توصل طرفا النزاع إلى اتفاق على هدنة دائمة في أكتوبر الماضي
توصل طرفا النزاع إلى اتفاق على هدنة دائمة في أكتوبر الماضي

بصورة غير متوقعة، اقتنصت قائمة "الدبيبة - المنفي" الفوز لقيادة الفترة الانتقالية في ليبيا، بعد تغلبها على ثلاث مجموعات أخرى من المرشحين الذين انتخبهم 75 مشاركا ليبيا في حوار سياسي برعاية الأمم المتحدة، الجمعة.

وسيرأس محمد المنفي مجلسا رئاسيا من ثلاثة أعضاء، بينما سيتولى عبد الحميد الدبيبة منصب رئيس الوزراء.

وانتقد بعض الليبيين في الشرق هذا الفوز غير المتوقع، معبرين عن خشيتهم مما قد يسمح به أصحاب هذه القائمة، خاصة فيما يتعلق بالقوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة. 

وتحدث جلال حرشاوي، الباحث في المعهد السويسري للمبادرة العالمية، عما وصفه بـ"انزعاج عميق" من فوز قائمة الدبيبة، قائلا لموقع "الحرة" إن سبب ذلك يتعلق بشخصية الفائز برئاسة المجلس الرئاسي محمد يونس المنفي (45 عاما)، السفير السابق في اليونان. 

وامتثالا لقواعد الأمم المتحدة المتفق عليها، فإن المنفي ينحدر من مدينة طبرق بشرق ليبيا بينما ينحدر الدبيبة من مصراتة بغرب البلاد.

ويقول حرشاوي: "لا يُعرف عن المنفي سوى القليل جدا بخلاف عدم تأييده هجوم حفتر على طرابلس عام 2019، على عكس ما كان متوقعا منه". 

وكانت حكومة الوفاق الوطني صدت هجوما لما يعرف بالجيش الوطني الليبي، بقيادة الرجل القوي في شرق البلاد خليفة حفتر (77 عاما) استمر 14 شهرا على طرابلس.

ثم توصل طرفا النزاع إلى اتفاق على هدنة دائمة في أكتوبر الماضي، واستأنفا الحوار السياسي بدعم من الأمم المتحدة.

وأضاف حرشاوي "هذا يعني أن الشخص الوحيد في المجلس الرئاسي الذي يهدف إلى تمثيل الشرق، بما في ذلك حفتر على وجه الخصوص، شاب، مداهن، غير معروف بالبيروقراطية أو ذات خلفية سياسية أو اجتماعية راسخة". 

وتابع "يبدو أن إحساسا مريرا بخيبة الأمل قد سيطر على العديد من الليبيين في الشرق".

ويرى الباحث في المعهد السويسري للمبادرة العالمية أن الأيام القليلة المقبلة ستكشف عما إذا كان رئيس الوزراء المنتخب ملتزما بتصحيح هذا "التصور الخطير". 

وبحسب حرشاوي، فقد يلجأ المنفي "لاستقطاب داعمين لهجوم المشير حفتر على طرابلس في 2019"، عبر توليهم مناصب وزارية مهمة، و"ربما يتضمن ذلك منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي في طرابلس".

وأمام الدبيبة حتى 26 فبراير لتشكيل حكومة وتقديم برنامج عملها إلى مجلس النواب للمصادقة ثم نيل ثقة البرلمان خلال 21 يوما.

وفي حالة نجاحه، سيتعين على أعضاء المجلس الانتقالي إعادة توحيد مؤسسات الدولة، وضمان الأمن، ودعم وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، بما في ذلك انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة، وتوفير خدمات عامة أساسية للشعب الليبي، وتنظيم استفتاء على الدستور، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر المقبل، على ألا يخوضوها كمرشحين، وتخصيص 30 في المئة من المناصب الحكومية المهمة للنساء.

ومن أجل القيام بمهامه بسلاسة، يحتاج رئيس الوزراء الجديد الآن تأكيد شرعيته بسرعة في وقت قاطع فيه عدد كبير من اللاعبين السياسيين محادثات جنيف.

لكن إبراهيم بلقاسم، المحلل السياسي الليبي، يرى أن كلا من الشرق والغرب الليبي يشعران أن قائمة "الدبيبة - المنفي" لا تمثلهما. وأضاف لموقع "الحرة" أنه من السابق لأوانه تصور كيفية تعامل الداخل السياسي الليبي معها.

