صورة لشابين يتبادلان القبل في الشارع العام بالمغرب
صورة لشابين يتبادلان القبل في الشارع العام بالمغرب

فصل الخريف في المغرب ساخن هذه الأيام ليس بفعل التغيرات المناخية ولا نتيجة امتناع حرارة الصيف عن الانخفاض، لكن بسبب ما يعتمل حاليا داخل المجتمع من أسئلة سياسية واقتصادية وحقوقية حارقة.
 
فمع بداية عودة الطلاب الى مدارسهم، وفي عز النقاش الدائر  حول سبل ترميم الحكومة التي تصدعت بعض أركانها بعد انتقال حزب الاستقلال إلى المعارضة، اشرأبت الأعناق فجأة  في اتجاه مدينة الناظور التي تقع في شمال البلاد.

صورة قاصرين مغربيين خلال تبادلهما للقبل

​​والسبب:  مراهقان في عمر البراعم اختارا توثيق لحظات قبلتهما البكر بصورة تم نشرها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" من باب التسلية و التباهي بها بين الأقران، غير أن جمعية محلية نصبت نفسها "حارسا للأخلاق" حركت شكاية قضائية ضد السلوك "المشين" للقاصرين وصديقهما الذي قام بنشر الصورة على "فيسبوك"، وطالبت بملاحقتهم قضائيا، وهو ما تمت الاستجابة إليه بتوقيفهم وإيداعهم السجن المحلي للناظور.
 

قرار محكمة الناظور القاضي بالافراج عن القاصرين ومتابعتهما في حالة سراح

​​ولم يخفف قرار القضاء تمتيع القاصرين بالسراح المؤقت من حدة السجال الذي اندلع في المغرب حول الحقوق الفردية، بل انتقلت الواقعة الى قضية رأي عام تجاوزت حدود المغرب وغطت على أحداث أخرى تشهدها البلاد كتطبيق زيادة ثانية في أسعار المحروقات وملاحقة صحافي وفق بنود قانون الإرهاب.
 
وخلف الأمر في بداياته شبه إجماع على إدانة المتابعة القضائية ضد المراهقين، لكن ردود الفعل تطورت بعد ذلك وقذفت بقضية التضامن معهما إلى مفترق الطريق وجعلت منسوب هذا الإجماع يتراجع في مقابل ظهور بوادر حراك حقوقي بعد أن قرر عدد من نشطاء حقوق الإنسان إقامة مهرجان لتبادل القبل في الطريق العام تضامنا مع القاصرين المعتقلين.
 
قبلة بطعم الاحتجاج  
 
استجابة لدعوة عبر مواقع التواصل الاجتماعي أطلقها عدد من النشطاء الحقوقيين المغاربة، التقى السبت 12 أكتوبر /تشرين الأول مجموعة من الشباب أمام مقهى على بعد شارعين من البرلمان المغربي وشرعوا في تبادل "قبل حميمية" تحت أنظار المارة وعدسات وسائل الاعلام المحلي والدولي.

انطلق "مهرجان القـُبل" كما أراد منظموه، وفي لحظة التقاء شفاه زعيمة حركة الحريات الفردية بالمغرب ابتسام لشكر مع رفيقها تحركت ردود الفعل المعاكسة. فقد رأى مواطنون في المشهد استفزازا دفعهم إلى إطلاق الشتائم مع الاحتفاظ بهدوء الأعصاب، غير أن رد فعل شاب كان متواجدا في المكان، كان قويا إذ أقدم على التعرض للمحتجين وهاجم شابة مشاركة في "مهرجان القبل" جسديا، ما اضطرهم إلى إنهاء الوقفة التي قالوا عنها إنها كانت ناجحة.

