مجموعات مسلحة في طرابلس
مجموعات مسلحة في طرابلس

اتخذت الأزمة السياسية في ليبيا منعطفا جديدا الشهر الماضي، حين وافق البرلمان في الشرق على تعيين حكومة جديدة بقيادة وزير الداخلية السابق، فتحي باشاغا، في تحد واضح لـ"حكومة الوحدة الوطنية" برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس.

ويثير الجمود السياسي خلال الأيام الماضية، وفشل باشاغا في تسلم مقار الحكومة في العاصمة طرابلس، المخاوف من اندلع حربا بين الطرفين في الغرب.

وقال العقيد فرج اخليل، القيادي بعملية بركان الغضب، الأحد، إنه "بنسبة 70% ستندلع حربا يعاد بها تشكيل القوي الأمنية بطرابلس، واجتثاث ما نسبته 40% من مليشيات الفساد وكذلك اقتلاع العائلة الفاسدة".

وأضاف اخليل في منشور له على فيسبوك أن "قوى عسكرية كبيرة يجري التجهيز لها من المنطقة الوسطى لهذه العملية في طرابلس". وتابع: "المرحلة التي وصلت إليها ليبيا حاليا لا يمكن السكوت عنها".

وذكر أن الدبيبة "يجر العاصمة لحرب خاطفة هو الخاسر فيها لا محالة"، وأشار خليل إلى أن العملية لن تشارك بها وحدات عسكرية من المنطقة الشرقية وكذلك منطقة طرابلس العسكرية.

من جانبه، يرى المحلل السياسي، السنوسي إسماعيل، أنه "توجد احتمالية لعودة الصراع في العاصمة طرابلس"، مرجعا ذلك إلى هشاشة الاستقرار في ليبيا، و"إجراءات حكومة الدبيبة الاستفزازية".

وأوضح إسماعيل في حديثه مع موقع "الحرة" أن حكومة الدبيبة اتخذت إجراءات إدارية وعسكرية "استفزازية مثل منع رواتب ضباط بعض العسكريين في الشرق والغرب"، بالإضافة إلى "محاولة إغراء الميلشيات العسكرية للانضمام إليها".

كان باشاغا قد حاول دخول طرابلس قبل ثلاثة أسابيع في رتل مسلح ضخم، لكن الرتل عاد أدراجه عندما سدت قوات متحالفة مع الدبيبة الطرق المؤدية إلى العاصمة، بحسب رويترز.

الدخول بطريقة "سلمية"

وذكرت مصادر عسكرية أن القافلة تحركت من مصراتة، لكنها لم تجد طريقا لدخول طرابلس دون مواجهة مقاومة من الفصائل الداعمة للدبيبة. وقال مكتب باشاغا إن القافلة كانت قوة أمنية لا تسعى للدخول في حرب، وإنها عادت إلى قاعدتها السابقة استجابة لمطالب أصدقاء دوليين وإقليميين.

وقال باشاغا لوكالة رويترز في نهاية الشهر الماضي، إنه يتوقع ممارسة مهامه في طرابلس خلال الأيام القادمة دون استخدام القوة.

وأضاف: "لدينا اتصالات مباشرة مع الغرب الليبي، مع طرابلس، النخبة السياسية وقادة الكتائب وأيضا بعض الشخصيات المجتمعية". وأكد باشاغا مرارا أنه لن يستخدم القوة لدخول طرابلس، وتابع: "قدومنا إلى طرابلس وإلى مقرات عمل الحكومة سيكون سلميا بالكامل".

والاثنين، اندلعت اشتباك بين مجموعتين مسلحتين في وسط العاصمة الليبية طرابلس، أسفرت عن مقتل شخصين على الأقل وإصابة نحو خمسة آخرين، بحسب ما قال مصدر أمني لوكالة فرانس برس. 

من جانبها قالت وسائل إعلام محلية إن الاشتباك دار بين قوة حفظ ودعم الاستقرار التابعة للمجلس الرئاسي وقوة النواصي التابعة لوزارة الداخلية، مشيرة إلى أن الضحايا يتوزعون على كلا القوتين.

ولم يحدد المصدر هوية المجموعتين اللتين دار الاشتباك بينهما، مشيرا إلى أن تبادل إطلاق النار تمّ في منطقة شارع الصريم واستمرّ لدقائق معدودات قبل أن تنتشر قوات أمنية فيه وتعود حركة السير إلى طبيعتها.

فكرة مرفوضة

في المقابل، استبعد المحلل السياسي، عبدالله الكبير، احتمال نشوب حرب كبيرة على غرار ما حدث في السنوات الماضية، مشيرا إلى أن "القوات التركية في الغرب هي الضامن لعملية السلام والاستقرار، وأن المناوشات التي تحدث من فترة لأخرى هي فقاعة ماء لا أكثر".

وقال الكبير في حديثه لموقع "الحرة" إن الدبيبة لا يرفض تسليم السلطة، ولكنه يريد تسليمها لحكومة منتخبة بطريقة وصحيحة"، وأضاف أن الطريقة التي انتخب بها باشاغا "مخالفة للدستور والإعلان السياسي".

ونعمت ليبيا بفترة هدوء نسبي نادرة منذ انهيار هجوم نفذته قوات شرق ليبيا واستمر 14 شهرا على طرابلس في صيف عام 2020، مما قاد إلى عملية سلام تدعمها الأمم المتحدة.

