سماع دوي استخدام أسلحة ثقيلة في طرابلس. أرشيفية
ليبيا تشهد انقساما سياسيا وصراعا مسلحا خلال السنوات العشر الأخيرة

قبل أيام كانت مساعدة وزير الخارجية الأميركي في ليبيا والتقت بمختلف الأطياف السياسية دعما للمبادرة الأممية الرامية لإنهاء الأزمة وإخراج الدولة الأفريقية من صراع مستمر لأكثر من عقد.

وبعد حوالي عام على إعلانها، أحال الرئيس الأميركي، جو بايدن، خطة عشرية لمنع الصراع وتعزيز الاستقرار في ليبيا، للكونغرس، بموجب قانون مدعوم من الحزبين، حسبما أفاد البيت الأبيض.

وتأتي الخطة الأميركية العشرية التي تشمل دولا أخرى أيضا، ضمن "قانون الهشاشة العالمي"، وهو مبادرة تتبناها مجموعة من الوكالات الحكومية الأميركية لتحقيق الاستقرار بالمناطق المتضررة من الصراع ومنع العنف على الصعيد العالمي، وإنشاء صناديق لدعم هذه الجهود.

وقال وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، السبت، إن الخطة العشرية تمثل "خطوة مهمة في دفع الجهود لتحقيق الاستقرار في المناطق المتضررة من الصراع وهي خطوة نحو سلام عالمي أكبر".

وأضاف بلينكن في بيان أنه "من خلال التعاون، يمكننا معالجة الأسباب الكامنة وراء العنف وعدم الاستقرار قبل اندلاع النزاعات أو تصعيدها".

ويرى محللون أن واشنطن تضغط على كافة الأطراف الليبية بقوة لإحلال السلام والسعي لتنفيذ خارطة طريق لإنقاذ البلاد من صراعاتها والاتجاه نحو الاستثمارات الاقتصادية، لا سيما في مجال الطاقة.

في حديث لموقع قناة "الحرة"، قال الخبير العسكري والاستراتيجي الليبي، خالد عبدالكافي،  إن الولايات المتحدة أصبحت "اللاعب الرئيسي على الساحة الليبية".

وأضاف أن واشنطن تمارس "ضغطا كبيرا على مختلف التيارات السياسية" بهدف إنجاح الخطة التي من شأنها أن "تصب في مصلحة ليبيا والليبيين" وأن تحدث استقرارا يسهم في الحفاظ على مصادر الطاقة.

وتستند الاستراتيجية العشرية الجديدة لمنع الصراع وتعزيز الاستقرار في ليبيا، على شراكات بناءة وبرامج على مستوى المجتمعات المحلية تدعم تطلعات الشعب الليبي في تحقيق الاستقرار والمسائلة والحوكمة المسؤولة، كما يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا.

وقال السفير الأميركي، ريتشارد نورلاند، عبر تويتر، إن هذه المبادرة تؤكد "التزام الولايات المتحدة بالوقوف إلى جانب الشعب الليبي ودعم التقدم نحو حكومة موحدة منتخبة ديمقراطيا يمكنها تقديم الخدمات العامة وتعزيز النمو الاقتصادي في جميع المجالات".

وقال الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية، محمود الرملي، إن "الولايات المتحدة بإمكانياتها وقدرتها تستطيع أن تعمل الكثير من أجل ليبيا وشعبها ومصالح الدول الأخرى أيضا على اعتبار أن ليبيا ليس معزولة".

في حديثه لموقع "الحرة"، يتحدث الرملي عن "رفع الولايات المتحدة لوتيرة اهتمامها وانخراطها في ليبيا بشكل كبير" مستشهدا بالخطة العشرية التي استعرضتها تفاصيلها وزارة الخارجية الأميركية مؤخرا.

ما هي الخطة العشرية؟

وبحسب البيت الأبيض، فإن استراتيجية الولايات المتحدة لمنع الصراع وتعزيز الاستقرار هي مبادرة طويلة الأجل لمنع العنف وتعزيز الاستقرار في المناطق المعرضة للصراع.

وتعمل الولايات المتحدة على تنفيذ هذه الاستراتيجية من خلال خطط مدتها 10 سنوات تم تطويرها مع مشاورات مكثفة مع الجهات المعنية في البلدان الشريكة ذات الأولوية.

