اعتراف الدول بمغربية الصحراء وبشرعية حكم المغرب لها أصبح أمرا متجاوزا الآن
إسبانيا قالت إن موقفها لن يتغير بشأن الصحراء الغربية

يعمق ملف الصحراء الغربية الخلافات بين إسبانيا والمغرب، وهو ما ظهر جليا في أحداث وتصريحات ومواقف عبر عنها عدة مسؤولين من الجانبين.

وفي أحدث هذه المواقف اتهمت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس المغرب، الخميس، بـ"الاعتداء والابتزاز" بعدما وصل أكثر من 8000 مهاجر، منذ الاثنين الماضي إلى جيب سبتة الإسباني، بعدما خفف المغرب ضوابطه الحدودية.

وكانت إسبانيا قالت إن موقفها لن يتغير بشأن الصحراء الغربية، المستعمرة الإسبانية السابقة التي تتنازع حولها الرباط وجبهة البوليساريو، وأن حل القضية يرتبط بما تقتضيه قرارات الأمم المتحدة.

والخلاف الأخير مع إسبانيا يأتي ضمن سلسلة خلافات للمغرب مع دول أوروبية، كان أبرزها ألمانيا، بسبب الصحراء الغربية.

وعما إذا كان هذه المواقف الأوروبية تعرقل سيادة المغرب على الصحراء الغربية، قال حفيظ الزهري الباحث المغربي المتخصص في الدراسات السياسية والدولية لموقع "الحرة": "العلاقات الدولية أصبحت تسير بمنطق الأقوى، والمغرب لم يعد رقما عاديا يسهل تجاوزه أو تجاهل قوته الإقليمية".

ويعتقد الزهري أن عدم اعتراف بعض الدول بمغربية الصحراء سيعرقل سيادة المغرب على صحرائه، "لأن عدد هذه الدول تقلص كثيرا".

لكنه أشار إلى الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على  الصحراء وما تبع ذلك من افتتاح العديد من الدول لقنصلياتها بمدينتي العيون والداخلة، مما منح "دعما كبيرا للمغرب في سيادته على أقاليمه الجنوبية".

وفي ديسمبر، اعترفت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء في إطار اتفاق شمل أيضا تعزيز العلاقات الدبلوماسية المغربية مع إسرائيل، في تتويج لجهود الرباط في ما يتعلق بالصحراء الغربية حتى الآن. بينما قالت إدارة الرئيس جو بايدن إنها لا تزال تدرس هذا القرار.

ويصف القانوني والناشط الحقوقي المغربي، أشرف الطريبق، اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء بـ"المهم جدا"، قائلا: "الكل يعلم الدور المحوري والاستراتيجي للولايات المتحدة في العالم، وواشنطن لا تقدم على هكذا خطوة دون أن يكون لديها كافة المعطيات التي تؤكد هذا الحق".

وأضاف "اعتراف الدول بمغربية الصحراء وبشرعية حكم المغرب لها أصبح أمرا متجاوزا الآن"، مشيرا إلى "إقدام العديد من الدول على فتح قنصليات لها في الصحراء المغربية".

وفتحت أكثر من 20 دولة، معظمها أفريقية وعربية، قنصليات في الصحراء الغربية، في اعتراف فعلي بالسيادة المغربية.

ويعتقد الطريبق أن "الدول التي تعترف بذلك تزداد وخصوصا المعارضين سابقا من الاتحاد الأفريقي وأميركا اللاتينية".

القانون الدولي والاعتراف

وتعليقا على الرابط بين الاعتراف الدولي بالسيادة المغربية على الصحراء والحق بالسيطرة عليها، قال الزهري: "الوثائق التاريخية تعطي كامل الأحقية للمغرب في سيادته على الصحراء ومناطق وجزر أخرى لازالت تعاني من الاستعمار".

وأشار إلى أن "المغرب ليس دولة حديثة النشأة بل هو دولة لها امتداد قرون من الزمن، وقد تعرضت للتجزيء من قبل الاستعمار الأوروبي، وأصول ووثائق البيعة شاهدة على علاقة الحاكم بالمحكوم في هذه المناطق".

أما من الناحية القانونية "فالمنتظم الدولي يعرف أن الصراع حول مغربية الصحراء هو نتاج الحرب الباردة، واليوم نلاحظ العديد من الدول تصحح أخطاءها باعترافها بمغربية الصحراء وهو اعتراف ضمني بوحدة الأراضي المغربية من طنجة إلى لكويرة".

واحتلت إسبانيا الصحراء الغربية وحكمتها من 1884 إلى 1976. وعندما غادرت، ضم المغرب المنطقة وشجع آلاف المغاربة على الاستقرار هناك.

