عشر سنوات مرت على إطاحة حكم معمر القذافي، تخطت البلاد بعدها محطات مختلفة، بحثا عن الاستقرار. وفي إحدى هذه المحطات أصبح نجله سيف الإسلام ثاني المرشحين للانتخابات الرئاسية في ليبيا، معولا على الشعبية التي لا يزال يحظى بها في بعض المناطق بالداخل.
ولن يعد ترشح القذافي الابن للانتخابات الرئاسية رسميا إلا بعد موافقة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات على "المسوغات القانونية" في وقت لاحق من نوفمبر الجاري. وعقب تقدمه بأوراق ترشحه، قالت المحكمة الجنائية الدولية، إنها لا تزال تتبع سيف الإسلام المطلوب لديها.
يقول إبراهيم بلقاسم، المحلل السياسي الليبي، إن ترشح سيف الإسلام القذافي، الذي ظهر أمس بزي كان والده يشتهر بارتدائه على الدوام "يعيد ترتيب أوراق اللعب لأنه يمتلك كتلة شعبية كبيرة، المتمثلة في أنصار القذافي الأب".
وتأييدا له بعد إعلانه الترشح، تظاهر أنصار القذافي في مسقط رأسه سرت، وفي معقله السابق ببني وليد.
غير أن المحلل السياسي الليبي أحمد المهدوي يختلف مع ذلك، قائلا إن سيف الإسلام "يعتقد" أنه يمتلك الكتلة الانتخابية الأكبر، مرجحا أن يعمد القذافي الابن إلى استغلال الحنين للفترة التي سبقت انتفاضة عام 2011، التي ساندها حلف شمال الأطلسي، وأطاحت والده من الحكم، لتغرق ليبيا في عقد من الفوضى والعنف.
يقول المهدوي لموقع "الحرة": "حاول سيف الإسلام الاستثمار في فشل ثورة فبراير عام 2011 لتحقيق أهدافه، واستعطاف من ندموا على خوضهم هذه التجربة وربطوا بين عودة الاستقرار السياسي والاقتصادي والمعيشي بعودة أحد أبناء القذافي إلى سدة الحكم".
وأضاف "تناسى القذافي الابن تماما أن السبب الرئيس لانهيار الدولة في ليبيا هو حكم والده الذي استمر 42 عاما".
انتقام أم مصالحة؟
وعندما تفجرت الانتفاضة في 2011 على حكم معمر القذافي، قال سيف الإسلام لرويترز: "نقاتل هنا في ليبيا وسنموت هنا في ليبيا".
لكن مقاتلين من منطقة الزنتان الجبلية اعتقلوه وهو يحاول الفرار من ليبيا إلى النيجر، وقطعوا أصبعيه اللذين كان يحذرهم بهما، بينما قال محامي سيف الإسلام فيما بعد إن ذلك نتج عن إصابته بشظية في يده اليمنى.
وعن سيف الإسلام تساءل المهداوي: "هل جاء للبناء أم جاء لانتقام؟"، مضيفا "إذا كان جاء لينتقم لن يستطيع الشعب تحمل انتقاما أكثر من الأوضاع المعيشية السيئة والانقسام السياسي وشرخ النسيج الاجتماعي".
وحاليا تسعى ليبيا إلى تجاوز هذا الفصل بعد حوار سياسي، أطلق في نوفمبر 2020، بين الأطراف الليبية في سويسرا برعاية الأمم المتحدة، وأدى الى وقف لإطلاق النار وتشكيل حكومة انتقالية يفترض أن تشرف على الانتخابات الرئاسية في 24 ديسمبر، تليها البرلمانية في يناير من العام المقبل.
ويعتقد المهدوي أن يمنح ترشيح القذافي الابن أملا في مصالحة وطنية حقيقية بين أنصار النظام السابق وأنصار فبراير أو أنصار الكرامة، في إشارة إلى اسم العملية التي أطلقها المشير خليفة حفتر، الرجل القوي في الشرق، ضد جماعات إسلامية مسلحة، من بينها جماعات مقربة من "الإخوان".
ويختلف بلقاسم مع هذا الطرح، قائلا لموقع "الحرة": "سيف الإسلام فشل قديما في تقديم مشروع (ليبيا الغد) برغم أن والده كان لا يزال في الحكم ويمتلك كل الأدوات. أما اليوم فقد تغير الوضع، وأصبح القذافي الابن مرشح فصيل سياسي وليس سيف عام 2009 أو 2010".
