كان تقرير أممي في 2018 خلص إن مساعدات إنسانية جرى تبادلها مقابل الجنس في سوريا
كان تقرير أممي في 2018 خلص إن مساعدات إنسانية جرى تبادلها مقابل الجنس في سوريا

في بيتها المتواضع بمدينة فاس شمالي المغرب، تجلس الحاجة بهيجة، 60 عاما، وتتأمل صورة ابنتها وأحفادها الستة المحتجزين في مخيم الهول بسوريا بعد هزيمة تنظيم داعش، وتمني نفسها أن تلبي السلطات المغربية طلبها هي وعشرات الأسر الأخرى، وتعيد أولادهم المحتجزين في المخيمات والسجون في سوريا والعراق.

وتقول الحاجة بهيجة إن ابنتها وأولادها يعيشون حياة مأسوية في المخيم، حيث ينامون في الخيام في المطر والبرد والوحل، ويتكدسون بأعداد كبيرة داخل الخيام، ويتعرضون للضرب والإهانة.

وأضافت وهي تبكي: "أريد أن أرى ابنتي وأولادها مرة ثانية، هي ليس لها ذنب في ذهابها إلى سوريا ولم تشارك في القتال".

مثل غيرها من أهالي النساء في مخيم الهول، تقول الحاجة بهيجة إن الأطفال لا ذنب لهم كي يوصموا بما اقترف آباؤهم، مشيرة إلى أن النساء ضحايا تعرضن للخداع والتغرير.

ويطالب أهالي المغاربة العالقين في مخيم الهول بأن تسمح الحكومة بعودتهم دون شرط أو حساب، ومنحهم عفوا ملكيا، وإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع. 

ولم تحسم حكومة المغرب بعد موقفها من هذه المعضلة التي تواجه العديد من دول العالم، فقد دعا خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة إلى إعادة عشرات الآلاف من النساء والأطفال المحتجزين بظروف مزرية، في مخيمي الهول وروج للاجئين شمال سوريا، والتي تديرها القوات الكردية المدعومة من الولايات المتحدة.

وأرسل ما يقرب من 20 خبيرا في مجال حقوق الإنسان، رسالة إلى 57 دولة لحثها على إعادة مواطنيها. ويصف خبراء الأمم المتحدة الظروف بأنها غير بشرية، وأنه بموجب القانون الدولي، قد يصل الوضع إلى عتبة التعذيب والمعاملة المهينة.

وبحسب منظمة هيومن رايتس ووتش، يوجد نحو 43 ألف أجنبي محتجزين حاليًا في شمال شرق سوريا، الرجال في سجون والنساء والأطفال في مخيمات، بينهم 27500 قاصر أجنبي.

حالة المغرب 

ضمن هذه الأعداد الضخمة، يوجد 89 امرأة مغربية محتجزة في سويا وبرفقتهم 251 طفلا، بينما بلغ عدد الرجال المقاتلين المعتقلين في سوريا نحو 113، كما يوجد 21 طفلا يتيما مغربيا، بالإضافة لامرأتين و6 رجال معتقلين في العراق، وذلك حسب إحصاء التنسيقية الوطنية لعائلات العالقين والمعتقلين المغاربة في سوريا والعراق في مطلع يناير 2021.

وقالت التنسيقية إنه يوجد 35 مغربي ومغربية مختفين غير معلوم أماكنهم.

وقال عبد العزيز البقالي، مدير التنسيقية، إن الأوضاع في المخيمات كارثية وخاصة أوضاع الأطفال والنساء، وإنهم يعانون من البرد في الشتاء والأمراض.

وأضاف البقالي في تصريحات لموقع "الحرة" أن "الكثير منهم غرر بهم ولم يكن يعرفوا الأوضاع التي سافروا لها، وأن الكثير منهم حاولوا الهرب ولكنهم فشلوا".

ولفت إلى أن أكثر من 90 في المئة من النساء والأطفال العالقين هناك سافرن برفقة أزواجهن وليس للمشاركة في القتال.

وأوضح أن "أغلبهن خدعهن أزواجهن، وقالوا لهن أنهم سيسافرون إلى تركيا لقضاء عطلة، ومن هناك أجبرن على السفر معهن وعبور الحدود إلى سوريا".

وأشار البقالي إلى أن سبل التواصل مع هؤلاء العالقين متقطعة، وأن الرسائل التي تصل منهن شحيحة جدا وكلها تؤكد أن الأوضاع مأساوية وكارثية.

ويتفق حديث البقالي مه رواية بهيجة بأن "زوج ابنتها أخبرها أنه يعمل في تركيا وطلب منها أن تسافر له في 2016، وهناك أجبرها على الذهاب معه هي وأولادها الثلاث إلى سوريا"، وأضافت أنه "قُتل أثناء المعارك وتركها وحدها مع 4 أولاد، ثم تزوجت هناك من مغربي قتل هو الآخر وترك لها ولدين".

