في 19 يناير الجاري، حددت الأمم المتحدة يوم 23 من نفس الشهر لخروج جميع المرتزقة من ليبيا، ولكن بحلول الموعد لم تخرج أيا منها من البلاد، مما يثير تساؤلا عن إمكانية تحقيق ذلك المطلب الأساسي لتحقيق الاستقرار في البلاد.
وهو المطلب الذي دعا إليه مجلس الأمن الدولي، في ديسمبر الماضي، وذلك في بيان صدر بإجماع أعضائه بمن فيهم روسيا المتّهمة بأنّها أرسلت إلى ليبيا مقاتلين عبر مجموعة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة .
وكانت الولايات المتحدة أيضا قد طلبت من موسكو سحب المرتزقة الروس خلال الأيام الماضية.
ويرى عبد القادر حويلي عضو المجلس الأعلى للدولة، أنه رغم هذه الدعوات بيد أنه لا توجد إرادة دولية حقيقية لإخراج المرتزقة من ليبيا.
وأكد حويلي في تصريحات لموقع "الحرة" أنه طالما الانقسام موجود بين الفصائل الليبية ولا توجد حكومة موحدة تحمي المصالح وسيادة البلاد، فإن هذه القوات ستظل منتشرة في ليبيا وتهدد استقرارها.
وأشار إلى أن سحب هذه المرتزقة لن يتم إلا من خلال ضغط حقيقي من مجلس الأمن الدولي والدول الأعضاء الدائمة فيه، وبالتفاهم مع الدول المتداخلة في الشأن الليبي.
قرار حقيقي
بينما قال خالد المنتصر، أستاذ العلاقات الدولية في ليبيا، إن قرار إخراج المرتزقة "ليس بيد الأطراف الليبية بل بيد القوى الأجنبية المتنافسة في البلاد".
بدوره أكد علي التكبالي، عضو مجلس النواب، أنه لن يتم إخراج هذه المرتزقة بدون قرار حقيقي من الأمم المتحدة وضغط من أميركا.
وليبيا غارقة في فوضى غذتها التدخلات الأجنبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011، وتشهد نزاعا بين سلطتين: حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تتخذ طرابلس مقرا، وسلطة يجسدها خليفة حفتر الرجل القوي في شرق البلاد.
وبحسب مبعوثة الأمم المتحدة بالإنابة إلى ليبيا الأميركية، ستيفاني ويليامز، يوجد حوالي 20 ألفا من "قوات أجنبية و/أو مرتزقة" في ليبيا، معتبرة ذلك انتهاكا "مروعا" للسيادة الوطنية، كما أشارت إلى وجود عشر قواعد عسكرية في ليبيا، تشغلها بشكل جزئي أو كلي قوات أجنبية ومرتزقة.
وهي في الغالب موزعة حول سرت، حيث يقع خط الجبهة منذ منتصف يونيو وإلى الجنوب في قواعد جوية رئيسية لا سيما في الجفرة، على بعد 500 كم جنوب طرابلس لصالح الموالين لحفتر، وإلى الغرب في الوطية (الموالية لحكومة الوفاق الوطني)، أكبر قاعدة عسكرية على الحدود التونسية.
وأشهر هذه المجموعات، مرتزقة فاغنر الروسية التي أرسلتها موسكو لدعم حفتر، والمرتزقة السوريين الذين جلبتهم تركيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، كما يوجد مرتزقة سوريين يدعمون حفتر تمولهم موسكو، ومرتزقة من تشاد وتونس وبعض الدول الأفريقية.
وتقدر الأمم المتحدة عدد مرتزقة فاغنر في ليبيا بـ2000 مقاتل، كما كشفت تقارير في سبتمبر الماضي، أن روسيا عززت دعمها اللوجستي لمجموعة فاغنر بحوالي 338 رحلة شحن عسكریة من سوریا في الأشهر التسعة المنتهیة في 31 یولیو.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ عدد المرتزقة السوريين الذين أرسلتهم أنقرة إلى الأراضي الليبية حتى الآن، نحو 18 ألف " من بينهم 350 طفلا دون سن الـ18، وعاد منهم نحو 10750 إلى سوريا، بعد انتهاء عقودهم وأخذ مستحقاتهم المالية، بالإضافة إلى 2500 آخرين يحملون الجنسية التونسية.
ليست متساوية
وأكد حويلي أن المرتزقة الروس والسوريين لن يغادروا البلاد، طالما لم تحصل تركيا وروسيا على أطماعهم في ليبيا والتي جاءت من أجلها، أو تشكيل حكومة موحدة رادعة لها.
وقال خالد المنتصر إن المرتزقة "لن يخرجوا حتى تضمن الدول التي جندتهم مصالحها في المرحلة الانتقالية الجديدة المقبلة"، وأكد أن "وجودهم يعني أن الصدام العسكري يمكن له أن يتجدد في أي لحظة، وبالتالي التهدئة الحالية يظل مصيرها مجهولا".