وتشمل الخطة الأميركية دول هايتي وليبيا وموزمبيق وبابوا غينيا الجديدة ودول غرب أفريقيا الساحلية وهي بنين وكوت ديفوار وغانا وغينيا وتوغو.

وتستثمر حكومة الولايات المتحدة الموارد لتعزيز الخطط الخاصة بهذه البلدان والمناطق.

وقال عبدالكافي إن واشنطن "تسعى من خلال هذه الخطوات لتقليل دور روسيا في أفريقيا عموما بعد انتشار مرتزقة فاغنر في عدد من الدول الأفريقية".

ما هي تفاصيل خطة ليبيا؟

ونشرت وزارة الخارجية الأميركية تفاصيل الخطة المتعلقة بليبيا التي تواجه عدم استقرار منذ ثورة الربيع العربي عام 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس، معمر القذافي.

وأكدت الخارجية الأميركية أن "الولايات المتحدة ملتزمة بمساعدة الليبيين في كفاحهم المستمر من أجل مستقبل موحد أكثر استقرارا" بعد الانقسام والصراع العنيف.

في أكتوبر 2020، أوقف اتفاق وقف إطلاق النار على الصعيد الوطني القتال وفسح المجال لمنتدى الحوار السياسي الليبي الذي تديره الأمم المتحدة (LPDF) لاختيار حكومة مؤقتة موحدة جديدة وإنتاج خارطة طريق سياسية لإجراء انتخابات وطنية.

ومنذ سقوط نظام القذافي عام 2011، تعاني ليبيا من انقسامات ونزاعات مسلحة وصراع سياسي، وتتنافس حاليا فيها حكومتان على السلطة: واحدة مقرها طرابلس (غرب) برئاسة، عبدالحميد الدبيبة، منذ مطلع عام 2021، وأخرى برئاسة، فتحي باشاغا، عينّها مجلس النواب في مارس من العام الماضي ويدعمها الرجل القوي في الشرق، خليفة حفتر.

وكان مقررا أن تشهد ليبيا انتخابات رئاسية وتشريعية في ديسمبر 2021، لكنها أرجئت بسبب خلافات سياسية وقانونية وأمنية.

في حين توقفت خارطة الطريق منذ ذلك الحين وازدادت التوترات بين الميليشيات المسلحة حول طرابلس، ينخرط الشركاء الأميركيون والدوليون بنشاط في الدبلوماسية لمساعدة ليبيا على اتخاذ خطوات ملموسة نحو حكومة موحدة وحكم شامل وديمقراطي واستقرار سياسي.

وبحسب الخطة، فإن الولايات المتحدة توجه الجهود نحو هدف سياسي طويل الأجل يتمثل في أن ليبيا "تحكمها سلطة منتخبة ديمقراطيا وموحدة وممثلة ومعترف بها دوليا وقادرة على ضمان حقوق الإنسان وتقديم الخدمات العامة وتعزيز النمو الاقتصادي الشامل والمستدام".

علاوة على ذلك، توفر الخطة "تأمين حدودها والشراكة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بشأن الأولويات المشتركة".

وتسعى الخطة إلى زيادة مشاركة وتمثيل النساء والشباب والمجموعات الأخرى المهمشة تقليديا في النظام السياسي الليبي، إذ إن تعزيز العمليات السياسية والاقتصادية الشاملة في البلاد سيساعد على بناء المرونة اللازمة لتحقيق السلام والاستقرار على المدى الطويل، بحسب الخطة.

وقال الرملي إن الخطة "لم تترك مجالا لأي شيء" بعد أن تطرقت لكافة القضايا الدبلوماسية والإنمائية والأمنية. 

ويمثل جنوب ليبيا "النقطة المحورية" للجهود الأولية التي تتطور بشكل تدريجي نحو التقدم في جميع المناطق الرئيسية الثلاث في البلاد، وفي نهاية المطاف من خلال المناطق الفرعية الحساسة في الساحل وغرب أفريقيا الساحلية، وفق تفاصيل الخطة.

ويوضح عبدالكافي، وهو خبير عسكري واستراتيجي أن الجنوب الليبي يشكل نقطة هامة كونه الشريان المغذي لمرتزقة فاغنر التي تدفق عبر المناطق الجنوبية لتشكيل قوى عسكرية يتم تدريبها هناك قبل أن تنتشر بداخل وخارج ليبيا.

