التقرير أكد وجود عروض لدفع رشى لمشاركين في الحوار لكنه لم يذكر أسماء
التقرير أكد وجود عروض لدفع رشى لمشاركين في الحوار لكنه لم يذكر أسماء

أزمة جديدة تهدد السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا، ونتائج الحوار الوطني، بعد تسريب تقارير أممية عن تلقي بعض الأشخاص المشاركين في الحوار رشاوى للتصويب لصالح رئيس الحكومة الجديدة، عبد الحميد دبيبة.

وذكر خبراء في الأمم المتحدة في تقرير رفع إلى مجلس الأمن، الأحد، أنه "تم شراء أصوات ثلاثة مشاركين على الأقل" في محادثات السلام الليبية التي ترعاها الهيئة الدولية، وفق وكالة فرانس برس. 

وأكد الكاتب والمحلل السياسي حسين مفتاح، أن عملية المال السياسي صاحبت المفاوضات الليبية منذ البداية في جنيف، وطالب بمحاسبة الضالعين في الأمر سواء مقدمي الرشاوى أو متلقيها.

 وقال مفتاح في تصريحات لموقع قناة "الحرة" إنه "لو ثبت صحة التقارير الأخيرة بشأن استخدم الرشوى في اختيار المجلس الرئاسي والحكومة الجديدة فذلك يعد كارثة تهدد العملية السياسية في ليبيا".

من جانبه، قال علي التكبالي، عضو مجلس النواب الليبي، إنه "معلوم منذ البداية أن عبد الحميد دبيبة قد وصل لمنصبه بالرشاوى للمشاركين في الحوار، وبدأ للاستعداد لذلك منذ عام".

وأضاف التكبالي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن "بعض أفراد البعثة الأممية متورطون في هذه الفضيحة"، وأن "ما حدث وصمة عار في جبين الأمم المتحدة"، وطالبها بتحقيق شامل لهذه القضية.

وكان أعضاء لجنة الحوار الوطني، المكون من 75 شخصا والتي اختارتهم الأمم المتحدة، انتخبت قائمة المنفي، المكونة من محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي، وموسى الكوني، وعبدالله حسين اللافي، وعبد الحميد دبيبة، رئيسا للحكومة، لإدارة البلاد حتى إجراء انتخابات برلمانية في ديسمبر القادم.

وكان فوز قائمة المنفي ودبيبة مفاجأة للجميع، وخاصة إنها جاءت على حساب قائمة عقيلة صالح الرجل القوي في الشرق، وفتحي باشاغا الرجل القوي في الغرب ب39 صوتا مقابل 34 صوتا.

"الحكومة فقدت مصداقيتها"

وفي التقرير الذي من المقرر تقديمه إلى مجلس الأمن في 15 مارس الجاري، وجد خبراء الأمم المتحدة أنه خلال محادثات تونس، عرض اثنان من المشاركين "رشاوى تتراوح بين 150 ألف دولار و 200 ألف دولار لثلاثة أعضاء على الأقل في منتدى الحوار السياسي الليبي، إذا التزموا بالتصويت لدبيبة كرئيس للوزراء". 

وأعد التقرير، الذي لم يُنشر بعد، خبراء الأمم المتحدة المنوط بهم فحص انتهاكات حظر الأسلحة الدولي المفروض على ليبيا.

وفي فقرة من تقريرهم، أفاد الخبراء بأن أحد المندوبين "انفجر غضبا في بهو فندق فور سيزنز في تونس العاصمة عند سماعه أن بعض المشاركين ربما حصلوا على ما يصل إلى.. 500 ألف دولار مقابل منح أصواتهم إلى دبيبة، بينما حصل هو فقط على 200 ألف دولار".

وأكد أحد المشاركين في المحادثات، طلب عدم الكشف عن هويته، لفرانس برس أنه كان شاهدا على ما حصل، معربا عن غضبه من "الفساد غير المقبول في وقت تمر ليبيا بأزمة كبيرة".

وقالت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا بالإنابة آنذاك، ستيفاني ويليامز، للمندوبين والصحفيين إنها فتحت تحقيقا في مزاعم الرشوة. 

وفي رسالة بتاريخ 20 فبراير، دعت المشاركتان في منتدى الحوار السياسي سيدة كامل اليعقوبي، وعزة محمود عصيد خليفة، مبعوث الأمم المتحدة يان كوبيش إلى نشر تقرير الخبراء، قائلتين إن هذه المزاعم تمثل إهانة لـ"كرامتهما وشرفهما وشفافيتهما".

وذكر التكبالي أنه بعد هذه التقارير فقدت الحكومة الجديدة ورئيسها مصداقيتها، وقال إنه "ليس مؤهلا لتولي رئيس الحكومة أو حتى أن يصبح موظفا عاما في الدولة"، مشيراً إلى أنه يتوقع أن يمتنع عدد كبير من النواب عن التصويت لمنح الثقة للحكومة.