وذكرت أن ابنتها، 27 عاما، "محتجزة في مخيم الهول منذ عامين ومعها الأولاد الستة"، مشيرة إلى أن أكبرهم يبلغ من العمر 10 سنوات، وأصغرهم عمره عامين ونصف.

وبحسب أرقام المديرية العامة للأمن الوطني المغربية في ديسمبر 2018، فإن 1659 مغربيا انتقلوا إلى ساحات القتال في العراق، وسوريا، منهم 1060 مقاتلا في صفوف "داعش".

وقال المتحدث باسم المديرية، بوبكر سبيك، إن 742 مغربيا قتل في ساحات القتال، 87 منهم قتلوا في ساحة الحرب في سوريا، والباقون في العراق، بالإضافة إلى 260 مغربي عائد من بؤر القتال في الشرق الأوسط تم تقديمهم للعدالة.

وكان الرئيس السابق للمكتب المركزي للأبحاث القضائية، عبد الحق الخيام، قال إنه توجد 280 مغربية برفقة 391 طفل موجودون في بؤر التوتر في الشرق الأوسط.

مهمة استطلاعية

في ديسمبر الماضي، قرر مجلس النواب المغربي، تشكيل لجنة لإجراء "مهمة استطلاعية" من أجل الوقوف على أوضاع النساء والأطفال المغاربة العالقين في سوريا والعراق.

وطالب حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تقدم بطلب إنشاء اللجنة للمجلس، بـ"ضرورة حماية الأطفال والنساء، بنقلهم من السجون والمعتقلات السورية والعراقية إلى أرض الوطن (المغرب)".

وفي 7 يناير الماضي، بدأت اللجنة مهامها بعقد اجتماعاً مع وزير الخارجية والتعاون، ناصر بوريطة، من أجل الاستماع إلى إفادته حول هذا الملف.

من جانبه، قال عبد اللطيف وهبي، عضو البرلمان المغربي، ورئيس اللجنة التي شكلها البرلمان، إن مهمة اللجنة هي دراسة أوضاع هؤلاء العالقين وتقديم توصية لحل هذا الإشكال، وكذلك مراقبة سياسة الحكومة في هذا الملف وتقييمها. وأضاف أنهم التقوا بالحكومة وتعرفوا على تخوفاتهم الأمنية من عودة هؤلاء المقاتلين.

وأكد وهبي في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أنه لم يتم التواصل مع هؤلاء العالقين أو مع القوات الكردية التي تتولى تأمين هذه المخيمات، وأشار إلى أنهم تواصلوا فقط مع عائلاتهم في المغرب ومع بعض الهاربين في تركيا، وبعض العائدين والموجودين حاليا في المغرب، لمعرفة صورة كاملة لأوضاع هؤلاء الأشخاص.

بدوره قال إدريس الكنبوري، الباحث في الجماعات المتطرفة، إن قضية استعادتهم من عدم أمر لم تحسمه الدولة بعد، وأشار إلى أنه يفضل عودة هؤلاء النساء والأطفال إلى وطنهم بدلا من تركهم في المخيمات

وأضاف في تصريحات لموقع قناة "الحرة" أن المقاتلين سواء العالقين في سوريا أو تركيا يريدون أن يعودوا دفعة واحدة مع نسائهم وأطفالهم ويندمجوا في المجتمع دون أي محاكمة أو اعتقال. 

وفي مارس 2019، سمحت الحكومة المغربية بعودة 8 مقاتلين مغاربة انضموا لتنظيم داعش في سوريا، وهي خطوة رحبت بها الخارجية الأميركية، ووصفتها بـ"الحل الأفضل" لمنع هؤلاء من العودة إلى ساحات القتال.

محاكمة أو عفو

 لا يتوقع البقالي أن تقوم الدولة بمحاكمة النساء والأطفال، بينما أكد البرلماني عبد اللطيف وهبي أنه يحب محاكمة العائدين  لأنهم خرقوا القانون المغربي، مشيرا إلى أنه سيتم محاكمة الرجال  والنساء المقاتلات فقط، الذين شاركوا في المعارك، في حين سيتم وضع  اللائي التحقن فقط بأزواجهن في مؤسسات تأهيلية.

ولفت وهبي أن اللجنة البرلمانية تتواصل مع مختصين لمعرفة كيفية التعامل مع الأطفال وهل يجب فصلهم بعيدا عن أمهاتهم، ووضعهم في مؤسسات تأهيلية أم تركهم مع أمهاتهم.

ويرى الكنبوري إن "التعامل معهم يجب أن يكون حاسما ويضمن إعادة تأهيلهم حتى نكسبهم في صفنا لمحاربة الإرهاب، ولكي يساعدوا الدولة في هذا الملف باعتبار أنهم كانوا مشاركين في هذا الملف".