وشملت هذه العملية تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة الدبيبة مهمتها توحيد مؤسسات الدولة التي انقسمت على مدى سنوات بين حكومتين متنافستين في شرق البلاد وغربها والإشراف على الاستعدادات لإجراء انتخابات عامة.

لكن عملية الانتخابات انهارت في ديسمبر قبل موعد التصويت بقليل، واختلف الفريقان المتنافسان على الطريق الصحيح الذي يتعين اتخاذه لإجرائها. وأعلن البرلمان، الذي أخذ غالبا صف الجانب الشرقي أثناء الحرب الأهلية، انتهاء تفويض حكومة الدبيبة، كما أعلن فترة انتقالية جديدة تحت قيادة حكومة باشاغا وعدم إجراء انتخابات حتى العام المقبل.

من جانبه، قال الخبير العسكري، رمزي رميح، إن فكرة الحرب أصبحت مرفوضة على جميع المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.

وأكد رميح في حديثه مع موقع "الحرة" أن باشاغا "يرفض الحرب ويريد دخول طرابلس بطريقة سلمية، وهذا سبب تأخر تسلمه السلطة حتى الآن".

وأشار إلى أن أهالي طرابلس لن يقبلوا أن يتسلم السلطة بقوة السلاح وعلى حساب أمنهم وسلامتهم .

وكان قادة عسكريون في شرق ليبيا قالوا السبت، إنهم علقوا مشاركتهم في اللجنة العسكرية "5+5" واتهموا الحكومة التي مقرها طرابلس بالتقاعس عن تسليم السلطة إلى حكومة جديدة ودعوا إلى إغلاق الطريق الذي يربط شرق البلاد بغربها.

وقال إسماعيل إن هذه الخطوة تصعيدية قد تعيد البلاد إلى الانقسام والحرب والمربع صفر مرة ثانية في حال أقدمت اللجنة على إغلاق الطرق ووقف إنتاج النفط.

وأشار إلى أن وقف إطلاق النار والعملية السياسية في البلاد معتمد على عمل هذه اللجنة، مؤكدا أن قرارها جاءت ردا على ضغوط الدبيبة. وقال إن "الدبيبة يحاول إشعال الصراع والانقسام لكي يستمر في السلطة".

من جهته، أكد الكبير أن قرار اللجنة العسكرية "عودة لحالة الانقسام السياسي" مرة ثانية، مضيفا أن أعضاء اللجنة "يحاولون افتعال المشكلات والأزمات السياسية لترسيخ الانقسام والبقاء في السلطة".

وتضغط الأمم المتحدة من أجل إجراء انتخابات سريعا وتريد عقد اجتماع بين أعضاء من البرلمان وهيئة تشريعية أخرى، هي المجلس الأعلى للدولة، للاتفاق على الأسس القانونية والتشريعية للاقتراع.

الأمم المتحدة دعت في منشور إلى إطلاق سراح السنوسي "فورا"
الأمم المتحدة دعت في منشور إلى إطلاق سراح السنوسي "فورا" | Source: social media

ندّدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، السبت، بـ"الاحتجاز التعسفي" لصحفي بارز في ليبيا هذا الأسبوع، داعية إلى إطلاق سراحه "فورا" ومحذرة من "تضييق الخناق" على الحريات الإعلامية في البلاد.

والصحفي أحمد السنوسي هو رئيس تحرير موقع "صدى" الاقتصادي الذي لطالما نشر تقارير عن فساد في البلاد الغنية بالنفط، وأوقف في منزله في طرابلس لدى عودته من تونس، وفق عائلته.

وأعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن "قلقها البالغ إزاء الاعتقال والاحتجاز التعسفي للصحفي أحمد السنوسي في 11 يوليو في طرابلس".

ودعت البعثة في منشور على منصة إكس إلى "إطلاق سراحه فورا".

وحذرت البعثة من أن "تضييق الخناق على الصحفيين يعزز مناخ الخوف ويقوّض البيئة اللازمة للانتقال الديمقراطي في ليبيا".

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي، في عام 2011، تشهد ليبيا نزاعات وانقسامات وتدير شؤونها حكومتان متنافستان: الأولى في طرابلس (غرب) برئاسة عبد الحميد الدبيبة وتعترف بها الأمم المتحدة، والثانية في الشرق وتحظى بدعم البرلمان والمشير خليفة حفتر.

وشدّدت البعثة الأممية على أن "وجود فضاء مدني مزدهر، يمكن الليبيين من المشاركة في نقاش وحوار مفتوح وآمن وممارسة حقهم في حرية التعبير، أمر ضروري"، داعية "السلطات الليبية في جميع أنحاء البلاد إلى حماية الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام".

ويفيد أحدث تقرير للسنوسي بضلوع وزير الاقتصاد، محمد علي الحويج، في فساد.

ولم تدل السلطات الليبية بتعليق على الاعتقال الذي دانته أيضا حكومات غربية.

واعتبرت لجنة حماية الصحفيين أنه "من غير المقبول ألا تكشف السلطات مكان احتجازه أو سبب اعتقاله".

وأعرب السفير الهولندي لدى ليبيا، يوست كلارنبيك، في منشور عن "قلق بالغ"، مشددا على "وجوب إجراء تحقيق شامل في أي أعمال احتجاز تعسفي أو اختفاء قسري أو سوء معاملة".

وقالت منسقة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في لجنة حماية الصحافيين، يغانه رضائيان، إنه "يجب على السلطات الليبية إطلاق سراح السنوسي فورا وبدون قيد أو شرط وضمان عودته الآمنة إلى منزله".