في جولة جديدة من المفاوضات بين الأطراف الليبية المتنازعة منذ 2011، بعد سقوط الرئيس السابق معمر القذافي، تجتمع اللجنة العسكرية المشتركة الليبية "5+5"، في مقر الأمم المتحدة في جنيف بحضور ومشاركة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإنابة ستيفاني وليامز.
ويشكل عمل هذه اللجنة، أحد المسارات الثلاثة التي تعمل عليها البعثة إلى جانب المسارين الاقتصادي والسياسي، والتي انبثقت عن مؤتمر برلين 2020 حول ليبيا وتبناها مجلس الأمن.
وبحسب الأمم المتحدة، أهم ما يميز هذه الجولة هو انطلاقها باجتماع مباشر بين وفدي طرفي النزاع في ليبيا"، كما تأمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تأمل في أن يتوصل الوفدان إلى حلحلة كافة المسائل العالقة بغية الوصول إلى وقف تام ودائم لإطلاق النار في عموم أنحاء ليبيا.
تفاؤل
وبعد يومين من المفاوضات، أعلنت المبعوثة الخاصة للأمم المتحدة إلى ليبيا بالوكالة ستيفاني وليامز، الأربعاء، أنها "متفائلة إلى حد ما" بإمكانية التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في البلاد، وذلك بعد يومين من مفاوضات مباشرة بين طرفي النزاع عقدت في جنيف.
وقالت وليامز في مؤتمر صحافي "أنا متفائلة إلى حد ما" بإمكانية التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم في البلاد.
وتستند وليامز في تفاؤلها على أجواء "الجدية والالتزام" التي اتسمت بها وفق قولها، المحادثات المباشرة الأولى للجنة العسكرية الليبية المشتركة التي تمثّل طرفي النزاع الليبي. وكانت بدأت الجولة الرابعة من محادثات اللجنة الإثنين في قصر الأمم في جنيف.
وأكدت أن الطرفين اتفقا على التوقف عن اعتماد خطاب الكراهية والحفاظ على الهدوء عند خطوط الجبهات، كما أعلنت وليامز التوصل إلى عدد من الاتفاقات الملموسة مثل فتح الطرق الأساسية في البلاد وكذلك بعض الرحلات الجوية الداخلية، التي ينبغي أن تخفف حدة الوضع الصعب الذي يعيشه السكان.
ليس لديها صلاحية
من جانبه يرى المحلل السياسي الليبي، محمد الأسمر، أن هذه النتائج صعب تحقيقها على واقع، لأن الوفود المشاركة في المفاوضات، ليس لديها أي صلاحية لتطبيقها على الأرض، وأن هذه النتائج تحتاج إلى قوى سياسية قادرة على تنفيذها.
وقال الأسمر في تصريحات لموقع قناة "الحرة" إن أغلب هذه النقاط تم الاتفاق عليها في مفاوضات الغردقة، وأبرزها وقف خطاب الكراهية، وأكد أنه عندما بدأ وزير الإعلام في حكومة الوفاق في الغربي الليبي تنفيذ ذلك، تم اعتقاله، رفضا لإجراءاته الجديدة ضد خطاب الكراهية.
فخلال الساعات الماضية، اختطفت كتيبة مسلحة تابعة لوزارة الداخلية بحكومة الوفاق الوطني الليبية محمد بعيو رئيس مؤسسة الإعلام التابعة للحكومة ذاتها من منزله في وقت متأخر الثلاثاء.
وداهمت المجموعة المسلحة مقر الإذاعة الرسمية ومقر مؤسسة الإعلام وسيطرت عليهما وقام المسلحون بإجبار الموظفين على إعادة شعار عملية بركان الغضب العسكرية وبث أغان حماسية داعمة لقوات حكومة الوفاق.
ونشر محمد بعيو على حسابه الرسمي على فيسبوك منشورا، يؤكد تعرض بيته لهجوم مسلحين في وقت متأخر الثلاثاء وأكد مقربون منه أن المسلحين اختطفوا بعيو واثنين من أبنائه بعد مهاجمة منزله.
