تسع رحلات ذهاب وعودة بين دمشق وبنغازي بأقل من شهر
تسع رحلات ذهاب وعودة بين دمشق وبنغازي بأقل من شهر

دعوات متكررة أطلقتها الأمم المتحدة والحكومة الجديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تطالب الدول بسحب مرتزقتها وقواتها من ليبيا، لضمان نجاح عملية المصالحة في البلاد.

لكن منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، لم تستجب الدول لهذه المطالب، بل عملت بعض مجموعات المرتزقة مثل فاغنر الروسية، على تأمين مواقعها بحفر عدد من الخنادق في سرت والجفرة.

حث مجلس الأمن الدولي، يوم الجمعة، الدول التي لديها قوات ومرتزقة في ليبيا على سحبها "دون تأخير" كما ينص اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة في البلاد.

كما دعا رئيس الوزراء الليبي المكلف، عبد الحميد الدبيبة، الثلاثاء، قوات المرتزقة والمقاتلين الأجانب المتواجدين في البلاد إلى المغادرة، مؤكدا عزمه التواصل مع الأمم المتحدة بهدف رحيل هذه القوات.

وقال الدبيبة في كلمته أمام النواب: "المرتزقة خنجر في ظهر ليبيا، ولابد من العمل على إخراجهم ومغادرتهم، وهو أمر يتطلب الحكمة والاتفاق مع الدول التي أرسلتهم". وأضاف "سنتصل مع بعثة الأمم المتحدة" لبحث إخراج هذه القوات.

تحدي كبير

ويرى المحلل السياسي، السنوسي إسماعيل، أن استمرار وجود المرتزقة في البلاد يمثل تحديا كبيرا أمام حكومة الدبيبة، ستخلق الكثير من العراقيل في طريقها لتحقيق السلام في البلاد.

وأضاف إسماعيل في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن بعض الأطراف ستستخدم وجود المرتزقة كورقة ضغط على الحكومة الجديدة. وأكد أن استمرار المرتزقة سيضع مصداقية المجتمع الدولي والأمم المتحدة على المحك، وسيزيد من صعوبة تحقيق مخرجات الحوار الوطني في جنيف.

وقال الخبير العسكري، عادل عبد الكافي، إن انتشار هذه المرتزقة سيمثل عبئا كبيرا على الحكومة الجديدة، وأكد أن هذا هو أكثر الملفات الشائكة أمامها، ويمثل تحديا كبيرا للحكومة والمجتمع الدولي، وتحديدا المرتزقة الروس الذين ينتشرون في الأماكن الاستراتيجية بالبلاد وحول حقول النفط وموانئ التصدير.

وأكد عبد الكافي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن حل هذا الملف الشائك يقع على عاتق مجلس الأمن والولايات المتحدة، من خلال دعمهما عملية الاستقرار والحل السياسي والضغط على الدول الأجنبية بسحب قواتها.

وليبيا غارقة في فوضى غذتها التدخلات الأجنبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011، وتشهد نزاعا بين سلطتين: حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تتخذ طرابلس مقرا، وسلطة يجسدها خليفة حفتر الرجل القوي في شرق البلاد.

أماكن سيطرة الأطراف السياسية في ليبيا

وكان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، دعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة في غضون ثلاثة أشهر والالتزام بحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وهي البنود التي لم يتم الوفاء بها.

بحسب الأمم المتحدة، لا يزال هناك زهاء 20 ألف جندي ومرتزقة في ليبيا نهاية عام 2020 ولم تلاحظ حتى الآن أي حركة انسحاب.

وهي في الغالب موزعة حول سرت، حيث يقع خط الجبهة منذ منتصف يونيو، وإلى الجنوب في قواعد جوية رئيسية لا سيما في الجفرة، على بعد 500 كم جنوب طرابلس لصالح الموالين لحفتر، وإلى الغرب في الوطية (الموالية لحكومة الوفاق الوطني)، أكبر قاعدة عسكرية على الحدود التونسية.

وأشهر هذه المجموعات، مرتزقة فاغنر الروسية التي أرسلتها موسكو لدعم حفتر، والمرتزقة السوريين الذين جلبتهم تركيا لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، كما يوجد مرتزقة سوريين يدعمون حفتر تمولهم موسكو، ومرتزقة من تشاد وتونس وبعض الوجهات الإفريقية الأخرى مثل دارفور.

وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، بلغ عدد المرتزقة السوريين الذين أرسلتهم أنقرة إلى الأراضي الليبية حتى الآن، نحو 18 ألفا، من بينهم 350 طفلا دون سن الـ18، وعاد منهم نحو 10750 إلى سوريا، بعد انتهاء عقودهم وأخذ مستحقاتهم المالية، بالإضافة إلى 2500 آخرين يحملون الجنسية التونسية.

وأكد إسماعيل أن النفوذ التركي الروسي في ليبيا أصبح يشكل قلقا لأوروبا وأميركا والدول المجاورة، وأنه يتوقع زيادة الضغط عليهما لسحب قواتهما من البلاد.

وأوضح أن ملف المرتزقة والقوات الأجنبية في ليبيا أصبح أكثر تعقيدا، بسبب ارتفاع أعدادها بشكل كبير، وظهور المصالح التي جاءت من أجلها.

ورقة ضغط

بينما أشار عبد الكافي إلى أن خليفة حفتر وقيادات الشرق سيعملون على استمرار المرتزقة الروس في البلاد، وسيرفضون خروجهم في الفترة القادمة، حتى لا ينهار مشروعهم الهادف للسيطرة على الدولة الغنية بالنفط.

وأوضح أن قيادات الشرق تعتمد على المرتزقة الروس كورقة ضغط على الحكومة، لضمان وجودهم في المشهد السياسي في ليبيا.

يوم السبت، قال الناطق باسم غرفة عمليات سرت الجفرة التابعة لحكومة الوفاق عبدالهادي دراه، لقناة "الحرة" إن مرتزقة فاغنر والجنجويد عادوا إلى مدينة سرت، الجمعة، بعد انسحابهم منها قبل انعقاد جلسة البرلمان الليبي لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية.

وأوضح دراه أن مقاتلي الشركة الروسية عادوا إلى معسكري القرضابية والجالط في سرت صحبة مجموعات من مقاتلي الجنجويد على متن 12 حافلة. وأضاف أن انسحابهم السابق كان لمسافة 6 كيلومترات نحو شرق مدينة سرت وبشكل مؤقت قبل العودة من جديد عقب انتهاء جلسات البرلمان.

من جانب آخر، نفى مصدر عسكري رفيع في قوات الجيش الوطني، الذي يقوده خليفة حفتر، لقناة "الحرة"، السبت، هذه التصريحات ووصفها بأنها تصريحات مكررة تعكس مساعي مجموعات حكومة الوفاق المسلحة للحصول على مكاسب معينة أو تعطيل العملية السياسية وإلقاء اللوم على الجيش حسب تعبيره.

وفي يناير الماضي، كشفت صور للأقمار الصناعية أن قائد قوات "الجيش الوطني الليبي" خليفة حفتر، ومرتزقة فاغنر الروس الداعمين له، يقومون بحفر خندق ضخم حول مدينة سرت باتجاه قاعدة الجفرة معقل المرتزقة الروس، ما يؤكد أن مرتزقة فاغنر لا تنوي الخروج من ليبيا خلل الفترة المقبلة، وتنوي الاستقرار على المدى البعيد، وفقا لقناة "سي إن إن".

وأظهرت الصور عن سلسلة من أكثر من 30 موقعًا دفاعيًا تم حفرها في الصحراء وسفوح التلال التي تمتد لنحو 70 كيلومترًا. كما تظهر تكتلات دفاعية حول قاعدة الجفرة الجوية، وكذلك مطار براك جنوبًا، حيث تم تركيب وتحصين دفاعات الرادار الظاهرة.

الإرادة الدولية

ويرى إسماعيل أن ما يحدث على الأرض يشكك في إمكانية خروج هذه المرتزقة في الوقت القريب، وأكد أن المرتزقة القادمة من دارفور أصبحت تفضل الاستمرار في ليبيا من العودة إلى أراضيها، لأن التواجد في ليبيا، سيمكنها من السيطرة على طرق تهريب البشر والوقود.

وأكد عبد الكافي أن المرتزقة الروس يمتلكون أسلحة متقدمة من الجيل الثالث والرابع مثل بعض الطائرات العمودية وطائرات "سوخوي 24" ومنظومة الدفاع بانتير، مشيرا إلى أنهم يقومون بحفر الخنادق وتفخيخ الطرق بين السرت والجفرة بحقول من الألغام.

وقال إسماعيل إنه من المرجح أن قوات فاغنر التي تسيطر على الخط الفاصل من سرت إلى الجفرة، والذي يفصل الشرق والغرب، تقوم بحفر هذه الخنادق من أجل توصيل أنابيب النفط، مشيرا إلى أن استمرارها في البلاد يرجع في رغبتها في التوسع في إفريقيا والسيطرة على تجارة الوقود والألماس في القارة.

