عادت الأزمة الليبية إلى المربع الأول مرة ثانية، بعد فشل ملتقى الحوار السياسي في جنيف في التوصل إلى اتفاق يمهد لإجراء انتخابات في موعدها.
وبحسب مسؤولي الأمم المتحدة، فقد فشلت المحادثات، المنعقدة في فندق على بعد 15 كيلومترا من جنيف، رغم مدها ليوم خامس في ظل عجز المشاركين عن التوافق.
وكان من المقرر أن يضع اجتماع الملتقى إقرار القاعدة الدستورية للانتخابات وسن التشريعات اللازمة قبل 1 يوليو 2021، بغية إتاحة الوقت الكافي للمفوضية العليا للانتخابات للتحضير للانتخابات وفق الجدول الزمني المحدد.
لكن الوفود ومسؤولين من الأمم المتحدة قالوا إنهم لم يتمكنوا من التوصل لاتفاق بشأن عدد من المقترحات المطروحة، مما دفع المنظمين إلى تمديد المحادثات التي كان من المقرر أصلا أن تستمر أربعة أيام فقط.
وقالت بعثة الأمم المتحدة إن أعضاء ملتقي الحوار السياسي الليبي شكلوا لجنة مكلفة بسد الفجوة بين المقترحات المطروحة على المنتدى. لكن الجمود ظل قائما.
وتعتبر الانتخابات جزء أساسي من الجهود الدولية لإرساء الاستقرار في ليبيا التي تشهد اضطرابات منذ انتفاضة دعمها حلف شمال الأطلسي في 2011 وأدت للإطاحة بمعمر القذافي.
ومن المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 ديسمبر، بحسب خارطة الطريق التي تم التوافق عليها في ملتقى الحوار الوطني في نهاية العام الماضي.
سبب الخلاف
تتكون لجنة الحوار من ٧٥ عضو يمثلون أطياف الشعب الليبي بمختلف فئاته وتقسيماته الجغرافية، ويدور الخلاف بينهم حول إجراء الانتخابات أولا أم الاستفتاء على الدستور أولا .
واقترحت اللجنة التوافقية المنبثقة من الملتقى ثلاث خيارات الأول هو إرساء قاعدة برلمانية مؤقتة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ثم إقرار دستور دائم. الخيار الثاني هو إرساء قاعدة دستورية مؤقتة وإجراء انتخابات برلمانية فقط، ثم إقرار الدستور الدائم ثم إجراء الانتخابات الرئاسية. أما الحل الثالث فهو إقرار الدستور أولا ثم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
ولم يتفق الفرقاء على أي من الحلول، بل أن أكثر من عشرين عضوًا من أعضاء ملتقي الحوار انتقدوا بعثة الأمم المتحدة ورأوا أن كل في ذلك نقض لخارطة الطريق المتفق عليها بالفعل، والتي كانت تنص على إرساء قاعدة دستورية مؤقتة أولا ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر، ثم كتابة دستور دائم.
فضلا عن ذلك، يدور الخلاف حول كيفية انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع المباشر من الشعب أم انتخابه من قبل أعضاء البرلمان، بالإضافة إلى شروط الترشح لرئيس الجمهورية خاصة مع التوجه إلى نظام القوائم للرئيس ونائبيه. وتدور الخلاقات كذلك حول تشكيل البرلمان، هل يتكون من مجلس واحد أم مجلسين هما النواب، يتكون من 200 عضوا، ومجلس الشيوخ يتكون من 120 عضو.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ريال لو بلون في إفادة يوم الجمعة "إنه يسعى حقا إلى تحقيق توافق للمضي قدما لإيجاد الأساس الدستوري الذي يسمح للبلاد بإجراء الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر".
وفي حين أن هذه الخلافات لها طبيعتها الفكرية، حيث أنها ترسي قواعد إقامة دولة جديدة، لكن لها جذورها أيضا في مصالح الأطراف المتنازعة.
يتهم المتحدث باسم المجلس الأعلى للدولة، محمد بنيس، الموالين للمشير خليفة حفتر بالتسبب في فشل المفاوضات، قائلا " الأطراف الداعمة لحفتر تتعنت، وهدفها تفصيل تفصيل قاعدة دستورية على مقاسه تسمح له بالترشح".