في المقابل، تدعم الجزائر وتستضيف جبهة البوليساريو التي تنادي باستقلال الصحراء الغربية، وهو ما يثير غضب المغرب.

بينما يرى الطريبق أن "اعتراف الدول بسيادة المغرب على صحرائه ليس من باب إعطاء دليل قانوني على هذا الحق بل تأكيد على الموقف المغربي الراسخ الذي يستند على علاقة تاريخية موثقة بالصحراء، ومن أجل تأكيد حق سلبه المستعمر الإسباني واسترجعه المغرب بنضال شعبه".

مستقبل الحكم الذاتي

وقبل اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الرباط، كانت البوليساريو تطالب بإجراء استفتاء لتقرير المصير فيها، بينما اقترحت الرباط منحها حكما ذاتيا تحت سيادتها.

وعما إذا كان المغرب سيطرح هذا الاقتراح مجددا، قال زهري: "مشروع الحكم الذاتي يدخل في إطار مشروع الجهوية المتقدمة الذي تقوم السلطات المغربية بتطبيقه ميدانيا منذ سنوات".

وأضاف "الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة هو التزام دولي طرحه المغرب ولقي ترحيبا دوليا كبيرا وهو من رجح بشكل كبير كفة موازين القوى إقليميا ودوليا لفائدة المغرب باعتبار الحكم الذاتي هو المشروع القابل للتطبيق على الأرض".

ويعتقد أن السلطات المغربية لن تصرف النظر عن هذا الطرح "إلا إذا استمر الطرف الآخر في التعنت وهو ما سيدفع بالمغرب إلى فرض الأمر الواقع وتطبيقه بشكل أحادي ومن جانب واحد".

وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة - أرشيف
واشنطن جددت اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية

يرى محللون اقتصاديون أن نسبة الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضت على المغرب ضمن السياسات التجارية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تحمل أبعادا تجارية فحسب بل لها أبعاد سياسية وإقليمية وقارية.

وأعلن ترامب في الثاني من أبريل رسوما جمركية جديدة على طائفة واسعة من الواردات تراوحت بين 10 و‭‭‭‭‭‭50‬‬‬‬‬‬ بالمئة مما أثار حالة من الترقب والقلق في الأسواق العالمية لكن إعلانه أمس الأربعاء تعليق تطبيق هذه الرسوم 90 يوما أضفى قليلا من الهدوء.

وبادرت بعض الدول بالسعي إلى التفاوض مع الولايات المتحدة بشأن الرسوم الجديدة فيما نددت دول أخرى بالقرار وهددت بالتصعيد من خلال فرض رسوم مضادة.

وفي شمال أفريقيا، بلغت نسبة الرسوم الجمركية المفروضة على المغرب 10 بالمئة، وبالنسبة للجزائر 30 بالمئة وتونس 28 بالمئة.

وقال المحلل الاقتصادي محمد الشرقي إن ترامب "بنى هذه النسب الجمركية لعدد من دول العالم، أيضا على أساس حجم الفائض أو ماذا يقدم الطرف الآخر للولايات المتحدة من الناحية التجارية".

وأشار إلى أن الميزان التجاري بين الجانبين يميل لصالح الولايات المتحدة إذ بلغت قيمة الصادرات الأميركية إلى المغرب 5.3 مليار دولار في عام 2024 بزيادة قدرها 37.3 بالمئة مقارنة بعام 2023، بينما بلغ إجمالي الواردات من المغرب 1.9 مليار دولار في 2024 بزيادة 12.3 بالمئة مقارنة مع 2023.

وأوضح الشرقي لرويترز أن المغرب يرتبط مع الولايات المتحدة باتفاق تبادل حر دخل حيز التنفيذ عام 2006.

وقال إن "الصادرات المغربية ستكون أكثر تنافسية، إذا ستؤدي فقط تعرفة جمركية لا تتجاوز عشرة بالمئة في حين ستكون هذه التعرفة مرتفعة بالنسبة لدول أخرى، وبالتالي ستكون الصادرات المغربية أقل سعرا في السوق الأميركية".

وفي الأسبوع الماضي، قال مصطفى بايتاس المتحدث الرسمي باسم الحكومة المغربية للصحفيين إن "الولايات المتحدة والمملكة المغربية تربطهما شراكة استراتيجية وقوية متعددة الأبعاد، وعلى رأسها اتفاق التبادل الحر الوحيد بأفريقيا الذي يعتبر أساسا قويا لهذه العلاقة".

وأضاف أن "المغرب مستعد دائما لتعزيز هذا الاتفاق في إطار دور المملكة كبوابة للتجارة والاستثمار في أفريقيا والعالم العربي".