وشدد  أنه على حكومة الدبيبة توحيد القوى العسكرية في البلاد، لاستخدامها في مواجهة هذه المرتزقة في حال رفضت الخروج من البلاد، متوقعا حدوث مواجهات عسكرية مع هذه المرتزقة.

ويعتقد عبد الكافي أن الحكومة يمكنها بدء مسارات سياسية مع مجلس الأمن وإدارة الرئيس جو بايدن، لاستكمال المسار السياسي ولم شمل الليبيين، حتى تستطيع الحكومة الجديدة تحجيم الدور الروسي في البلاد باستخدام ثقلها السياسي والعسكري، وإخراج مرتزقة فاغنر.

وأكد أنه بدون وجود إرادة دولية من مجلس الأمن والولايات المتحدة، لا يمكن طرد المرتزقة من البلاد.

عبدالغني الككلي

بعد غروب شمس  الثاني عشر من مايو، دوّى صوت الرصاص في حي "أبو سليم" وسط العاصمة الليبية طرابلس. لم يكن الحدث غريبا في مدينة اعتادت على أصوات الاشتباكات المسلحة. لكن، هذه المرة، كان الشعور مختلفا. 

مع انقضاء شطر من الليل، كان عبد الغني الككلي، المعروف بلقب "غنيوة"، أحد أقوى قادة الميليشيات في العاصمة، قد قُتل. 

الرجل الذي كان يعد شريكا، ومنافسا في وقت لاحق، لحكومة الوحدة الوطنية، انتهى فجأة.

أثار الخبر دهشة الشارع الليبي، في طرابلس وخارجها. 

لسنوات، خضعت منطقة أبو سليم، إحدى أكثر مناطق العاصمة تنوعا قبليا، لسيطرة ما يُعرف بـ"قوة دعم الاستقرار"، وهي الميليشيا التي قادها غنيوة شخصيا. 

وأعلنت وزارة الدفاع الليبية، بعد مقتله، أنها أعادت السيطرة على الحي، في تطور اعتبره كثيرون بداية مفترضة لترسيخ سلطة الدولة. إلا أن مفهوم "سلطة الدولة" في ليبيا يبقى غامضا، في بلد طالما تقاسمت فيه الميليشيات القرار.

الاشتباكات التي أدت إلى مقتل غنيوة اندلعت بين قوة دعم الاستقرار، التابعة للمجلس الرئاسي، ولواء 444، التابع لوزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية. ووصفت مصادر ليبية ما جرى بأنه أعنف مواجهة أمنية شهدتها إحدى المؤسسات الرسمية منذ سنوات.

وبحسب مصادر محلية تحدثت إلى "الحرة"، فإن المواجهة سبقتها، بأيام، حادثة أثارت غضب الحكومة تمثلت في اقتحام عناصر من جهاز "دعم الاستقرار" لشركة الاتصالات القابضة، وهي مؤسسة مملوكة للدولة، واختطاف رئيس مجلس إدارتها ونائبه، في محاولة للهيمنة على المؤسسة. وكان هذا التصرف، كما يبدو، القشة التي قصمت ظهر التحالف بين غنيوة وحكومة الدبيبة.

رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة وصف مقتل غنيوة بأنه "خطوة حاسمة نحو القضاء على الجماعات غير النظامية وترسيخ أن مؤسسات الدولة هي الجهة الوحيدة الشرعية في البلاد".

من قائد ميداني إلى قوة موازية للدولة

لم يكن عبد الغني الككلي مجرد قائد ميليشيا، بل أصبح مؤسسة قائمة بذاتها. عقب ثورة فبراير 2011، أسس الككلي "كتيبة حماية بو سليم" لسد الفراغ الأمني المنطقة، مستغلا انهيار أجهزة الدولة. وسرعان ما توسعت الكتيبة، مدعومة بأسلحة تم الاستيلاء عليها من مستودعات نظام معمر القذافي بعد انهياره، لتتحول إلى قوة أمنية تسيطر على مرافق حكومية، وتتلقى تمويلا رسميا.

ومع الوقت، أعيد تشكيل الكتيبة تحت عناوين مختلفة، وصولا إلى "جهاز دعم الاستقرار" الذي حظي بشرعية رسمية بقرار من حكومة الوفاق الوطني السابقة، بقيادة فايز السراج. 

بعد تسلّمه الحكم، دخل الدبيبة في تحالف مع الككلي، لكن ذلك التحالف تفكك لاحقا بسبب توسّع نفوذ جهاز دعم الاستقرار وتحوّله إلى سلطة موازية تهدد سلطة الدولة.

