قوات تابعة للجيش الوطني الليبي في وسط بنغازي
قوات تابعة لخليفة حفتر

اعتاد الأطباء في مستشفى العزيزية في جنوب العاصمة الليبية طرابلس على استقبال مصابين بجروح خطيرة أو أطراف ممزقة نتيجة نيران المدفعية العشوائية بين الأطراف المتقاتلة في ليبيا، لكن بعض الإصابات أصبحت مختلفة ومن نوع آخر في الأيام الأخيرة.

ولاحظ المسعفون وجود ثقوب ضيقة في الرأس والصدر عند الحالات الت يتعاملون معها، وذلك بسبب رصاص يدخل في الجسم ولا يخرج منه أبدا، ويقتل في الحال، بحسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز.

ووتشير المعلومات التي تتناقلها مصادر ليبية إلى أن قناصة من روسيا دخلوا البلاد وانخرطوا في الحرب الدائرة بين الفرقاء الليبيين. 

جانب من الاشتباكات التي تشهدها ليبيا

 

وكشفت الصحفية وصول 200 قناص روسي إلى ليبيا خلال الأسابيع الستة الأخيرة، وفقا لثلاثة مسؤولين ليبيين مطلعين، وخمسة دبلوماسيين عربيين يتابعون الحرب الليبية عن قرب.  

وينتمي القناصة إلى الشركة الروسية الخاصة فاغنر، والمرتبطة بالكرملين والتي قادت التدخل الروسي في سوريا.

وتأتي هذه المعلومات الجديدة لتؤكد ما ذكرته صحيفة الصن البريطانية، في شهر أبريل الماضي نقلا عن معلومات استخبارية، بالإضافة إلى صحفية تلغراف نقلا عن مصادر عاملة في قطاع النفط، حيث أشارتا إلى إرسال مرتزقة روس ينتمون إلى الشركة الخاصة فاغنر إلى ليبيا، علما بأن عناصر من هذه الشركة موجودون في سوريا وفي عدة دول أفريقية.

وتستخدم موسكو أحيانا هذه المجموعة الغامضة التي تتجاوز عند الضرورة الجيش الروسي، وتزود قوات المشير حفتر في ليبيا بقطع مدفعية ودبابات وطائرات بلا طيار وذخائر، وفقا لمصادر تحدثت إليها الصحيفتان البريطانيتان.

وتقول صحيفة نيويوك تايمز إن وصول مرتزقة روس جدد إلى ليبيا، هو جزء من حملة واسعة النطاق يقوم بها الكرملين لإعادة تأكيد نفوذه في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وشبهت الصحيفة التدخل الروسي في ليبيا بأنها محاولة لتكرار نفس ما حدث في سوريا، من خلال الوقوف إلى جانب قوات حفتر والذي يتخذ من شرق ليبيا مقرا له ويحاول السيطرة على غرب ليبيا والعاصمة طرابلس في حملة عسكرية بدأها منذ ستة أشهر.

ليبيا تشهد نزاعا مسلحا عنيفا منذ إسقاط نظام القذافي.

وكان الباحث في العلوم السياسية ألكسي مالاتشنكو قد قال لوكالة الصحافة الفرنسية إن "روسيا تدعم حفتر الذي يتحدث الروسية وسبق أن التقى وزير الدفاع سيرغي شويغو".

وعرقلت موسكو سابقا صدور بيان عن مجلس الأمن كان سيدعو قوات حفتر إلى وقف الهجوم، وقالت إنها ترغب بأن يتوجه البيان إلى كل الأطراف.

وتأمل روسيا عبر حذرها النسبي بالمحافظة على مصالحها الاقتصادية في البلد الغني بالنفط والذي انزلق إلى الفوضى بعد سقوط العقيد معمر القذافي نهاية 2011.

وكانت موسكو ظفرت قبل 2011 بعقود واعدة تبلغ قيمتها عدة مليارات دولار، تتعلق ببيع أسلحة ومشاريع نفطية في ليبيا التي كانت في حينه أحد زبائنها العرب الرئيسيين.

ويلخص مالاتشنكو الوضع بالقول إن "ليبيا هي النفط. والروس يتقربون منها منذ زمن"، ويشير أيضا إلى رغبة موسكو بـ"إظهار حضورها" في ليبيا بعد منجزاتها في سوريا وعودتها التدريجية في عدة دول أفريقية.

مقاتل في القوات الموالية لحكومة الوفاق في غرب ليبيا يفحص أضرارا لحقت بمبنى جراء قصف القوات الموالية لحفتر

وفي صراع تتزايد وتيرة تدويله تلقى حفتر دعما سياسيا وماديا من عدة قوى خارجية. كما قدمت روسيا دعما لحفتر في الوقت الذي أقامت فيه علاقات مع الحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس.

وتعثر هجوم حفتر، الذي شنه أوائل إبريل الماضي على طرابلس، بسرعة في مواجهة مقاومة من جانب فصائل مسلحة متحالفة مع الحكومة المعترف بها التي تحظى بمساندة تركيا.

