في الخامس من فبراير الماضي، انتخبت لجنة الحوار الوطني الليبية، برعاية الأمم المتحدة، مجلس رئيسيا جديدا برئاسة محمد المنفي، وعبد الحميد دبيبة، رئيسا للحكومة، هدفهم الرئيسي هو تهيئة البلاد لإجراء الانتخابات في 24 ديسمبر القادم.
لكن بعد مرور 4 أشهر، لازال الغموض يحيط بمصير هذه الانتخابات، ومدى قدرة الحكومة الجديدة على تنظيمها، في ظل استمرار الخلاف حول القاعدة الدستورية، وهل سيتم الاستفتاء على الدستور أولا أم تنظيم الانتخابات أولا، بالإضافة إلى انتشار المرتزقة في البلاد.
ويرى المتحدث باسم مبادرة القوى الوطنية الليبية، محمد شوبار، إن الظروف غير ملائمة لإجراء انتخابات حرة نزيهة وشفافة، مؤكدا أنه توجد الكثير من التحديات أمام الحكومة لإجراء الانتخابات في الموعد المتفق عليه.
وقال شوبار في تصريحات لموقع "الحرة" إنه قبل 6 أشهر من الانتخابات لم يتم تضمين الخارطة السياسية، التي تم الاتفاق عليها من لجنة الحوار الوطني، في الإعلان الدستوري وهو المرجعية القانونية الوحيدة للبلاد.
وهو ما يتفق عليه الباحث السياسي والأكاديمي الليبي، فرج دردور، الذي يرى أنه "من الصعب إجراء الانتخابات في موعدها من الناحية التنظيمية والقانونية".
وقال دردور في تصريحات لموقع "الحرة" إن هناك خلاف بين مجلس النواب في طبرق، الذي يرأسه عقيلة صالح الموالي لخلفية حفتر، ومجلس الدولة في طرابلس على القاعدة الدستورية التي ستعتمد عليها الانتخابات.
ضغوط المجتمع الدولي
وفي اجتماع مجلس الأمن الجمعة الماضية، طالبت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، بفرض عقوبات على أي شخص يعرقل الانتخابات المخطط لها في خارطة طريق منتدى الحوار السياسي الليبي.
وأعربت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، عن أسفها لعدم إحراز تقدم سياسي. وقالت: "حان الوقت لتوضح القيادة الليبية الأساس الدستوري للانتخابات وإقرار التشريعات المطلوبة وضمان عدم إرجاء الانتخابات"، وطالبت بتحقيق تقدم في هذا الصدد قبل الأول من يوليو.
كما دعت سفارات خمس دول غربية هي الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا في بيان مشترك، في مطلع الشهر الجاري، السلطات الليبية إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها، لإخراج البلاد من الفوضى الغارقة فيها منذ عشر سنوات.
وقالت السفارات الخمس في بيانها إنّها تذكّر بأنّ مجلس الأمن الدولي "دعا السلطات والمؤسّسات الليبية، بما في ذلك حكومة الوحدة الوطنية ومجلس النواب، إلى تسهيل انتخابات 24 ديسمبر 2021، والاتفاق على القاعدة الدستورية والأساس القانوني للانتخابات بحلول لأول من يوليو".
ولفت البيان إلى أنّه "بالإضافة إلى الترتيبات السياسية والأمنية، فإنّ الاستعدادات الفنّية واللوجستية مهمّة وأساسية"، في وقت لم تبدأ فيه حكومة الوحدة الوطنية الليبية بعد بالتحضير لإجراء الانتخابات على الرّغم من أنّ المهمّة الأساسية لهذه الحكومة هي إجراء هذه الانتخابات.
وبحسب رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السائح، فإن إجراء الانتخابات يحتاج إلى قوانين، كما أن المفوضية تحتاج إلى 4 أشهر للتحضير لأي عملية انتخابية، و3 أشهر لتنفيذ قانون الانتخابات العامة.
الدستور أولا أم البرلمان
وأكد المبعوث الأممي إلى ليبيا، يان كوبيش، على ضرورة وجود قاعدة دستورية واضحة وإطار قانوني للانتخابات بحلول الأول من يوليو.
ويعتبر الاتفاق على القاعدة الدستورية هو أبرز المعوقات أمام تنظيم الانتخابات. بحسب قرار مجلس الأمن رقم 2570، فإنه يجب الاتفاق على الإطار الدستوري والانتخابي قبل الأول من يوليو، حتى يتم للمفوضية العليا تنظيم الانتخابات في موعدها.
في 4 مايو، أحال كوبيش القاعدة الدستورية التي أنجزتها اللجنة القانونية إلى ملتقى الحوار، لاعتمادها والفصل في النقاط الخلافية. ومن المقرر أن يناقش ملتقى الحوار هذه القاعدة في 26 و27 من الشهر الجاري، ثم إحالتها للموافقة عليها من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.
وأبرز ما جاء في هذه القاعدة هو تأجيل الاستفتاء على الدستور إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية، وهو ما أثار الخلاف بين الفصائل السياسية.
