بمساحتها التي تعادل مساحة بريطانيا، وكثافتها السكانية القليلة، يتجدد الحديث بشأن الصحراء الغربية وتأثير ما تملكه من احتياطيات للفوسفات والغاز ومناطق غنية بالصيد على استمرار المعارك في واحدة من أحد أقدم النزاعات بأفريقيا.
فبعد ثلاثين عاما من وقف إطلاق النار، أعلنت قوات جبهة تحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو) "حالة الحرب" ردا على عملية عسكرية مغربية في منطقة الكركرات العازلة في أقصى جنوب الصحراء الغربية على الطريق الوحيد المؤدي إلى موريتانيا.
كانت العملية تهدف إلى استئناف الحركة المرورية، بعدما قطعها عناصر من الجبهة المطالبة باستقلال الصحراء الغربية، وهو ما حدث.
ويسلط التوتر الحاصل في الكركرات الضوء على الأهمية الاستراتيجية الاقتصادية الذي تمثله منطقة الصحراء بشكل عام. فقد منع إغلاق المعبر الكركرات مئات الشاحنات، المحملة بجميع أنواع السلع الحيوية، بما في ذلك المواد الغذائية، من الوصول إلى أسواق موريتانيا وغرب أفريقيا.
مشروعات كبيرة
ويقول رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، محمد بنحمو، إن المغرب ينظر إلى الأقاليم الصحراوية باعتبارها جسر يربطه بالعمق الأفريقي سواء في غرب أفريقيا أو دول الساحل، كما أنه يربط بين أوروبا وأفريقيا.
وأضاف بنحمو لموقع الحرة: "المشروعات الاستثمارية في الصحراء كبيرة جدا، من بينها الغاز الذي لا يزال قيد التنقيب، كما أن هناك إنتاج كبير للفوسفات".
وبحسب رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية، فإن هذه الاستثمارات تتنوع بين حكومية وخاصة، تمثلها شركات متعددة الجنسيات، في مجالات استثمارية تتعلق بالغاز والفوسفات والصيد.
معجزة تنموية
خرج الاستعمار الإسباني من الأقاليم الجنوبية وهي صحراء قاحلة "فباستثناء بعض الثكنات، لم يكن هناك أي شكل للتمدن بالصحراء، بما فيها مدن العيون أو الداخلة أو السمارة، وجميعها تمتاز الآن ببنية تحتية قوية جدا"، حسب بنحمو.
ويصف المحلل المغربي مدينة العيون، بـ"معجزة تنموية حقيقية"، مشيرا إلى وضعها الحالي مقارنة بالوضع الذي كانت عليه عام 1975، عندما رحل الاستعمار الإسباني، واسترجع المغرب الصحراء، وشجع آلاف المغاربة على الاستقرار هناك.
ويقول بنحمو إن المغرب أعلن، خلال خطته الأخيرة، استثمار أكثر من ثمانية مليار دولار في الأقاليم الصحراوية.
وتخصص الحكومة المغربية موقعا إلكترونيا عن الصحراء الغربية، يعكس رؤيتها عن الوضع في الإقليم، ومن بينه الوضع الاقتصادي.
أكبر موانئ أفريقيا
فمدينة العيون، التي أعلنت كل من الإمارات والأردن مؤخرا أنهما سيفتتحان قنصلية بها، تمثل بقعة صناعية تصديرية، بالنظر لقربها من ميناء المرسى، وأنشطتها المتعددة بين الصيد والصناعة الغذائية، والفوسفات، ومستودعات المنتجات النفطية.
وكذلك الحال بالنسبة لإقليم الداخلة الذي يضم أحد أكبر الموانئ في أفريقيا.
يقول بنحمو: "خلال السنوات الأخيرة، أصبحت هذه الأقاليم نموذجا تنمويا تمثل في بنية تحتية قوية مثل المطارات، كما أن بها أحد أكبر الموانئ في أفريقيا، وهو ميناء الداخلة الأطلسي، وهو مشروع كبير جدا".
ويعتمد إقليم الداخلة على الصيد البحري الذي تشكل عائداته موردا أساسيا للتنمية المحلية.
وفي بداية عام 2019، جدد الاتحاد الأوروبي اتفاقية الصيد البحري، التي تشمل سواحل البحر الأطلسي، مع المغرب، الأمر الذي اعترضت عليه جبهة البوليساريو أمام المحكمة الأوروبية.
وتعليقا على ذلك يقول المحلل الاستراتيجي المغربي إن جبهة البوليساريو التي تسعى للاستقلال بالصحراء "لا وجود لها في المنطقة، ولا تمثل الساكنة الصحراوية، هم يتخذون من مخيمات تندوف مقرا لهم".
وكانت البوليساريو شكلت حكومة في مدينة تندوف الجزائرية عام 1975، وتمكنت من الانضمام للكيان السابق للاتحاد الأفريقي، لكنها لم تحظ باعتراف كدولة عضو في الأمم المتحدة.
وفي المقابل، يقول المغرب إنه منذ ضمها، ضخ مبالغ كبيرة من المال لتحسين الظروف المعيشية في الصحراء الغربية، وإن أقصى ما يمكن أن يقدمه للصحراء الغربية هو الحكم الذاتي للإقليم تحت السيادة المغربية.
لكن الجزائر، الحليف الأساسي لبوليساريو، تعارض رؤية الرباط بشأن الحكم الذاتي. ويعيش آلاف من اللاجئين من الشعب الصحراوي في مخيمات في الصحراء الجزائرية.
وتسببت قضية الصحراء الغربية في نقطة خلاف رئيسة بين الرباط والجزائر، حيث تظل الحدود بين البلدين مغلقة منذ التسعينات.
أما الواحات الصحراوية في منطقة الصحراء فتمثل مركزا للزراعة، والإنتاج الحيواني الرعوي، حسبما يقول موقع "الصحراء الغربية" التابع للحكومة.
ويشير الموقع إلى بنيات تحتية سياحية في البحيرة الشاطئية (لخنيفس)، وخليج مدينة الداخلة، والكويرة، وفي العديد من واحات الصحراء التي تستضيف رالي جوي ورالي السيارات.
وبحسب موقع الصحراء الغربية فإن، جهة بوكراع الواقعة على بعد 100 كلم جنوب شرق مدينة العيون، تحوز وحدها على القسط الأكبر من الفوسفات باحتياطي يصل إلى ملياري طن تقريبا، وهو احتياطي يبقى ضعيفا قياسا لاحتياطي جهات أخرى من المغرب تفوق 60 مليار طن.
ويستبعد المحلل المغربي أن تتأثر الاستثمارات الحالية في الصحراء الغربية، ومن بينها مشروع الغاز الطبيعي المسال الضخم الذي تقوم به شركة بريتيش بتروليوم، بعد أزمة معبر الكركرات الحدودي.