ويقول بلقاسم إن فوز سيف الإسلام القذافي بالانتخابات الرئاسية سوف يضر الجميع بالنظر إلى تركة والده من الصراعات التي قد يرثها، على حد قوله، مضيفا "هو أحد ثلاثة أسماء سيسبب وصولهم إلى رأس السلطة نزاعا مسلحا".
وإلى جانب خلافاته في الداخل، يرى بلقاسم إن القذافي الابن سيواجه "مشكلة أكبر خارج ليبيا". وفسر قائلا: "هناك دول ترفض بوضوح وجود سيف في المشهد، مثل فرنسا".
وفي سبتمبر الماضي، قال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، في مقابلة مع "الحرة": "كل العالم لديه مشكلة بترشح سيف الإسلام القذافي للانتخابات الرئاسية، فهو أحد مجرمي الحرب، ويخضع لعقوبات أممية وأميركية".
منافسة قوية
ومن المرجح أن يقدم حفتر هو الآخر أوراق ترشيحه الرئاسية، بعدما علّق، في 22 سبتمبر الماضي، مهامه العسكرية رسميا.
ومن المحتمل أيضا أن تشهد الانتخابات الرئاسية أيضا مشاركة وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، ورئيس حزب "السلام والازدهار" محمد خالد عبد الله الغويل، ورئيس تكتل "إحياء ليبيا" عارف النايض، ورئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح.
يقول المهداوي: "الرجل يواجه منافسة قوية من المشير حفتر وباشاغا وخالد الغويل وعارف النايض. المنافسة ليست سهلة. ومن يقول إن سيف الإسلام سيكتسح غير مدرك للوضع الليبي المتقلب"، مضيفا "نعم. لديه مؤيدين، لكن في المقابل لديه معارضين أيضا".
ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية على جولتين؛ الأولى في 24 ديسمبر المقبل والثانية تبدأ مع الانتخابات البرلمانية أي بعد 52 يوما من الجولة الأولى.
ويعول المهداوي على البرنامج الانتخابي لسيف الإسلام لكنه يرجح خسارته من الجولة الأولى "إذا أخطأ في اختيار أعضاء حملته الانتخابية".
وفي إشارة إلى انتماءاته الأسرية والعشائرية، اختار سيف الإسلام مركز تسجيل بسبها لتقديم ترشحه فيها. والمدينة التي تقع في جنوب البلاد هي معقل قبيلة القذاذفة، أي المكان الذي لا تزال عائلة القذافي تتمتع فيه بقاعدة شعبية وكذلك حماية واسعة.
وتعليقا على ذلك، يقول بلقاسم: "يبدو أنه يرغب في إدارة الانتخابات من المكان الذي يحظى فيه بشعبية كبيرة"، إلا أنه أعرب عن تخوفه من استمرار تموضعه في سبها.
وأوضح قائلا: "الآن بوجود سيف في جنوب ليبيا، دخلنا في مثالثة خطيرة جدا، يضاف إليها وجود حفتر في الشرق، والدبيبة على رأس الحكومة في الغرب. هذا الوضع يجبرنا إلى الذهاب للانتخابات دون انتظار".
وفي أكتوبر الماضي، نقلت مواقع ليبية عن رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، خلال لقائه عمداء البلديات، قوله: "ليبيا مقسمة حاليا 3 تقسيمات رئيسية سياسية وليس إقليمية، من يؤمنون بثورة فبراير وأنصار النظام السابق وأنصار الكرامة".
وأضاف "لو نظمنا انتخابات رئاسية بصلاحيات واسعة وفاز فيها أحد أنصار فبراير مثلا، لن يرضى عنه أنصار النظام السابق أو الكرامة به".
وقد مهد سيف الإسلام لعودته للساحة السياسية الليبية عبر مقابلة نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في يوليو الماضي.
وفي المقابلة، قال ضاحكا: "لقد قضيت 10 سنوات بعيدا عن أنظار الليبيين. عليك أن تعود إليهم خطوة خطوة. مثل راقصة"، مضيفا "عليك أن تلعب بعقولهم قليلا".