وأضاف بنيس في تصريحات لموقع قناة "الحرة": "نحن في المجلس الأعلى للدولة موقفنا واضح وهو الذهاب للاستفتاء علي الدستور و إذا رفض من قبل الشعب يقوم المجلسين باعتماد المسودة لدورة برلمانية وإذا رفض هذا المقترحأ أيضا نحتكم للمسودة كقاعدة دستورية للمرحلة الانتقالية القادمة".
وتابع: " المجلس الأعلى للدولة أكد على إجراء الانتخابات في 24 من ديسمبر، وقدم كل الدعم للحكومة من أجل الايفاء بمهامها والوصل إلى الانتخابات ولكن نسعى الآن لأن تكون هذه الانتخابات وفق دستور مستفتى عليه من الشعب".
عمليا، يستحيل أن تتم كتابة دستور دائم جديد والاستفتاء عليه قبل موعد الانتخابات المزمعة في ٢٤ ديسمبر، وبالتالي ففي حديث بينس اقتراح مستتر بتأجيل الانتخابات.
ويختلف معه الزهراء لنقي، عضو لجنة الحوار التي ترى في هذ السيناريو نكوص عن خارطة الطريق، حيث كتبت عبر فيسبوك:"لن نكون شهود زور ولن نسمح بالتدليس وبتضييع البوصلة وإجهاض خارطة الطريق.. لا المغالبة ولا للتدليس .. لن نقبل بالتصويت على ماهو مخالف لخارطة الطريق".
وأضافت: "لن نسمح بإجهاض المسار لصالح سلطة الأمر الواقع . فلتكن هناك لجنة تحكيم خارجية ليبية تحسم المسائل الخلافية في القاعدة الدستورية". وتابعت: "عرقلة مخطط المعرقلين هو واجبنا الوطني. لا مجال للفشل أو إجهاض المسار. حُملنا أمانة بأن نُعيد القرار للأمة الليبية في اختيار من يمثلها. موعدنا 24 ديسمبر. قد انطلق القطار ولن نقبل بتفكيك سكة الحديد".
وذكرت إلهام سعودي عضو المنتدى في تصريح لرويترز يوم الجمعة إن ما حدث لم يكن النتيجة التي تطلع إليها المشاركون لكنها أفضل نتيجة ممكنة في ظل الخيارات المطروحة وعجز قيادة بعثة الأمم المتحدة عن إبقاء المحادثات في مسارها.
قلق دولي
من جانبه، أكد المبعوث الخاص للولايات المتحدة الأميركية وسفيرها لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، الجمعة، أن بعض الليبيين يحاولون عرقلة الانتخابات التي تم التوافق على إقامتها يوم 24 ديسمبر القادم.
وقال نورلاند في بيان "لقد تابعنا عن كثب اجتماعات الملتقى في جنيف هذا الأسبوع، بما في ذلك العديد من الأعضاء الذين يبدو أنهم يحاولون إدخال (حبوب سامة) تضمن عدم إجراء الانتخابات - إما عن طريق إطالة العملية الدستورية أو من خلال خلق شروط جديدة يجب تلبيتها لإجراء الانتخابات".
وبحسب نورلاند، فإن بعض هؤلاء الأفراد يدعون "أنهم يعملون نيابة عن القادة السياسيين الذين قدموا للولايات المتحدة تأكيدات واضحة بأنهم يدعمون الانتخابات في 24 ديسمبر". وأكد نورلاند "في نهاية المطاف، لا يمكن تحديد مستقبل ليبيا إلا من قبل الليبيين".
وقال مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، يان كوبيش، يوم الاثنين، إن مغادرة سويسرا دون قرار هذا الأسبوع "ليس خيارا مطروحا" بالنظر للإطار الزمني المتاح.
ووصف كوبيش يوم الخميس الجلسة التي عقدت في ذلك اليوم بأنها "صعبة" وحث الوفود على الامتناع عن "السلوك غير المهذب والهجمات الشخصية" دون أن يدلي بمزيد من التفاصيل.
وقال الأمين العام المساعد ومنسق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ريزيدون زينينجا، إن المحادثات شهدت "جدلا محتدما" وتهديدات بالانسحاب.