تأثير سلبي

ويعتقد مفتاح أنه لو ثبت تورط رئيس الحكومة وأعضاء المجلس الرئاسي، فإن ذلك سيضرب العملية السياسية ويجعل نتائج الحوار الوطني، الذي رعته الأمم المتحدة، في مهب الريح.  كما قال إنه سيضع البعثة الأممية في موقف محرج للغاية، وسيدفعها للبحث عن آلية جديدة للحل.

بينما يرى المحلل السياسي السنوسي إسماعيل، أن نتائج الحوار الوطني أنقذت ليبيا من حمامات الدم، وبالتالي فالمحافظة على هذه النتائج والحكومة الجديدة، أهم من التركيز على بعض الخروقات التي شابت هذه العملية، على حد قوله. 

وقال إسماعيل في تصريحات لموقع "الحرة" إنه ربما يكون لهذه التقارير تأثير سلبي على عملية تشكيل الحكومة، وأنها ستزيد الضغوط على دبيبة، حتى تكشف الأمم المتحدة عن الأسماء المتورطة في 15 مارس الجاري.

وطالب الأمم المتحدة بالتحقيق بشفافية في هذه القضية ومعاقبة المتورطين ولو على الأقل أدبيا بإبعادهم عن ملتقى الحوار الوطني.

وتأتي هذه التقارير في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة الجديدة لعرض التشكيل الوزاري على البرلمان في جلسة 8 مارس الجاري في مدينة سرت، بحسب ما أعلن عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي.

وتعاني عملية تشكيل الحكومة الجديدة من عملية مخاض عسير بسبب الانقسام البرلماني حولها، وتمثيلها لمختلف المناطق الليبية.

كما أعلن رئيس اللجنة العسكرية الليبية (5+5)، أحمد علي أبو شحمة، أنه من الصعب تأمين جلسة مجلس النواب في سرت لمناقشة منح الثقة للحكومة بسبب وجود قوات أجنبية فيها.

وأكد أبو شحمة أن اللجنة لا تستطيع تنفيذ خطتها لإخراج العناصر الأجنبية من أراضي البلاد، نظرًا لعدم امتلاكها الولاية القانونية لتنفيذ هذه الأعمال، فضلًا عن عدم تبعيتها لأي قوة أمنية على أرض سرت.

وقال في بيان السبت: "اللجنة تقدر حرص مجلس النواب على إعطاء الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، مضيفًا أن اللجنة بصفتها لجنة عسكرية تسعى لوقف إطلاق النار وحقن دماء الليبيين، وإخراج العناصر الأجنبية من أراضي البلاد".

ويتعين على دبيبة أن يحظى بثقة البرلمان الليبي خلال تصويت على حكومته بحلول 19 مارس. في حال فشله ستعرض الحكومة على ملتقى الحوار السياسي الليبي ليمنحها الثقة وفقا لخارطة الطريق التي أعدتها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

عرقلة الحكومة

وبعد تسريب هذه التقارير، توجهت تسع منظمات حقوقية ليبية بشكوى إلى النائب العام في طرابلس، للتحقيق في استخدام المال السياسي لرشوة مشاركين خلال ملتقى الحوار السياسي الليبي في تونس، وفقا لبوابة إفريقيا.

وأعربت المنظمات عن بالغ صدمتها وانزعاجها من محاولات استخدام المال السياسي وشراء الأصوات. وطالبت المنظمات في بيان لها، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإفصاح عن نتائج التحقيق الإداري الذي تجريه، مطالبة باستبعاد أعضاء الحوار الذين يثبت تورطهم وحرمان المرشحين المتورطين من الترشح لأي منصب في الحكومة والمجلس الرئاسي.

وأكدت المنظمات الحقوقية أنه دون الكشف عن نتائج التحقيق واستبعاد المتورطين فلن تتمتع نتائج الحوار بالقبول والاحترام لدى الليبيين، مشيرة إلى العواقب الوخيمة على فرص تحقيق السلام وإجراء الانتخابات العامة.

وأشار مفتاح إلى أن توقيت خروج هذه التقارير والإعلان عنها قبل أيام من جلسة منح الثقة للحكومة، يهدف لبعثرة الأوراق وإعادة المشهد الليبي إلى الوراء إلى ما قبل يونيو 2020 ولعرقلة نيل الحكومة ثقة البرلمان وليس مكافحة الفساد، على حد قوله.  

يذكر أن ليبيا غارقة في فوضى غذتها التدخلات الأجنبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011، وتشهد نزاعا بين سلطتين: حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تتخذ طرابلس مقرا، وسلطة يجسدها خليفة حفتر الرجل القوي في شرق البلاد.

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.