المحلل الاقتصادي محمد الشرقي ربط بين نسبة 10 بالمئة، والتي يبدو أنها تصب في مصلحة المغرب، والعلاقات السياسية والجيوسياسية بين البلدين.

وأشار إلى إعلان الولايات المتحدة المغرب حليفا لها من خارج حلف شمال أطلسي في عام 2004، مكافأة له على "مكافحة الإرهاب".

وقال إنه لا يجب إغفال أن المغرب شريك مميز لحلف شمال الأطلسي منذ عهد الرئيس جورج بوش الابن، وهي نفس الفترة التي شهدت توقيع اتفاقية التبادل الحر.

وأشار أيضا إلى "الجانب الجيوسياسي، والمتمثل في قرب المغرب من أوروبا، وحصول المغرب على وضع (شريك مميز) من الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي ترى فيه الولايات المتحدة مكسبا إضافيا لتنافسية الشركات الأميركية إذا أرادت الاستثمار في أوروبا".

وبالإضافة إلى كل هذه العوامل، هناك اعتبارات سياسية أخرى، في رأي المحلل، وطدت العلاقات بين البلدين في مقدمتها اعتراف واشنطن بسيادة المغرب على إقليم الصحراء الغربية "كمكافأة له على تطبيع العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر عام 2020".

وجددت الولايات المتحدة، الثلاثاء، الاعتراف بهذه السيادة، إذ قالت الخارجية الأميركية عقب لقاء وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الأميركي ماركو روبيو في واشنطن إن "المحادثات لحل النزاع حول الصحراء الغربية ينبغي أن تجري على أساس خطة مغربية من شأنها منح المنطقة حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية" وهي خطة قدمها المغرب في 2007 وقال إنها أقصى ما يمكن تقديمه في الملف، وهو ما ترفضه جبهة البوليساريو التي تسعى لانفصال الإقليم.

وضم المغرب إقليم الصحراء إليه عقب جلاء الاستعمار الإسباني عام 1975 لتتأسس جبهة البوليساريو بعد ذلك وتطالب بانفصال الإقليم الغني بالفوسفات والثروة السمكية ويعتقد أن به مكامن نفطية.

لكن المحلل السياسي المغربي عبد الرحيم العلام لا يربط بين نسبة الرسوم الجمركية على المغرب المتمثلة في 10 بالمئة والعلاقات السياسية المتميزة بين البلدين، إذ يرى أن "الولايات المتحدة فرضت هذه النسبة حتى على حلفائها التقليديين بمن فيهم إسرائيل".

وأضاف أن "هذه النسبة ليس لها تأثير من الناحية السياسية".

واعتبر في تصريح لرويترز أن "صادرات المغرب إلى الولايات المتحدة ضئيلة وليست بالحجم القوي الذي سيصل إلى أزمة".

وأكد أن "اتفاقية التبادل الحر للعام 2006 تحكم العلاقات بين البلدين.. ربما التعرفة التي فرضت على المغرب أقل من الجزائر وهذا ما طمأن الساسة في المغرب".

وقال "أظن أنها مسألة اقتصادية بحتة ولا علاقة لها بالسياسية، فأميركا فرضت التعرفة الجمركية حتى على إسرائيل... ولكن أظن أن هناك خلفية سياسية للتعرفة الجمركية التي فرضت على الجزائر التي ليست حليفة للولايات المتحدة، وجنوب أفريقيا بسبب موقفها المناهض لسياسة إسرائيل".

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي رشيد أوراز أن نسبة الرسوم التي فرضت على المغرب منخفضة لكنها قد تضر بالاقتصاد المغربي.

وقال لرويترز "للأسف الشديد هذه التعريفات الجمركية ستضر بالعلاقات التجارية بين المغرب والولايات المتحدة، وقد تجبر بعض الشركات على إعادة نقل أنشطتها للولايات المتحدة، ويتعلق الأمر بالخصوص بقطاع الأسمدة، المعدات الكهربائية والإلكترونية، قطاع السيارات وبعض مكونات الطائرات.. وهي التي تصنع أجزاء منها في المغرب".

وأضاف أن "فرض تعريفات عليها سيجبر المصنعين على نقلها للولايات المتحدة.. كما أن الحرب التجارية قد تؤدي إلى تضخم، وأي تضخم في الولايات المتحدة يعني تضخما على مستوى العالم، وبالتالي المغرب سيتضرر عاجلا أم آجلا".

وقال "الحرب التجارية العالمية ستضر بالاقتصادات النامية بصفة عامة والمغرب لن ينجو منها بطبيعة الحال".