وبالإضافة إلى ذلك، يعتقد الرملي أن الاهتمام بالجنوب تحديدا جاء على اعتبار أنها "منطقة مهمشة تاريخيا".

ما هي أهداف الخطة؟

الهدف الأول: تمضي ليبيا قدما في انتقالها إلى نظام سياسي موحد ومنتخب ديمقراطيا ومستقر يتمتع بمشاركة واسعة وقبول من المجتمع الليبي. 

الهدف الثاني: دمج الجنوب المهمش تاريخيا في الهياكل الوطنية بشكل أفضل، مما يؤدي إلى توحيد أوسع وتأمين الحدود الجنوبية.

الهدف الثالث: تتقدم البلاد نحو جهاز عسكري وأمني موحد خاضع لسيطرة مدنية مع احتكاره للاستخدام المشروع للقوة القادر على الحفاظ على الاستقرار والمساهمة في تحقيق أهداف الأمن الإقليمي.

الهدف الرابع: إيجاد بيئة الاقتصاد والأعمال في ليبيا لتعزيز النمو الاقتصادي المستدام والعادل بلا فساد، علاوة على إدارة أفضل للإيرادات.

التركيز على الفئات المهمشة

وبموجب الخطة أيضا، ستعمل الحكومة الأميركية على زيادة المشاركة مع كافة جهات المجتمع المدني ودعمها، لا سيما في جنوب ليبيا في البداية.

ويشمل هذا الدعم جهودا جديدة لتعزيز الفرص الاقتصادية والشمول المالي للفئات المهمشة. وفي الوقت نفسه، ستواصل الحكومة الأميركية حشد الدعم، بما في ذلك من خلال العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، للتوصل إلى حل سياسي بين قادة ليبيا يمكن أن يمهد الطريق لمصالحة أوسع وانتخابات في نهاية المطاف.

وفي وقت سابق هذا الشهر، دعا مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، عبدالله باتيلي، الأطراف المتنافسة في البلاد إلى الاتفاق على تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية "بحلول منتصف يونيو" وذلك لإنقاذ البلد الغارق في أزمة سياسية وفوضى أمنية منذ ثورة 2011.

كان باتيلي، أعلن نهاية الشهر الماضي عن خطة جديدة للسماح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في عام 2023.

وقدم باتيلي في إحاطته أمام مجلس الأمن بنيويورك يوم 27 فبراير، ما أسماها مبادرة تهدف إلى "تمكين إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال العام 2023". 

وتنص على إنشاء لجنة رفيعة المستوى لتنظيم الانتخابات واعتماد إطار قانوني وجدول زمني لإجرائها.

يعلق عبدالكافي قائلا إن ليبيا صارت تمثل "إشكالية" لدول أوروبا والولايات المتحدة لأسباب عدة منها تدفق اللاجئين غير الشرعيين نحو الاتحاد الأوروبي عبر المتوسط، مردفا أن الغرب "يسعى لاستقرار البلاد وإنجاح العملية الانتخابية".

المخاطر وإمكانية النجاح

وتقر الخطة صراحة بالعديد من الافتراضات والمخاطر وتسعى إلى وضع حلول لمعالجتها على اعتبار أن تلك المخاطر من شأنها إعاقة تحقيق الأهداف المنشودة للاستراتيجية.

ويشمل ذلك الوضع السياسي والأمني العام وقدرة الولايات المتحدة على الوصول بشكل أكبر إلى ليبيا للمشاركة في الجهود الدبلوماسية والإنمائية.

وقال عبدالكافي إن الخطة "ستنجح" حال تحقيق عوامل رئيسية أهمها دمج كافة القوى الفاعلة في ليبيا، ولا سيما "التشكيلات العسكرية المؤثرة التابعة للتيارات السياسية، إضافة إلى بعض المليشيات القبلية".

ويعتقد أن النجاح مضمون بنسبة 100 بالمئة "حال العمل على مثل هذا المشروع" وإشراك جميع مكونات الشعب الليبي في هذه الخطة على اعتبار أنهم "أدوات النجاح" على الأرض.