وهذا فيديو الشروع في تبادل القبلات في الشارع العام وتفريقها بعد تدخل أحد الرافضين:

​​
هل ستعيد قبلة فيسبوك سؤال الحريات الفردية إلى الواجهة؟

المناهض لحركة عشرين فبراير أمين البارودي

​​​​في حديث لموقع راديو "سوا"، برر الشاب أمين البارودي الذي هاجم المشاركين في "مهرجان القبل" تصرفه بأنه "انتفاضة ضد محاولات لزرع الفتنة بالمغرب عبر استيراد أفكار غريبة عن العادات والتقاليد المغربية المحافظة"، و أضاف البارودي المعروف بمناهضته لحركة عشرين فبراير التي قادت الحراك الذي شهده المغرب عام 2011 وقاد إلى إصلاحات دستورية غير مسبوقة في المملكة، "نحن بلد ديمقراطي، ومن حق أي طرف التعبير عن رأيه مع احترام آراء الآخرين، وهذا مالا تؤمن به حركة عشرين فبراير، لأن كل من يخالف توجهاتها يدرج ضمن "البلطجيين" وبيادق "المخزن"، والمخزن في المغرب يعني النظام والسلطة الحاكمة.
 
​​

الناشط في مجال الحريات والحقوق الفردية نزار بنماط

​​غير أن عضوا في حركة الحريات الفردية قلل من أهمية اتهامات البارودي نظرا "لعدم استقلاليته وللجوئه الى العنف اللفظي والجسدي"، إذ قال الناشط الحقوقي نزار بنماط في اتصال مع موقع راديو "سوا"، إن "القبلة العلنية هي تعبير  عن الحب، وهي وسيلة للتضامن مع القاصرين ومن أجل دفع السلطات المغربية إلى الحسم في مسألة الحريات والحقوق". رافضا ما أسماه "الوصاية على النضال" ومذكرا بأن ما قاموا به يدخل ضمن "إبداع أشكال جديدة للنضال على غرار نزهة الإفطار العلني خلال رمضان في سنة 2009".

وسبق  لناشطي حركة الحريات الفردية أن نظموا حركة الإفطار العلني في رمضان منذ أربع سنوات، وتركت آثارا  لازالت قائمة في كل مناسبة يثار فيها وضع الحقوق والحريات بالمغرب.

 
عيد الأضحى.. راحة قبل عودة السجال

ومع حلول عطلة عيد الأضحى اضمحلت جذوة السجال بين الطرفين وخفت حدة النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن بوادر اشتعالها من جديد عصية عن الضمور والاختفاء، لاسيما مع اقتراب موعد عرض القاصرين على القضاء يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
 
ويمكن أيضا التنبؤ بملامح المواجهة المقبلة اعتمادا على تصريحات متواترة مبتدؤها  "التهديد باللجوء إلى القضاء ورفع دعاوى تتضمن الإخلال بالحياء العام واستفزاز مشاعر المغاربة" وخبرها "الإصرار على كشف النفاق الاجتماعي وطرح قضايا الحريات الفردية للنقاش العام".

وهذه بعض من التغريدات والتعليقات على "تويتر" و"فيسبوك" تظهر جانبا من السجال الدائر في المغرب هذه الأيام:

​​

​​
​​
 
​​
​​
 
​​
​​
​​
​​

مدارس في المغرب تحولت إلى مسرح للعنف ضد الأساتذة (Reuters)
مدارس في المغرب تحولت إلى مسرح للعنف ضد الأساتذة (Reuters)

"كُسرت ذراعي داخل المدرسة، على يد تلميذ، أمام الجميع"، بهذه العبارة يلخص الأستاذ محمد (39 سنة) حجم العنف الذي تعرض له داخل مؤسسة تعليمية بمدينة "تيفلت" في ضواحي العاصمة الرباط، حين تحوّل من مربٍ إلى ضحية.

يروي محمد لموقع "الحرة"، أن الحادث وقع عندما كان يزاول مهامه كالمعتاد داخل الصف، قبل أن يخرج منه بعد سماع ضجة، فطلب من تلميذ الابتعاد إلا أن الشاب كان في حالة غير طبيعية، فانقض عليه فجأة ووجه له ضربة قوية تسببت في كسر بذراعه.