وكانت منظمة العفو الدولية أعلنت في 22 أكتوبر الماضي أن العديد من المدنيين الليبيين "باتوا عالقين" في المعارك الدائرة منذ سبعة أشهر في ضواحي العاصمة الليبية مشيرة إلى احتمال وقوع "جرائم حرب".

وأفاد تقرير للمنظمة غير الحكومية ومقرها لندن أن "الطرفين المتناحرين اللذين يتقاتلان للسيطرة على طرابلس يقتلان العديد من المدنيين من خلال شن هجمات" عشوائية واستخدام "ترسانة اسلحة فتاكة لا تصيب الهدف بدقة في مناطق سكنية مكتظة".

وتسببت المعارك بسقوط نحو 1093 قتيلا و5752 جريحا بينهم مدنيون، فيما قارب عدد النازحين 128 ألف شخص، بحسب وكالات الأمم المتحدة.

الدخان يتصاعد من منطقة تعرضت للقصف في ليبيا- أرشيف

عناصر فاغنر ينهارون في الميدان

وشكلت الضربة التي تلقاها المقاتلون المرتزقة التابعون لشركة "فاغنر" الروسية في سوريا في فبراير 2018 من قبل قوات أميركية بداية النهاية لواحدة من أبرز الشركات التي تخوض حروبا سرية لصالح موسكو. وفق تقرير نشره الموقع الإلكتروني لـ "فورين بوليسي" في أكتوبر.

ونفذ عناصر شركة "فاغنر" عمليات عسكرية في دول عدة تضم أوكرانيا وسوريا وليبيا ودولا أخرى في أفريقيا تحت مسمى خدمات أمنية، والتي شكلت بعدا جديدا للسياسة الخارجية الروسية، وذلك قبل أن تجد هذه القوات نفسها على مواجهة مع ضربات أميركية ألحقت بها ضررا في سوريا وكبدتها مئات القتلى.

وفي مارس الماضي، كشفت تقارير أن تحركات فاغنر ونشاطها في دول بأفريقيا "مثير للشفقة"، وهي تبحث عن فرص تعوضها ما حصل معها في سوريا وأوكرانيا، بالبحث عن العمل في موزمبيق وجنوب السودان.

وأدرجت الولايات المتحدة مجموعة "فاغنر" العسكرية وممولها يفغيني بريغوجين المقرب من الرئيس فلاديمير بوتين والمعروف بـ "طباخ بوتين" على قائمة العقوبات في سبتمبر من عام 2018.

صورة لمقاتلة روسية من طراز ميغ-29 فولكروم في قاعدة الجفرة الجوية في
صورة لمقاتلة روسية من طراز ميغ-29 فولكروم في قاعدة الجفرة الجوية في

أكد متحدث باسم الخارجية الأميركية لـ"الحرة" أن المعلومات المفصلة التي نشرتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم" تبرهن كيف أن روسيا لا تزود قوات خليفة حفتر بالأسلحة المتطورة فقط، ولكن تسعى كذلك إلى إخفاء تدخلها في ذلك البلد.

وقال المتحدث "لسوء حظ الكرملين فإن طلاء الأعلام على المقاتلات الروسية لا يخفي الحقيقة، لأن أعمال روسيا المزعزعة للاستقرار في ليبيا واضحة للعيان".

وأضاف المتحدث "لا المجتمع الدولي ولا الشعب الليبي ينصتان لمزاعم روسيا بأن مرتزقتها، الذين تم تصويرهم في نهاية هذا الأسبوع وهم يعبرون بشكل جماعي على الجبهات في طرابلس، يختلفون إلى حد ما عن أجندة روسيا التي تخدم نفسها في ليبيا".

وختم المتحدث باسم الخارجية الأميركية بالقول إن "الولايات المتحدة ستعمل مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا ومع كل المستعدين فعلياً لرمي السلاح والتفاوض على حل سياسي للصراع في ليبيا".

وقد أعلنت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، أنه لم يعد بإمكان روسيا إنكار تورطها في الحرب المستمرة في ليبيا، بعدما كشفت أن موسكو أرسلت مقاتلات إلى هذا البلد لدعم المرتزقة الروس الذين يقاتلون إلى جانب خليفة حفتر في نزاعه على السلطة مع حكومة الوفاق الوطني.

وأوضحت أفريكوم في بيان أن المقاتلات غادرت قاعدة في روسيا ثم توقفت أولا في سوريا حيث "أعيد طلاؤها لإخفاء أصلها الروسي" قبل توجهها إلى ليبيا.

ونشرت أفريكوم 15 صورة لطائرات عسكرية روسية في سماء ليبيا أو في قواعد عسكرية من دون أن تشير إلى موعد وصولها بالتحديد.

وقال قائد أفريكوم، الجنرال ستيفن تاونسند، في بيان "لطالما نفت روسيا مدى تورطها في النزاع الليبي المستمر. لا يمكنها إنكار ذلك الآن"، مضيفا أن "روسيا تحاول بشكل واضح قلب الميزان لصالحها في ليبيا".