير قانوني" معتبرة أن مثل هذه الممارسات "أصبحت أمرًا طبيعيًا في ليبيا، إذ يحتجز مئات غير هؤلاء بشكل غير قانوني في عموم ليبيا".

وأعربت البعثة عن "قلقها إزاء ظاهرة الاعترافات المسجلة حيث يحتجز الأفراد ويجبرون على الاعتراف بارتكاب جرائم مزعومة، ومن ثم تنشر هذه الأفلام التسجيلية عبر الإنترنت، بحيث تستخدم هذه الاعترافات المسجلة لترهيب الأفراد المستهدفين وإهانتهم".

فيما رحبت البعثة بتمكنها مؤخرا من دخول مرافق الاحتجاز ولو جزئيا في عموم البلاد، قائلة إن هذا "يمكنها من التواصل الملموس للتصدي للانتهاكات والإساءات الممنهجة في إطار الاحتجاز"، مطالبة بإتاحة دخولها لمرافق الاحتجاز كافة في عموم ليبيا دون أي عوائق.