يقول المحلل السياسي الليبي رمضان معيتيق، في تصريح لـ"الحرة"، إن الدبيبة يحاول إثبات قدرته في السيطرة على زمام الأمور الأمنية والسياسية في غرب البلاد "للمحافظة على شرعيته الدولية والأقليمية".

ويضيف بأن ما حدث "تغيير مهم جدا وأعطى لحكومة الوحدة الوطنية رصيدا كبير جدا، مع سقوط أبرز المنافسين للحكومة".

مشهد ميليشيوي معقد وولاءات متشابكة

ليست قوة "دعم الاستقرار" الميليشيا الوحيدة في طرابلس. إذ بلغ عدد التشكيلات المسلحة في العاصمة نحو 50 تشكيلا، أبرزها "قوة الردع الخاصة" المتمركزة في قاعدة معيتيقة الجوية، والتي تدير مطار طرابلس الوحيد، وتُشرف على سجن تقول إنه يضم آلاف السجناء المتهمين بالتطرف والإرهاب.

توترت العلاقة بين قوة الردع والحكومة في الآونة الأخيرة، وتطور الخلاف إلى اشتباكات بالأسلحة الثقيلة، وهددت ميليشيات من خارج طرابلس بالتدخل لصالح "الردع"، ما كاد يفجر الوضع الأمني بالكامل لولا اتفاق على وقف إطلاق النار.

بحسب معيتيق، فإن الحكومة قد تتوصل إلى تسوية تُبقي على بعض عناصر "الردع" داخل مؤسسات الدولة، مقابل تسليم المطار والسجن. وقد يتم دمج العديد من عناصر هذه القوة داخل وزارة الدفاع، في مسعى لتفكيك الميليشيات دون الدخول في مواجهات مفتوحة معها.

حكومتان لبلد منقسم 

خارج طرابلس، يبدو المشهد أكثر تعقيدا. من الحدود المصرية شرقا إلى مدينة سرت في وسط الساحل الليبي، مرورا بالصحراء الجنوبية حتى تخوم تشاد والنيجر والجزائر، تخضع تلك المناطق لسيطرة قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم من مجلس النواب في بنغازي، والذي يحظى بدعم مباشر من روسيا.

أما الغرب الليبي، فيخضع لحكومة الوحدة الوطنية، المعترف بها دوليا، والتي تدعمها تركيا، إلى جانب المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة. ويعمل هذا الكيان وفق اتفاق سياسي عُرف باتفاق تونس - جنيف، أُبرم عام 2020، وينص على تشكيل سلطة تنفيذية من مجلس رئاسي وحكومة وحدة.

لكن التوتر لا يزال قائما بين المكونات السياسية في الغرب، وسط غياب أي مسار حقيقي نحو توحيد مؤسسات الدولة بالكامل.

"ساعة الصفر"؟ ربما قد بدأت

يعتقد رمضان معيتيق أن مقتل الككلي قد يكون بداية مسار جديد. 

"هذه الجماعات المسلحة باتت عقبة في تأسيس جيش نظامي ليبي حقيقي، فهناك قرار ضمني بالقضاء على هذه المليشيات،" يقول معيتيق، مؤكدا أن ساعة الصفر قد حانت على ما يبدو، لأن التطورات السياسية المتسارعة على المسرح الدولي عجلت في بدء عملية الإقصاء، وهناك توافق دولي بشأن ما يحدث في الداخل الليبي.

ويضيف معيتيق أن دولا إقليمية - لا سيما تركيا والجزائر - تدعم استقرار حكومة الوحدة، في حين أن روسيا، رغم دعمها لحفتر، لديها مصلحة في إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة التي تعمل خارج سيطرة الدولة.

وعلى الرغم من التوتر بين المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة بعد الأحداث الأخيرة، يؤكد معتوق، أن الخلاف مؤقت، وأن "الغضب الشعبي سيتلاشى والمجلس لن يتخلى عن الحكومة".

ماذا بعد غنيوة؟

سواء مثّل سقوط عبد الغني الككلي بداية لإصلاح حقيقي في ليبيا، أو مجرّد حلقة أخرى في سلسلة إعادة توزيع النفوذ، يبقى الحدث مفصليا في العاصمة التي أنهكتها الميليشيات. وقد تكون منطقة أبو سليم، التي طالما اعتُبرت رمزا لهيمنة المسلحين، تجربة اختبار للانطلاق نحو ليبيا موحدة ومستقرة ومن دون ميليشيات.