مساع أميركية لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا
مساع أميركية لإنهاء الأزمة السياسية في ليبيا | Source: Twitter: @StateDept_NEA

حظيت مبادرة المبعوث الأممي الخاص إلى ليبيا بزخم أكبر بعد أن أعلنت الولايات المتحدة "دعمها الكامل" لهذه الجهود الرامية لإخراج الدولة الواقعة شمال أفريقيا من مأزقها السياسي.

والتقى وفد أميركي برئاسة، باربرا ليف، مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، برفقة سفير الولايات المتحدة لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، بكبار المسؤولين من مختلف الأطراف السياسية الليبية.

وشددت ليف التي تزور ليبيا حاليا على "دعم الولايات المتحدة الكامل لجهود الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة (عبدالله) باتيلي وعمله مع القادة والمؤسسات الليبية لوضع إطار دستوري وجدول زمني للانتخابات هذا العام".

وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي الليبي، محمود الرملي، أن هذه المبادرة الأممية تعد الأبرز على اعتبار أنه "لا توجد على أرض الواقع مبادرات أخرى كفيلة بالنجاح".

وقال لموقع قناة "الحرة" إن الدعم الدولي بقيادة الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا لمبادرة باتيلي، يساعد في تحقيق اختراق تجاه الأزمة الليبية بهدف إيجاد استقرار في منطقة المتوسط.

وفي وقت سابق هذا الشهر، دعا مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، عبدالله باتيلي، الأطراف المتنافسة في البلاد إلى الاتفاق على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية "بحلول منتصف يونيو" وذلك لإنقاذ البلد الغارق في أزمة سياسية وفوضى أمنية منذ ثورة 2011.

كان باتيلي، أعلن نهاية الشهر الماضي عن خطة جديدة للسماح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في عام 2023.

وقدم باتيلي في إحاطته أمام مجلس الأمن بنيويورك يوم 27 فبراير، ما أسماها مبادرة تهدف إلى "تمكين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال العام 2023". 

وتنص على إنشاء لجنة رفيعة المستوى لتنظيم الانتخابات واعتماد إطار قانوني وجدول زمني لإجرائها.

وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي، أحمد المهداوي، إن المبادرة الأممية تأتي بهدف "الضغط على مجلسي النواب والدولة من أجل الإسراع لإعداد مسودة دستورية للانتخابات".

وكانت مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى التقت، الثلاثاء، بالمبعوث الأممي باتيلي، ووزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية، نجلاء المنقوش، وذلك بعد يوم واحد من لقاء عددا من المسؤولين الليبيين، بمن فيهم رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، والمشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني اللييي في مدينة بنغازي شرق البلاد.

والثلاثاء أيضا، التقت ليف برئيس المجلس الرئاسي في ليبيا، محمد المنفي، ضمن إطار جهودها الرامية لإنجاح المبادرة الأممية حيث ناقشت "سبل دعم إجراء الانتخابات في الوقت المناسب وتوحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والأمنية الليبية".

وضمن رحلتها، اجتمعت ليف كذلك مع رئيس المجلس الأعلى للدولة، خالد المشري، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة. 

"رغبة جادة"

ومنذ سقوط نظام معمر القذافي العام 2011، تعاني ليبيا من انقسامات ونزاعات مسلحة وصراع سياسي، وتتنافس حاليا فيها حكومتان على السلطة: واحدة مقرها طرابلس (غرب) برئاسة، عبدالحميد الدبيبة، منذ مطلع عام 2021، وأخرى برئاسة، فتحي باشاغا، عينّها مجلس النواب في مارس من العام الماضي ويدعمها الرجل القوي في الشرق، خليفة حفتر.

وكان مقررا أن تشهد ليبيا انتخابات رئاسية وتشريعية في كانون ديسمبر 2021، لكنها أرجئت بسبب خلافات سياسية وقانونية وأمنية.

وقال المهداوي في حديثه لموقع "الحرة" إن الزيارة الرفيعة لمساعدة وزير الخارجية الأميركي إلى ليبيا، تدل على رغبة واشنطن الجادة في إنهاء الأزمة السياسية الليبية.

وتابع: "هذه الزيارة واللقاءات لها دلالة واضحة أن الولايات المتحدة جادة لإنهاء الأزمة بعد أن كانت هناك ملفات أخرى ذات أولوية للإدارة الأميركية ومنها الحرب الروسية في أوكرانيا".

وبالتزامن مع الزيارة الأميركية الرفيعة إلى البلاد، رحب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، بـ "توافق المجلسين على التعديل 13 للإعلان الدستوري كخطوة نحو إنجاز الانتخابات عام 2023".

وفي تغريدة على تويتر، حث المنفي "المجلسين على سرعة تشكيل لجنة الـ 12 وانعقادها لإنجاز التوافق المستهدف، ونجدد الدعوة إلى توسعة المشاركة في كل ما يتعلق بالعملية الانتخابية بملكية ليبية".

ويرى الرملي أن هذه الخطوة تشكل "بداية نجاح" نحو التوصل لاتفاق يذهب البلاد بكاملها إلى صناديق الاقتراع، على الرغم من الشكوك التي لا تزال تساور الليبيين بإمكانية الخروج من الأزمة.

وشدد الرملي على أهمية سن التشريعات الضرورية لضمان إقامة الانتخابات ونجاحها وقبول الجميع بنتائجها رغم أنه يرى وجود "نقاط ضعف قوية" يمكنها أن تعرقل المبادرة الأممية التي تدعمها واشنطن.

أما المهداوي، فقال إن هذه "ملفات شائكة لم تحل"، منوها على ضرورة إيجاد حلول مسبقة لها على الأرض حتى تنجح المبادرة وتذهب البلاد للانتخابات.

رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر،
رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر،

قال رئيس المفوضية العليا للمصالحة الوطنية في ليبيا، الصديق خليفة حفتر، إن المصالحة الوطنية "تهدف إلى تهيئة المناخ لانتخابات حقيقية ونزيهة، يعبر فيها الليبيون عن صوتهم الحقيقي".

وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كانت الأطراف الليبية مستعدة للانتخابات، أوضح حفتر في مقابلة خاصة مع قناة "الحرة"، أن "هناك عملا متواصلا لتحضير الشعب الليبي وتهيئته لإقامة انتخابات، تنتج عنها حكومة تمثل الشعب وتدافع عن مصالحه".

وشدد حفتر على أن المصالحة الوطنية "يجب أن تشمل جميع الأطراف دون استثناء"، مؤكداً أن "الأيدي ممدودة للجميع، ونعمل على الجلوس والاستماع لكافة الأطراف".

وتعاني ليبيا من الانقسامات منذ سقوط معمر القذافي عام 2011، وتديرها حاليا حكومتان متنافستان: واحدة في طرابلس (غرب) بقيادة عبد الحميد الدبيبة ومعترف بها من الأمم المتحدة، والأخرى في الشرق بقيادة أسامة حمّاد ومدعومة من مجلس النواب وخليفة حفتر.

وكان مقررا إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في ديسمبر 2021، لكنها أرجئت إلى أجل غير مسمّى بسبب الخلافات والانقسامات السياسية والتهديدات الأمنية.

وبشأن مدى شرعية الهيئة الوطنية للمصالحة، اعتبر حفتر أن "شرعيتها تنبع من الليبيين أنفسهم"، قائلا إنه "زار أغلب القبائل الليبية في المنطقة الشرقية والجنوبية، وجلس مع مشايخهم، وكلهم يؤيدون جهود المصالحة".

وعن الجديد الذي تقدمه المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية مقارنة بالمسارات السابقة، شدد حفتر على "لقاء الليبيين على أرض ليبية، والعمل على أن تجمع المصالحة كافة الأطراف دون استثناء أي طرف ليبي".

واعتبر حفتر أن مسار المصالحة الوطنية ومنتهاها هو "تحقيق الاستقرار.. للنمو الاقتصادي وانتعاشه"، مشدداً على أن هذا هو "الطريق لتوحيد المؤسسات الاقتصادية".

وفي رده على سؤال عن ضحايا الصراعات، مثل النازحين وأسر المفقودين وضحايا الانتهاكات، وضمانات حصولهم على العدالة، أكد حفتر أن "الإرهاب أضر بليبيا، ودُفعت تضحيات كثيرة في سبيل القضاء عليه، وسيتم التعويض بحسب قانون الجبر والضرر على المتضررين".

ولفت إلى أن "جبر الضرر والتعويض للضحايا هو حق مكفول بالقانون"، مضيفا: "هذا لا يمكن لأحد أن يزيد فيه أو ينقص".

وشدد على أن الخطر الحقيقي الذي كان يهدد الليبيين هو وجود الإرهاب، معتبرا أن "الإرهاب اجتث في ليبيا من جذوره، على عكس بلدان أخرى".

وأشار حفتر إلى أن الخطوة الأولى في المصالحة هي "الجلوس مع الجميع"، وقال: "بدأنا ومضينا فيها وقطعنا أشواطاً كبيرة"، مؤكداً أنه على "استعداد للذهاب إلى كل مدينة في ليبيا".

وأضاف أنه تم الاحتفال بعيد السنة الأمازيغية، قبل أسابيع قليلة، لأول مرة على مستوى ليبيا كلها، بعد أن اقتصرت الاحتفالات على طرابلس ومناطق أخرى.

الأمم المتحدة تحذر.. ماذا يحدث للمهاجرين في ليبيا؟
حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من استمرار الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء في ليبيا، بمن فيهم الأطفال، مشيرة إلى تعرضهم للتعذيب والمعاملة القاسية واللا إنسانية.

وتابع: "أهلنا الأمازيغ هم مكون أساسي وجوهري حقيقي في ليبيا. لهم حقوقهم، وهذه الحقوق شرعية ومشروعة".

وبشأن ضرورة لقاء الليبيين داخل ليبيا وليس في الخارج، قال: "عندما يجلس الليبيون على طاولة واحدة وعلى نفس البساط يتنازل البعض لبعض. الليبيون لا تنقصهم الحكمة ولا تنقصهم العقول ولا ينقصهم الأكاديميون".

وحول ما إذا كان قد أعلن نية الترشح للانتخابات الرئاسية، رد بأنه "إذا كانت تلك رغبة الليبيين، فسألبيها. لكن رغبتي شخصياً هي أن أسعى لأن أقوم بدوري. أنا لست محتاجاً إلى منصب ولا أبحث عنه".

ولفت كذلك إلى أنه يتم إنشاء "أكاديمية لإعداد القادة السياسيين"، ليكونوا "قادة حقيقيين ليس لديهم عقدة أن كل همهم هو المنصب"، مشدداً على أن "المنصب هو أمانة، والليبيون سيحاسبون من يتولاه".

وأشار إلى أن الليبيين عانوا في مراحل تاريخية متعددة "من العهد التركي إلى العهد الإيطالي إلى عهد المملكة"، وأنهم "يستحقون أن يعيشوا بكرامة تحت الشمس وفوق الأرض".

وثمّن حفتر جهود كل من سبقه في مسار المصالح الوطنية، قائلاً: "كل الجهود التي سبقتنا هي جهود طيبة ونتعامل معها بكل خير، لكن قد تنقصها النظرة العميقة".