حضرت الشرطة إلى عين المكان، وتم توقيف التلميذ الذي كان تحت تأثير الحبوب المهلوسة "القرقوبي" فورا، فيما نقل الأستاذ إلى المستشفى لتلقي الإسعافات الأولية.

ورغم تقديمه شكوى، إلا أن محمد قرر لاحقا التنازل عنها مراعاة لمستقبل التلميذ، كما قال، مؤكدا أنه فعل ذلك عن قناعة، رغم "شعوره العميق بالخذلان من المؤسسة التي لم تقدم له أي سند أو دعم قانوني أو نفسي".

بعد 11 عاما من الممارسة التعليمية، أقر محمد أن تلك الحادثة غيرت نظرته للمهنة، وبات اليوم يدخل القسم وقد تسرب الخوف إلى قلبه. "لم أعد أرى نفسي أستاذا، بل هدفا سهلا في ساحة بلا حماية، حيث كلمة واحدة قد تكلّفك عاهة أو حتى حياتك".

"لا أشعر بالأمان"

وغير بعيد عن تيفلت، تحكي ابتسام (34 سنة) التي تدرس الرياضيات بمدينة سلا منذ ست سنوات، أنها تعرضت للتهديد والاعتداء الجسدي من تلميذة في المستوى الأولى ثانوي، أثناء حصتها دراسية بالمؤسسة التعليمية، حيث حاولت التلميذة ضربها بالكتف بسبب خلاف على سلوكها داخل الفصل.

⁠وتقول ابتسام في حديث لموقع "الحرة"، "في لحظة الاعتداء، كانت التلميذة تجلس بشكل مستفز على الطاولة، وعندما نبهتها لرفع قدميها، انفجرت في وجهي بكلمات تتضمن شتائما وتحقيرا وتهديدا علنيا أمام الجميع، فاستدعت شقيقتها التي بدأت تهددني هي الأخرى بطرق غير لائقة أمام التلاميذ".

تقدمت ابتسام بشكوى لدى السلطات الأمنية بعد أن شعرت بأن التهديدات أصبحت أكثر جدية، وأن الوضع قد ينقلب إلى خطر حقيقي. ورغم التزامها بالقانون وطلبها للعدالة، فإن الألم النفسي لا يزال يعشش في قلبها، وقد تأثرت حياتها بشكل كبير بسبب هذه الحادثة. بحسب تعبيرها.

اليوم، ابتسام تجد صعوبة في التفاعل مع أي تلميذة أخرى، وتشعر بقلق دائم. "كيف لي أن أكون في بيئة تعليمية، وأنا لا أشعر بالأمان؟" تساءلت بحسرة وأسى. حيث أصبحت حياتها اليومية مليئة بالترقب والخوف من مواجهة أي مواقف مشابهة قد تعيدها إلى نفس الحالة التي عاشتها.

"شروع في القتل"

ويروي يوسف وهو مدير ثانوية تأهيلية بإقليم خنيفرة، تفاصيل الاعتداء الذي تعرض له على يد تلميذ في يوم الخميس الماضي. حيث أوضح أنه تم استدعاء التلميذ بسبب تورطه في أعمال تخريبية داخل المؤسسة، ولكنه رفض التعاون مع الإدارة، مما أدى إلى تصاعد الموقف وتحول إلى مشادة كلامية بينه وبين الحارس العام.

ويضيف المدير أنه عندما حاول التدخل لتهدئة الموقف، تزايد التلميذ في التصرفات العدوانية ورفض الاستماع، ليقوم بعدها برشقه بحجرين في ساحة المدرسة، مما أسفر عن ضربة قوية على رأسه أفقدته الوعي مباشرة.

ويصف يوسف الحادث قائلا: "الضربة كانت شديدة لدرجة أنها كانت بمثابة محاولة قتل، لولا الألطاف الإلهية كان من الممكن أن تودي بحياتي".

تم نقل المدير إلى المستشفى حيث تبين أنه تعرض لكسر في الجمجمة، مما استدعى إجراء عملية جراحية. ورغم تحسن حالته، أكد أنه "لا يزال يعاني من آلام شديدة بسبب شدة الضربة". معتبرا أن الحادث "شروع في القتل" بسبب خطورة الاعتداء.