بالرغم من أن لجنة صياغة الدستور شددت على ضرورة إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات. إلا أن رئيس المفوضية العليا للانتخابات عماد السايح، أكد استحالة إجراء الاستفتاء قبل الانتخابات من الناحية التقنية، إلا إذا تم تأجيل الانتخابات إلى 2022.
وقال شوبار إنه بالفعل توجد أصوات تطالب بإجراء الاستفتاء على الدستور قبل الانتخابات، مشيرا إلى أنه يفضل إجراء الانتخابات أولا، لأن ليبيا تحتاج إلى مجلس نواب منتخي وتكوين مؤسسات جديدة.
بينما يرى دردور أن الليبين يفضلون إجراء الاستفتاء على الدستور أولا لأنهم يريدون تنظيم الانتخابات على أسس دستورية واضحة. ورفض الأراء التي تقول إن الاستفتاء أولا يعرقل المسار السياسي.
وقال رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، في تصريحات صحفية: "جزءا كبيرا من الأزمة في ليبيا بسبب عدم الاستفتاء إلى الآن على مشروع الدستور"، مفضلا إجراء الانتخابات في ظل وجود دستور. وأشار إلى أن الانتخابات دون دستور يعني دخول ليبيا في مرحلة انتقالية جديدة.
كما كتب عبدالرازق العرادي، أحد أبرز قيادات الإخوان المسلمين في ليبيا، في تغريدة على موقع تويتر: " لابد من العودة إلى الشعب الليبي لاستعادة الشرعية. الشعب انتخب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور وقد أنجزت المهمة. لماذا يصر البعض على حرمان الشعب الليبي من استعادة الشرعية بالاستفتاء على مشروع الدستور؟!".
وأضاف: " الحقيقة أن هناك من يصر أن تجرى الانتخابات الرئاسية على قاعدة دستورية مهلهلة تمهد الطريق لعودة الاستبداد من جديد ولتفصيل الدستور على مقاس هذا المستبد".
لكن السايح يعتبر المطالبات بإجراء الاستفتاء على الدستور قبل الانتخابات العامة المقررة في 24 ديسمبر من العام الجاري، مجرد محاولة للمماطلة و عرقلة الاستحقاق المقبل، بحسب ما نقلت عنه بوابة أفريقيا.
وقال: "القرار السياسي بخصوص إجراء الانتخابات العامة المقبلة في موعدها لم يحسم بعد، مواقف الأطراف السياسية في الداخل والخارج لا زالت إلى الآن غامضة". وأشار إلى أن بعض الدول تعمل على عرقلة الانتخابات للحفاظ على مصالحها.
انتشار المرتزقة
بالإضافة إلى الخلاف القانوني والدستوري، يعتبر انتشار المرتزقة في البلاد أحد الأسباب التي تجعل من الصعب إجراء الانتخابات في موعدها بحسب مراقبون.
وليبيا غارقة في فوضى غذتها التدخلات الأجنبية منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011، وتشهد نزاعا بين سلطتين: حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من الأمم المتحدة والتي تتخذ طرابلس مقرا، وسلطة يجسدها خليفة حفتر الرجل القوي في شرق البلاد.
وكان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، دعا إلى انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة في غضون ثلاثة أشهر والالتزام بحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، وهي البنود التي لم يتم الوفاء بها.
بحسب الأمم المتحدة، لا يزال هناك زهاء 20 ألف جندي ومرتزقة في ليبيا نهاية عام 2020 ولم تلاحظ حتى الآن أي حركة انسحاب.
ولا يعتقد شوبار إنه بدون خروج المرتزقة وجمع السلاح وتوفير الظروف الأمنية يمكن إجراء انتخابات حرة نزيهة، كما تريديها المجموعة الدولية. وأوضح أن هذه المرتزقة، المدعومة من الدول الأجنبية، لا تؤثر على الأمن القومي الليبي فقط بل على كل أمن المنطقة بأكملها.
لكن دردور يرى أن وجود المرتزقة وانتشار الميليشيات في البلاد ليس عائقا أمام إجراء الانتخابات، وأضاف المرتزقة ليست ظاهرة جديدة وقد نظمت الحكومة انتخابات المؤتمر الوطنبي في 2012 في ظروف أسوأ من الناحية الأمنية.
وأشار إلى أن قائدة هذه الميليشيات غير معنيين بالانتخابات بل كل ما يهمهم هو حصولهم على المنافع الاقتصادية، لذلك لن يتدخلوا في هذه الانتخابات.
الوضع الاقتصادي
أما التحدي الثالث الذي يعرقل إجراء الانتخابات في موعدها هو الوضع الاقتصادي، وقال شوبار إنه حتى الآن لم يتم توفير الأموال اللازمة لإجراء الانتخابات، كما أن الأوضاع الاقتصادية السيئة قد تدفع المواطنين إلى العزوف عن المشاركة في الانتخابات.
وقال السايح إن الأموال التي تستعد بها المفوضية هي من الميزانية المخصصة من الحكومة السابقة، وهي لا تكفي لإجراء الانتخابات الجديدة.
وأكد المبعوث الأممي إلى ليبيا أن عدم إجراء الانتخابات في موعدها سيمثل "خيبة أمل للشعب الليبي".