ووفقا للرملي، فإن اجتماعات عقدت في طرابس، الأحد، بمشاركة رئيس أركان جيش حفتر ورئيس أركان المنطقة الغربية، مما يشير إلى أن واشنطن "ماضية بقوة من أجل قوات أمنية وجيش موحد يقع تحت قيادة إدارة مدنية".

وفي هذا الاتجاه، صرح رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة بأن "استقرار طرابلس أعطى فرصة لتقدم المسارات المحلية والدولية لجهود توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، والتقدم في استعداداتنا لإنجاز انتخابات وطنية".

وقال عبر تويتر: "ثوابتنا واضحة: نعم للدولة المدنية، لا للدولة العسكرية، نعم للانتخابات، لا للتمديد، نعم للسلام، لا للحروب".

أما رئيس الحكومة الأخرى، فتحي باشاغا، فرحب بالمبادرة الأميركية من خلال إعادة تغريدة إعلان الخطة من حساب مساعدة وزير الخارجية الأميركي.

إلى ذلك، تحدد الخطة سلسلة من تدابير التخفيف لمعالجة المخاطر المحددة بما في ذلك تقلب الوضع السياسي أو الأمني وذلك إدراكا بأهمية نهج التنفيذ المرن حتى تتمكن واشنطن من تعديل جهودها - حسب الحاجة - للتمكن من تحقيق الأهداف.

ويرى الرملي أن نجاح الخطة يرتهن للاستقرار السياسي في البلاد مما يوحي "بأن واشنطن ستزيد من انخراطها سياسيا من أجل الوصول إلى إدارة منتخبة وموحدة".

وقال إن "الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي" في ليبيا لن يكون لأجل استفادة ليبيا فقط، بل أيضا يحقق الفائدة "لدول أخرى من مصادر الطاقة لا سيما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا" والذي ساهم في اضطراب أسواق الطاقة العالمية.

من جانبه، قال المحلل عبدالكافي إن دولا أخرى "انصاعت للإدارة الأميركية الجديدة وبدأت تنزع خلافاتها لفتح الاستثمارات "، مشيرا إلى أن "المشهد الليبي ليس ببعيد عن هذه الخريطة".

يواجه المهاجرون غير النظاميين في ليبيا مخاطر متعددة
أصبحت ليبيا طريق عبور للمهاجرين الفارين من الصراع والفقر إلى أوروبا

قال مسؤول أمني ليبي إنه تم العثور على 11 جثة أخرى على الأقل لمهاجرين في مقبرة جماعية بجنوب شرق البلاد، ليرتفع إجمالي الجثث التي تم انتشالها من 55 مقبرة إلى 39 جثة، بعد الإعلان يوم الأحد عن انتشال 28 جثة شمالي الكفرة، وهي منطقة كبيرة بجنوب شرق البلاد.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة يوم الاثنين إن الجثث التي عثر عليها في مقبرتين جماعيتين في ليبيا تحمل آثار طلقات نارية، وفق ما أوردت وكالة رويترز.

وتقع المدينة الرئيسية في الكفرة على بعد نحو 1700 كيلومتر من العاصمة طرابلس.

وقال محمد الفضيل رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في قطاع الجنوب الشرقي إنهم يتوقعون العثور على مقابر أخرى.

وأضاف الفضيل أنه تم ترقيم الجثث وأخذ عينات منها لإجراء فحوص الحمض النووي بحضور النيابة العامة والبحث الجنائي.

وأطلع مصدر أمني من الكفرة رويترز على صور تظهر السلطات الأمنية ومتطوعين من الهلال الأحمر الليبي وهم يقيمون خياما في الصحراء، وكانت هناك خطوط بيضاء على الأرض تشير إلى القبور.

وأصبحت ليبيا طريق عبور للمهاجرين الفارين من الصراع والفقر إلى أوروبا في طرق خطيرة عبر الصحراء الكبرى الشاسعة وعبر البحر المتوسط، بعد الإطاحة بمعمر القذافي في انتفاضة دعمها حلف شمال الأطلسي في عام 2011.

وفي السادس من فبراير/شباط، انتشلت مديرية الأمن بمنطقة الواحات بشرق ليبيا 19 جثة من مقبرة جماعية في منطقة إجخرة، فيما انتشل الهلال الأحمر الليبي 10 جثث لمهاجرين قبالة ميناء ديلة بمدينة الزاوية غرب البلاد بعد غرق قاربهم.