أسفرت محادثات الأمم المتحدة عن تشكيل حكومة مؤقتة جديدة لليبيا

وقال بلقاسم إن المنفي والدبيبة وأعضاء قائمتهما هم أصحاب الأدوار الثانوية الذين كانوا في الصفوف الخلفية، مضيفا "لم يُعرف لهذه الشخصيات أي موقف سياسي واضح وصريح، ولذلك من السهل عليهم التعاطي مع عدد كبير من اللاعبين السياسيين في الشرق والغرب".

ولم يكن متوقعا فوز قائمة الدبيبة أمام القائمة التي تشمل فتحي باشاغا وزير الداخلية القوي في حكومة الوفاق الوطني المتمركزة في الغرب، وعقيلة صالح رئيس البرلمان المتحالف مع حفتر ومقره طبرق في شرق البلاد.

وكان يُنظر على نطاق واسع إلى قائمة صالح وباشاغا على أنها الأوفر حظا للفوز، لكنها خسرت في جولة الإعادة بعد أن حصلت على 34 صوتا مقابل 39 للقائمة الفائزة.

ويرى المحلل السياسي الليبي أن الفوز غير المتوقع لا يعكس قبول المشاركين في الحوار السياسي بل يعبر عن رفضهم قائمة عقيلة وباشاغا، مضيفا "هذا الاختيار نكاية بهما". 

وينظر إلى عقيلة وباشاغا باعتبارهما أحد الأطراف البارزة في حرب طرابلس، التي أسفرت عن خسائر بشرية ومادية.

ووصف بلقاسم القائمة الفائزة بـ"المتزنة والمعتدلة جدا"، قائلا إن أمامها الكثير من التحديات في الداخل والخارج، ومن بينها إخماد الصراعات الموجودة، لكنه لن يرفع سقف توقعاته، متمنيا فقط الالتزام بإجراء الانتخابات العامة في موعدها.

وأشار بلقاسم إلى ضرورة ألا تقع الحكومة المؤقتة الجديدة في نفس أخطاء المجلس الرئاسي السابق، متحدثا عن تكهنات بأن يكون التشكيل الحكومي المرتقب مركبا من رجال أعمال وليبراليين.

ولم يتمكن رئيس المجلس الرئاسي السابق فائز السراج من كسب ثقة البرلمان المنتخب، حتى تعترف بسلطته جميع القوى السياسية والعسكرية في البلاد.

وفي هذا الإطار يقول بلقاسم: "هناك مخاوف من أن يعرقل البرلمان التصديق على الحكومة، باعتبار أن عقيلة صالح (أحد الخاسرين) يترأس مجلس النواب. كما أن صالح كان من أبرز العوائق أمام حكومة الوفاق الوطني".

يتولى عبد الحميد الدبيبة، ابن مدينة مصراتة بغرب البلاد، منصب رئيس الوزراء.

وكان رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وهو مهندس، شغل منصبا بارزا في ظل نظام معمر القذافي، إذ رأس الشركة الليبية للاستثمار والتنمية.

وعن الدبيبة، قال بلقاسم: "هو رجل أعمال ذات علاقات قوية بكل من تركيا وروسيا. كان وسيطا بين الشركات التركية والسوق الليبية في نظام القذافي، كما كان موفدا من الدولة الليبية إلى روسيا خلال مرحلة الانفتاح الليبي على موسكو".

وبالنظر إلى القوات الموجودة على الأرض الليبية لكل من تركيا وروسيا، فإن الدبيبة "قد يلعب دورا مهما في هذا الملف الهام"، بحسب بلقاسم.

رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر،
رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر،

قال رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر، إن المصالحة الوطنية "تهدف إلى تهيئة المناخ لانتخابات حقيقية ونزيهة، يعبر فيها الليبيون عن صوتهم الحقيقي".

وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كانت الأطراف الليبية مستعدة للانتخابات، أوضح حفتر في مقابلة خاصة مع قناة "الحرة"، أن "هناك عملا متواصلا لتحضير الشعب الليبي وتهيئته لإقامة انتخابات، تنتج عنها حكومة تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه".

وشدد حفتر على أن المصالحة الوطنية "يجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء"، مؤكداً أن "الأيدي ممدودة للجميع، ونعمل على الجلوس والاستماع لكافة الأطراف".

وتعاني ليبيا من الانقسامات منذ سقوط معمر القذافي عام 2011، وتديرها حاليا حكومتان متنافستان: واحدة في طرابلس (غرب) بقيادة عبد الحميد الدبيبة ومعترف بها من الأمم المتحدة، والأخرى في الشرق بقيادة أسامة حمّاد ومدعومة من مجلس النواب وخليفة حفتر.