وذكر زينينجا في الجلسة الختامية "سيشعر الشعب الليبي بالخذلان بالتأكيد إذ أنه لا يزال يتوق إلى الفرصة المواتية لممارسة حقه الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 ديسمبر. هذا لا يبشر بخير لمصداقية وأهمية منتدى الحوار السياسي الليبي في المستقبل".
وحث رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة في تغريدة له فجر السبت كافة الأطراف التى وصفها بالوطنية والبعثة الأممية للاضطلاع بمسؤولياتهم و تغليب المصلحة العامة و التوافق حول صيغة كفيلة بإجراء الانتخابات في موعدها و تمكين الشعب الليبي من ممارسة حقه في الانتخاب.
أزمة ثقة
وقال رئيس مجلس نواب طرابلس، حمودة سيالة، إن الأزمة الحقيقية هي أزمة ثقة بين جميع الأطراف الليبية المشاركة في ملتقى الحوار السياسي، مشيرا إلى أن الأطراف فشلت في إيجاد قاعدة دستورية تجري على أساسها الانتخابات.
وأضاف سيالة في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن بعض الأطراف يرفضون التوقيع على وثيقة القاعدة الدستورية، لأن ذلك يعني توقيعهم على وثيقة خروجهم من المشهد السياسي وفقدانهم كل امتيازات النفوذ والحصانة.
بينما يعتبر المحلل السياسي، حسين مفتاح، أن "سبب الفشل هو طريقة إدارة البعثة الأممية للحوار، مشيرا إلى أن أعضاء الملتقى لم يتم اختيارهم من الشعب، ومنح البعثة تيار الإسلام السياسي أكثر من ثلث المقاعد في الملتقى، وهو الثلث المعطل دائما في أي محادثات"، على حد قوله.
وأضاف مفتاح في تصريحات لموقع "الحرة" أن تيار الإسلام السياسي يرفض فكرة الانتخابات الرئاسية المباشرة وكل المقترحات المرتبطة بها، ويتحجج بضرورة إجراء استفتاء على الدستور أولا.مستقبل المشهد السياسي
أما عن مستقبل المشهد السياسي في البلاد، يرى سيالة أن الأمر لم ينته بعد، وتوقع إجراء جولة جديدة أو اثنين، مؤكدا وجود متسع من الوقت لإجراء الانتخابات في موعدها.
ويعتقد رئيس مجلس نواب طرابلس أن المجتمع الدولي الذي نجح في التوصل إلى تغيير السلطة التنفيذية في البلاد، قادر على الوصول إلى قاعدة دستورية وإجراء الانتخابات في موعدها.
كما استبعد سيالة عودة الصراع المسلح بين الأطراف الليبية مرة أخرى، مشددا على ضرورة الالتزام جميع الأطراف بخارطة الطريق.
لكن مفتاح يعتقد أن إجراء الانتخابات في موعدها أمر مستبعد بشكل كبير، وأرجع بعض الأطراف المحلية والخارجية، التي ترتبط مصالحها باستمرار الوضع الحالي في البلاد، نجحت في تعطيل أي خطوة تساهم في تجهيز للانتخابات سواء كانت إجراءات لوجستية أو قانونية أو أمنية.
ويؤكد مفتاح أن المشهد السياسي أو الأمني في البلاد هش، مشيرا إلى أن عودة الحرب أمر وارد في أي وقت، لأن الجميع يحتفظ بحشوده في أماكن التماس. مشيرا إلى أن الأطراف السياسية لا أعتقد في فكرها التنازل للتوصل إلى حل توافقي بل الجميع متمسك بشروطه ومصالحه ومكاسبه ويصر يتم تفصيل أي مقترح للحل بحيث يخدم مصالحه.
ومنذ 2011، ابتليت ليبيا بالفساد والاضطراب منذ أن أطاحت الانتفاضة التي دعمها الناتو بالديكتاتور معمر القذافي وقتله. في السنوات الأخيرة، انقسمت البلاد بين حكومة تدعمها الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس، وسلطات متنافسة مقرها في طرابلس شرقي البلاد.
كان كل جانب مدعومًا من قبل الجماعات المسلحة والحكومات الأجنبية. وقدرت الأمم المتحدة في ديسمبر أن هناك ما لا يقل عن 20 ألف مقاتل ومرتزقة أجنبي في ليبيا، بما في ذلك أتراك وسوريون وروس وسودانيون وتشاديون.