تعتبر الألغام الفرنسية في الجزائر من مخلفات الفترة الاستعمارية التي مازالت تشكل مصدرا لتوترات سياسية ضمن ملف الذاكرة بين البلدين الذي يضم قضايا التفجيرات النووية ومجازر الاستعمار واستعادة الأرشيف الجزائري.
وزرعت سلطات الاستعمار الفرنسي 11 مليون من الألغام المضادة للأفراد، ما بين 1954 و 1962، وهي الفترة التي استغرقتها حرب التحرير الجزائرية، وكان الهدف من زرع الألغام منع وصول الأسلحة للثوار عبر الحدود الشرقية مع تونس والغربية مع المغرب.
وسلمت الحكومة الفرنسية في سنة 2007 نظيرتها الجزائرية، خرائط الألغام المزروعة في ما عرف بخطي "شال" و"موريس" (نسبة إلى جنرالين في الجيش الفرنسي) ، وسمح ذلك بنزع 9 ملايين لغم في تلك المناطق التي تجاوزت مساحتها 62 ألف هكتار، من قبل وحدات متخصصة من الجيش الجزائري، تنفيذا لمعاهدة أوتاوا لنزع الألغام.
وكانت الجزائر وقعت على اتفاقية "أوتاوا" المتعلقة بحظر استعمال الألغام المضادة للأشخاص وتخزينها وإنتاجها ونقلها في 17 ديسمبر 2000، وهي اتفاقية أممية أبرمت بالعاصمة النرويجية أوسلو يوم 18 سبتمبر 1997.
ضحايا قبل الاستقلال
بدأ سجل ضحايا ألغام الاستعمار الفرنسي قبل الاستقلال بسنوات، إذ حصد آلاف الضحايا، ويعتبر تواتي يحي (78 سنة) أحد هؤلاء الذين تضرروا باكرا، ويشير في حديثه لـ "الحرة" إلى أن ذلك "حدث بسرعة" في صباح يوم 21 أبريل 1958، عندما قطع دوي الانفجار الصمت الذي كان يلف منطقة التصويرة على مقربة من الحدود الجزائرية المغربية.
كان يحي قد اتخذ اللغم الذي جرفته مياه الأمطار كرة يقذفها من مكان لآخر عندما انفجر، وبعد ساعات استيقظ المتحدث وقد فقد القدرة على البصر بعينه اليسرى، وإصابات بليغة على مستوى العنق والرأس. خفت آلام الرقبة والرأس قليلا عن يحيى تواتي لكنه فقد عينه اليسرى للأبد.
وضحايا بعد الاستقلال
واصلت الألغام الفرنسية حصد المزيد من الضحايا في الجزائر، وهذه المرة بعد الاستقلال وكانت الحكومة سجلت في السابع يناير 2023 آخر ضحية، للألغام لحد الآن، والذي ذهب ضحيتها الطفل عبد الكريم عيساني بولاية البيض جنوب البلاد، بينما بلغ العدد الإجمالي لضحايا الألغام في الجزائر 7300 ضحية من بينهم 2470 ضحية بعد الاستقلال، وفق تقرير نشرته، في وقت سابق، صحيفة "الشعب" الحكومية.
ويعتبر سكان المناطق الحدودية الشرقية والغربية أكثر المتضررين من الألغام التي زرعها الاستعمار الفرنسي، وبدائرة سبدو أقصى الجنوب الغربي بتلمسان (غرب) يروي بوسطلة تواتي (77 سنة) لـ "الحرة" تفاصيل انفجار لغم كان يلهو به وهو يرعى قطيعا من الغنم بعد الاستقلال وتحديدا سنة 1964.
لم يكن بوسطلة يتجاوز الثانية عشر من العمر عندما انفجر اللغم بين يديه بضواحي البلدة التي كان يتواجد فيها، "لم يفقد بوسطلة وعيه فقط، بل فقد ذراعه الأيمن أيضا كما فقد معظم أصابع يده اليسرى، فضلا عن الآلام التي تسبب فيها الانفجار والتي يعاني منها لحد الآن على مستوى أطرافه السفلى، وفق قوله.
ويشير المتحدث إلى أن ذلك "لم يثنيه عن التحدي"، فقد تملكته إرادة السعي لتعلم مهنة يتخذها مصدرا لعيشه، وقد اختار أن يكون بناءً بعد أن تدرب على ذلك بشكل يومي. اشتغل بوسطلة بناء لكنه لا زال يأمل في أن "يسدد الاستعمار فاتورة معاناته رفقة آلاف الضحايا".
ماذا بقي من الألغام؟
لم يتبق من خطي موريس وشال الجهنمي كما كان يوصف، سوى الأسلاك التي تحولت إلي سياج يحمي أراضي صغار الفلاحين والمزارعين، وهو ما يمكن معاينته بالعين المجردة على امتداد الطريق المؤدي لبلدية البويهي بولاية تلمسان (أقصى الغرب) المتاخمة للتراب المغربي.
لكن الملف بالنسبة لحسين بلبشير لم يغلق بعد، فقد عمل طويلا مع أعضاء اللجنة الوزارية المشتركة لمتابعة تنفيذ اتفاقية أوتاوا لحظر الألغام خلال العشرية الماضية، كما رافع أمام مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بجنيف لصالح الضحايا.
ويشير حسين بلبشير في حديثه لـ"الحرة" إلى أن فترة عمله في "جمعية الحياة للمعاقين"، فسحت له المجال لإحصاء أزيد من 300 ضحية للألغام بالمناطق المتاخمة للحدود الغربية للبلاد، مشددا على المعاناة الكبيرة لهؤلاء.
وحسب حسين بلبشير فإن "الجهل بخطورة وطبيعة هذه الألغام، ساهم كثيرا في تزايد حوادث الانفجار التي غالبا ما يكون ضحاياها من رعاة الغنم فب المناطق النائية والمعزولة".
وأضاف المتحدث أنه ساهم في رفع انشغالات ومطالب الضحايا التي تمحورت حول" ضرورة أن يعوضهم الاستعمار الفرنسي عن جرائم الألغام التي خلفت ضحايا كثر، بعد الاعتراف بها بحكم أنها جرائم يعاقب عليها القانون"، مشيرا إلى الأوضاع الاجتماعية "الصعبة" التي يعيشها الضحايا بسبب الإعاقة التي خلفتها الألغام المنفجرة.
خطوط الموت في متحف الثورة
يخلد المتحف الجهوي بمدينة تلمسان (عاصمة الولاية الخامسة التاريخية إبان الثورة الجزائرية)، خطوط الموت والألغام بالحدود الغربية من خلال مجسم يظهر كيف طوق الاستعمار الأراضي الحدودية بالأسلاك الشائكة والمكهربة.
كما يُظهر المجسم المعروض في المتحف للجمهور الطرق التقليدية البسيطة التي لجأ إليها الثوار في تفجير الألغام وفك الأسلاك المكهربة بغرض إفساح الطريق أمام تهريب الأسلحة من المغرب نحو الجزائر، دعما لحرب التحرير.
المصدر: الحرة