وأشار المدير إلى أن التلميذ لا يزال فارا، وأن السلطات المحلية قد أصدرت مذكرة بحث ضده. وفي ختام تصريحه، شدد يوسف على ضرورة تدخل السلطات المعنية لإعادة هيبة المدرسة ووقف انتشار هذه الظاهرة العنيفة التي تهدد الأمن داخل المؤسسات التعليمية.

"ظروف صعبة"

تتقاطع قصص العنف المدرسي لكل من ابتسام ومحمد ويوسف مع عشرات الحوادث العنيفة التي شهدتها مدارس المغرب في الآونة الأخيرة وأثارت جدلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث كان ضحاياه الأساتذة والكوادر التعليمية.

هذه الحوادث أظهرت تنامي ظاهرة العنف في المؤسسات التعليمية، وهو ما أكده "المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين" في بيان له، مما يثير تساؤلات حول كيف فقدت المدرسة هيبتها؟ وأين الخلل في علاقة التلميذ بالأستاذ؟ وما هي الحلول التي من خلالها يمكن إعادة التوازن لقيم الاحترام والانضباط داخل المؤسسات التعليمية.

وفي رده على هذه التساؤلات، يوضح رئيس "المرصد الوطني لمنظومة التربية والتكوين"، محمد الدرويش، أن تنامي حالات العنف في المؤسسات التعليمية يعود إلى عدة عوامل اجتماعية واقتصادية وتربوية. مؤكدا أن الظروف الصعبة التي يعيشها العديد من التلاميذ، مثل الفقر وضعف الاستقرار الاجتماعي، تساهم في انتشار هذا السلوك العدواني.

ويتابع الدرويش حديثه لموقع "الحرة"، أن "العنف ليس تصرفا فرديا، بل نتيجة لغياب التأطير الاجتماعي والتربوي السليم". مشيرا إلى أن "الظروف النفسية والاجتماعية للأساتذة والتلاميذ تؤدي إلى تفشي هذه الاعتداءات، مما يؤثر على الأداء التعليمي".

وبشأن الحلول، يدعو الدرويش إلى ضرورة تحسين الظروف الاجتماعية والتعليمية للأساتذة والتلاميذ على حد سواء مع إعادة التربية على احترام الآخر داخل المدارس، مطالبا بتعديل المناهج الدراسية لتشمل مواد تساهم في تعزيز الوعي بالقيم الإنسانية والاختلاف وتحقيق بيئة مدرسية آمنة وصحية.

"التركيز على النقطة"

ومن جانبه، يؤكد الأخصائي المغربي في علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، أن العنف المدرسي ضد الأساتذة ليس مجرد تصرفات فردية بل هو نتيجة لبنية مهيكلة داخل المؤسسات الاجتماعية. موضحا أن غياب الوعي الكافي بمشكلة العنف وعدم الاعتراف بها يزيد من تفشي هذه الظاهرة.

ويشير بنزاكور في تصريح لموقع "الحرة"، إلى أن المسؤولية الكبرى في العنف بين التلميذ والأستاذ تقع على وزارة التربية الوطنية، معتبرا أن "العلاقة بين الطرفين تأثرت بفقدان الاحترام وأن التركيز على النقطة (الدرجات) بدلا من التربية يعمق الفجوة بينهما".

وذكر بنزاكور أن "وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الجيل الحالي يركز على الاستهلاك والمتعة دون جهد، ما يعزز الرغبة في الحصول على ما يريد دون استحقاق". مردفا أن "هذا التوجه يقود الشباب إلى العنف، في غياب القيم الأخلاقية الأساسية".

ويدعو الأخصائي المغربي إلى ضرورة إعادة بناء العلاقة النبيلة بين المعلم والتلميذ، مشددا على أهمية استرجاع البعد التربوي والأخلاقي. كما نوه بضرورة إعادة تفعيل دور جمعية الآباء لتحسين التواصل بين الأسرة والمدرسة.