من جهته، رأى جلال الفيتوري أستاذ القانون في حديث لفرانس برس، إن فرص خروج المرتزقة والقوات الأجنبية ليست متساوية شرق وغرب ليبيا "لأن بعضها جاء وفق اتفاقيات عسكرية بين ليبيا وتركيا على سبيل المثال".
وأشار إلى أن "قيام أنقرة مؤخرا بتمديد تواجدها العسكري لمدة 18 شهرا لا يعكس نوايا جادة للخروج"، موضحا أن "الأمر ينطبق أيضا على التواجد الروسي عبر مجموعة فاغنر الذي لا نعرف شكل الاتفاق الذي أبرمه حفتر مع موسكو لتحديد فترة بقائهم في ليبيا".
وقال التكبالي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" إن ما يحدث من تحركات على الأرض يظهر أن تركيا وروسيا لا تنوي ان تسحب مرتزقتها في الوقت الحالي، مشيراً إلى أنه إذا نجحت الأمم المتحدة في الضغط على أنقرة لسحب قواتها ستجد روسيا نفسها محرجة مما يضطرها لسحب قواتها.
وأضاف التكبالي "ساذج من يعتقد أن الروس سيخرجون بسهولة من ليبيا، والخنادق حول سرت تثبت أنهم ينوون البقاء لفترة طويل"، ولفت إلى أن روسيا تسعى للحصول على موضع قدم في جنوب البحر المتوسط من خلال السيطرة على سرت أو طبرق أو بنغازي، بعد ما سيطرت على مدينة اللاذقية السوريا في شمال البحر المتوسط.
البقاء لأطول فترة
خلال الأيام الماضية، كشفت صور للأقمار الصناعية أن قائد قوات "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر، ومرتزقة فاغنر الروس الداعمين له، يقومون بحفر خندق ضخم حول مدينة سرت باتجاه قاعدة الجفرة معقل المرتزقة الروس، مما يؤكد أن مرتزقة فاغنر لا تنوي الخروج من ليبيا خلل الفترة المقبلة، وتنوي الاستقرار على المدى البعيد، وفقا لقناة سي إن إن.
وأظهرت الصور عن سلسلة من أكثر من 30 موقعًا دفاعيًا تم حفرها في الصحراء وسفوح التلال التي تمتد لنحو 70 كيلومترًا. كما تظهر تكتلات دفاعية حول قاعدة الجفرة الجوية، وكذلك مطار براك جنوبًا، حيث تم تركيب وتحصين دفاعات الرادار الظاهرة.
وأوضح حويلي أن الخنادق التي تحفرها مرتزقة فاغنر تدل على أنها لا تريد الخروج وأنها تنوي البقاء أطول فترة ممكن لذلك تحسن من دفاعاتها.
وقال مسؤول بالمخابرات الأميركية لقناة سي إن إن، إن الخندق هو سبب آخر "جتى لا نرى أي نية أو تحرك من قبل القوات التركية أو الروسية للالتزام بالاتفاق الذي توسطت فيه الأمم المتحدة. وهذا من شأنه أن يعرقل عملية السلام الهشة بالفعل ووقف إطلاق النار. سيكون عامًا صعبًا حقًا ".
وقالت كلوديا غازيني، من مجموعة الأزمات الدولية، إن الخندق "مثير للقلق حقًا"، وأن الحديث عنه "تم تداوله بين الدبلوماسيين خلال الأسابيع القليلة الماضية. وهو مستمر ويوحي بأن موسكو حريصة على ترسيخ وجودها في ليبيا".
وأكد محللون أن الكرملين حريص على تعزيز وجوده العسكري ونفوذه في البحر الأبيض المتوسط، إلى جانب المنطقة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، مع ميزة إضافية تتمثل في المشاركة في صناعة النفط الليبية والربح منها.
لكن المحلل السياسي السنوسي إسماعيل، يرى أن هذه الخنادق ليس لها أي قيمة من الناحية العسكرية، ولكنها رسائل سياسية إلى الحكومة التنفيذية الجيدة التي تسعى الأمم المتحدة إلى تشكيلها بالتشاور مع مختلف الفصائل الليبية.
وأكد إسماعيل في تصريحات لموقع "الحرة" أن الحكومة الجديدة، التي ستكون مدعومة من مجلس الأمن والمجتمع الدولي، هي الوحيدة القادرة على التفاوض مع هذه الدول وإخراج المرتزقة من مختلف المدن الليبية.
وكانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أعلنت السبت، قائمة المرشحين للمجلس الرئاسي ومنصب رئيس الوزراء، وذلك تمهيدا لتشكيل حكومة مؤقتة موحدة تقود البلاد لحين إجراء الانتخابات في ديسمبر المقبل.
ومن المقرر أن يعقد اجتماع ملتقى الحوار السياسي الليبي بكامل أعضائه في سويسرا في الفترة من 1 إلى 5 فبراير لإجراء عملية التصويت على السلطة التنفيذية الموحدة المؤقتة الجديدة.