وكان مقررا إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ديسمبر 2021، لكنها أرجئت إلى أجل غير مسمّى بسبب الخلافات والانقسامات السياسية والتهديدات الأمنية.

وبشأن مدى شرعية الهيئة الوطنية للمصالحة، اعتبر حفتر أن "شرعيتها تنبع من الليبيين أنفسهم"، قائلا إنه "زار أغلب القبائل الليبية في المنطقة الشرقية والجنوبية، وجلس مع مشايخهم، وكلهم يؤيدون جهود المصالحة".

وعن الجديد الذي تقدمه المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية مقارنة بالمسارات السابقة، شدد حفتر على "لقاء الليبيين على أرض ليبية، والعمل على أن تجمع المصالحة كافة الأطراف دون استثناء أي طرف ليبي".

واعتبر حفتر أن مسار المصالحة الوطنية ومنتهاها هو "تحقيق الاستقرار.. للنمو الاقتصادي وانتعاشه"، مشدداً على أن هذا هو "الطريق لتوحيد المؤسسات الاقتصادية".

وفي رده على سؤال عن ضحايا الصراعات، مثل النازحين وأسر المفقودين وضحايا الانتهاكات، وضمانات حصولهم على العدالة، أكد حفتر أن "الإرهاب أضر بليبيا، ودُفعت تضحيات كثيرة في سبيل القضاء عليه، وسيتم التعويض بحسب قانون الجبر والضرر على المتضررين".

ولفت إلى أن "جبر الضرر والتعويض للضحايا هو حق مكفول بالقانون"، مضيفا: "هذا لا يمكن لأحد أن يزيد فيه أو ينقص".

وشدد على أن الخطر الحقيقي الذي كان يهدد الليبيين هو وجود الإرهاب، معتبرا أن "الإرهاب اجتث في ليبيا من جذوره، على عكس بلدان أخرى".

وأشار حفتر إلى أن الخطوة الأولى في المصالحة هي "الجلوس مع الجميع"، وقال: "بدأنا ومضينا فيها وقطعنا أشواطاً كبيرة"، مؤكداً أنه على "استعداد للذهاب إلى كل مدينة في ليبيا".

وأضاف أنه تم الاحتفال بعيد السنة الأمازيغية، قبل أسابيع قليلة، لأول مرة على مستوى ليبيا كلها، بعد أن اقتصرت الاحتفالات على طرابلس ومناطق أخرى.

حملات أمنية ضد الهجرة الشرعية في ليبيا
الأمم المتحدة تحذر.. ماذا يحدث للمهاجرين في ليبيا؟
حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من استمرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء في ليبيا، بمن فيهم الأطفال، مشيرة إلى تعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية واللا إنسانية.

وتابع: "أهلنا الأمازيغ هم مكون أساسي وجوهري حقيقي في ليبيا. لهم حقوقهم، وهذه الحقوق شرعية ومشروعة".

وبشأن ضرورة لقاء الليبيين داخل ليبيا وليس في الخارج، قال: "عندما يجلس الليبيون على طاولة واحدة وعلى نفس البساط يتنازل البعض لبعض. الليبيون لا تنقصهم الحكمة ولا تنقصهم العقول ولا ينقصهم الأكاديميون".

وحول ما إذا كان قد أعلن نية الترشح للانتخابات الرئاسية، رد بأنه "إذا كانت تلك رغبة الليبيين، فسألبيها. لكن رغبتي شخصياً هي أن أسعى لأن أقوم بدوري. أنا لست محتاجاً إلى منصب ولا أبحث عنه".

ولفت كذلك إلى أنه يتم إنشاء "أكاديمية لإعداد القادة السياسيين"، ليكونوا "قادة حقيقيين ليس لديهم عقدة أن كل همهم هو المنصب"، مشدداً على أن "المنصب هو أمانة، والليبيون سيحاسبون من يتولاه".

وأشار إلى أن الليبيين عانوا في مراحل تاريخية متعددة "من العهد التركي إلى العهد الإيطالي إلى عهد المملكة"، وأنهم "يستحقون أن يعيشوا بكرامة تحت الشمس وفوق الأرض".

وثمّن حفتر جهود كل من سبقه في مسار المصالح الوطنية، قائلاً: "كل الجهود التي سبقتنا هي جهود طيبة ونتعامل معها بكل خير، لكن قد تنقصها النظرة العميقة".