وأشار إلى أن النساء والأطفال يجب أن لا يعودوا إلى المجتمع مرة واحدة، بل يتم تأهيلهم وتثقيفهم قبل إدماجهم، لأنهم قضوا فترات طويلة في بيئة معادية وعدوانية ومتطرفة.

ويرحب بعض أهالي العالقين في المخيمات بمحاكمة ذويهم، إن كان ذلك يسرع من عودتهم. وتطالب فرح، من مدينة تطوان، شقيقة أحد عناصر الداعش المحتجزين في السجون الكردية في سوريا، الحكومة المغربية باستعادة أخيها وزوجته الروسية وأولاده الثلاث، حتى تتوقف معاناة أبيها وأمها.

وأضافت فرح في حديثها مع موقع قناة الحرة أنه لا تمانع من محاكمة شقيقها ومعاقبته على جرائمه في المغرب، لأن ذلك أفضل من تركه في سجون لا يعلمون عنها ولا عن أوضاعها شيئا. 

صورة شاشة من مقطع يوثق حادثة الصفع بالمغرب
مغاربة اعتبروا الحكم قاسيا في حق السيدة

أثار حكم قضائي على سيدة صفعت مسؤولا بوزارة الداخلية المغربية بالسجن سنتين جدلا واسعا بالمملكة بعد أن اعتبر الحكم قاسيا مقارنة بجرائم عنف أخرى بالبلاد.

وتعود القضية إلى بداية الشهر الجاري عندما انتشر مقطع فيديو يظهر سيدة تدعى شيماء في مشاداة كلامية مع قائد الملحقة الإدارية الخامسة بمدينة تمارة قرب العاصمة الرباط قبل أن تقوم بصفعه بشكل مفاجئ أمام الملأ.

ووفق وسائل إعلام مغربية، كان القائد ضمن مجموعة من رجال السلطة لتنفيذ قرار إداري يتعلق بالأملاك العامة.

وتوبعت شيماء بتهم تتعلق بـ"إهانة موظف عمومي أثناء مزاولته لمهامه"، و"الاعتداء عليه بالعنف"، وهي التهم التي اعتبرتها المحكمة ذات طابع خطير يستوجب عقوبة زجرية رادعة.

ورفقة شيماء، توبع أيضا زوجها وحكم عليه سنة واحدة حبسا وثلاث أشخاص آخرين قضت المحكمة بالحبس ستة أشهر لكل واحد منهم.

 وأمهلت المحكمة الأفراد الأربعة 10 أيام من أجل استئناف الحكم الصادر في حقهم في هذه القضية، التي استأثرت باهتمام الرأي العام على مدار الأسبوعين الماضيين.

وجاء الحكم بالسجن النافذ رغم تنازل وزارة الداخلية عن الدعوى في هذه القضية.

وأثارت تفاصيل القضية جدلا كبيرا بالمغرب، إذ بعد انتشار مقطع فيديو الذي يوثق للحادثة، لجأ القائد لطبيب منحه شهادة طبية توثق "عجزه" لمدة 30 يوما، جراء الصفعة، وهو ما أثار الاستغراب بشأن شهادة عجز لـ 30 يوما جراء صفعة وثقتها الكاميرات.

واستغرب مغاربة منح القائد شهادة طبية بثلاثين يوما لمجرد صفعة، في وقت تستعمل مثل هذه الشواهد عادة لإثباث الضرر من العنف.

وسارع دفاع مسؤول وزارة الداخلية إلى تبرير الشهادة بالقول إنها منحت للقائد "للراحة" وليست لإثبات العجز.

ونقلت وسائل إعلام مغربية عن محامي القائد إن "الضحية أصيب باكتئاب" لأنه صفع من "طرف امرأة أمام العامة ووسط مجتمع ذكوري"، مشددا على أن الصحة العقلية والنفسية أكثر أهمية من نظيرتها الجسدية.. وبالتالي لا يمكن لهذه الشهادة أن تكون موضوعا للطعن الفرعي".

واتهم بعض المغاربة القضاء بالانحياز للسلطات وإصدار حكم قاس دون النظر في السياق الذي دفع بالسيدة لصفع القائد والاحتجاج على "تصرفات غير قانونية" من طرفه، وأن الحكم يظهر "بجلاء عجز الهيئة القضائية في إنصاف الناس اللذين تعرضوا لانتهاكات كبيرة من طرف رجال السلطة".

  

فيما استغرب آخرون مدة العجز التي منحت للقائد من طرف الطب، وقارنوا بينها وبين شهادة منحت لشابة أخرى تعرضت لاعتداء في حادث منفصل وأصيب أصابة جسيمة لكنها منحت شهادة طبية لا تتجاوز مدتها 29 يوما.