وجاءت هذه التطورات احتجاجا من المسلحين على سياسات محمد بعيو رئيس مؤسسة الإعلام الليبية الذي يرفع شعار إعلام السلام منذ تعيينه حديثا على رأس المؤسسة من قبل حكومة الوفاق.
وأفاد مصدر رسمي في حكومة الوفاق لقناة الحرة الأربعاء بأن محمد بعيو اختطف من قبل مسلحين محتجين على سياسات بعيو في القنوات الليبية المملوكة للدولة مبينا أنه لم يصدر أي أمر رسمي بالقبض عليه من السلطات المعنية المختصة.
من جانبه طالب آمر غرفة عمليات سرت الجفرة، إبراهيم بيت المال، المجلس الرئاسي بسحب قرار تعيين "محمد بعيو" رئيسا للمؤسسة الليبية للإعلام مبينا أن هذه المطالبة جاءت لأن بعيو أصدر تعميماً للقنوات الإعلامية لوصف هجوم خليفة حفتر على طرابلس بالحرب الأهلية، وأمر بإزالة شعار بركان الغضب من القنوات الرسمية.
ونشرت مجموعات مسلحة مقطع فيديو بعد اقتحام مقر مؤسسة الإعلام والإذاعة الرسمية وسيطرتها عليها وأعلنت رفضها لتعيينه ورفض سياساته الأخيرة.
صعب تحقيقها
أما محمود الرملي، المحلل السياسي، فيرى أنه بالرغم من أن مسار جنيف من أهم مسارات التفاوض الليبية، إلا أن نتائجها لم تكن على المستوى المرجو، فهي لم تقدم حلا للمشاكل الليبية العميقة الموجود على الأرض.
وقال الرملي في تصريحات لموقع قناة الحرة" إن نتائج المفاوضات لم تقدم حلا لإنهاء وجود المرتزقة على الأرض وآلية حماية الحدود الليبية، والمشاكل الاقتصادية وتحقيق العدالة الاجتماعية".
أما عن إمكانية تنفيذها على الواقع، فأكد أنه من الصعب تنفيذها على الواقع، مشيرا إلى أن الأطراف المتفاوضة ليس لديها صلاحيات، وأن هذه النتائج مجرد اقتراحات سيتم تقديمها للأطراف المتحاربة.
وتساءل الرملي "إلى من سيتم تقديم الاقتراحات في المشرق لتنفيذها، هل عقيلة صالح، رئيس مجلس نواب طبرق، أم المشير خليفة حفتر؟. وبالنسبة للغرب، هل سيتم تقديمها لفايز السراج، رئيس حكومة الوفاق، الذي سيستقيل في خلال أيام؟".
وكان السراج أعلن في 17 سبتمبر الماضي، رغبته في تقديم استقالته، وقال السراج في كلمة متلفزة إنه "على الرغم من القناعة بأن الانتخابات الشاملة هي الخيار الأفضل للوصول إلى حل شامل، فإنه يدعم أي تفاهمات أخرى غير ذلك"، كما دعا السراج لجنة الحوار الوطني إلى "الإسراع بتشكيل السلطة التنفيذية من أجل ضمان انتقال سلمي للسلطة".
تملك تفويضا
بينما قال المحلل السياسي السنوسي إسماعيل، أن الأطراف المتفاوضة تملك تفويضا بالتوافق حول تلك الإجراءات وتنفيذها يحتاج إلى جدية ومسارعة من قبل الطرفين على الأرض.
وأضاف السنوسي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن التفاهمات حول فتح الطرق البرية والجوية وكذلك توحيد حرس المنشآت النفطية بالتأكيد هي نقاط ايجابية لكنها تظل غير كافية؛ خاصة أن الأهم وهو اخلاء المنطقة الوسطى وما حولها من السلاح والحشود قد تم تأجيله بما يوحي باستمرار حالة لا حرب ولا سلم.
وتابع "المشكلة الحقيقية هي في استمرار حفتر في الاستعداد لتمرد جديد ضد حكومة الوفاق؛ وكل ما يقوم به من تحشيد للمرتزقة والتزود بالأسلحة الروسية الحديثة يلقي بظلال من الشك حول احتمال نجاح المسار السياسي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة".
كانت المباحثات العسكرية انطلقت من مدينة الغردقة المصرية، في نهاية شهر سبتمبر، ضمت ٥ مسؤولين عسكريين وشرطيين من كلا طرفي النزاع، في خطوة قد تكون جادة لإعادة بناء "موحد" لجيش وشرطة من الشرق والغرب.
واختتمت بالاتفاق على التوصية بـ "الإسراع في عقد اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة 5+5"، والإفراج الفوري عن كل من هو محتجز على الهوية من دون أي شروط أو قيود، واتخاذ التدابير العاجلة لتبادل المحتجزين بسبب العمليات العسكرية وذلك قبل نهاية شهر أكتوبر المقبل".
النفط
ومن المقرر لمحادثات جنيف تستمر حتى يوم السبت المقبل 24 أكتوبر، وتأمل بعثة ويليامز أن يتوصل الوفدان إلى حل لجميع القضايا العالقة من أجل تحقيق وقف كامل ودائم لإطلاق نار في جميع أنحاء ليبيا.
كذلك اتفق الطرفان المتحاربان في ليبيا على زيادة إنتاج النفط، عبر الطلب من "آمري حرس المنشآت النفطية في المنطقتين الغربية والشرقية، بالعمل مباشرة مع مندوب تعينه المؤسسة الوطنية للنفط لتقديم توصيات بشأن إعادة هيكلة حرس المنشآت النفطية بما يكفل زيادة واستمرارية تدفق النفط".
وفي منتصف سبتمبر، وافق الرجل القوي في الشرق الليبي المشير خليفة حفتر على رفع مشروط للحصار الذي تفرضه قواته على المواقع النفطية منذيناير، في محاولة للحصول على تقاسم عادل لعائدات النفط.
وتسبب هذا الحصار بخسائر تُقدّر قيمتها بأكثر من 9,8 مليارات دولار، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط.
أما عن احتمالية تشكيل هيئة موحدة لإدارة النفط، فقد استبعد الأسمر إمكانية تنفيذ ذلك في الوقت الراهن، وقال إن ذلك يتطلب تشكيل حكومة موحدة سواء مؤقتة أو منتخبة تقوم بتوحيد القوى العسكرية، لحماية المنشآت النفطية.
وأوضح الرملي أنه من المستحيل تنفيذ ذلك، لأنه سييبب انقسام الاقتصاد الليبي، وسيزيد من معاناة الاقتصاد والشعب الليبي.
بعيدة عن الاستقرار السياسي
وتشهد ليبيا أعمال عنف ونزاعاً على السلطة منذ سقوط القذافي، وتتصارع على الحكم سلطتان: حكومة الوفاق الوطني في الغرب ومقرها العاصمة طرابلس والمعترف بها في الأمم المتحدة وحكومة موازية في الشرق تحظى بدعم المشير خليفة حفتر.
وعن جدوى هذه المفاوضات، أوضح الأسمر أن كل هذه المؤتمرات والمفاوضات على المحك، وأن المعيار الحقيقي للحكم عليها هو تنفيذ نتائجها، وأن المفاوضات القادمة في تونس هي من ستحدد ذلك.
وأكد الأسمر أن تنفيذ النتائج العسكرية والأمنية لهذه المفاوضات يتطلب إخراج جميع المرتزقة، مشيراً إلى أن الطرفين يتبادلان الاتهامات في هذا الأمر، كما طالب الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بموقف حاسم من هذه القضية، وتطبيق ووقف توريد الأسلحة.
ويرى السنوسي أن ليبيا لا تزال بعيدة عن الاستقرار السياسي والاجتماعي الذي لا يمكن أن يحصل إلا بمنع التدخلات الدولية واستعادة سيادة ليبيا بحكومة واحدة ومؤسسات واحدة وصولا لتحديد موعد الاستفتاء على مشروع الدستور الليبي الذي أنجزته الهيئة التأسيسية المنتخبة ومن ثم إجراء الانتخابات العامة.
