يستعد المغرب لإجراء انتخابات برلمانية ومحلية في 8 سبتمبر الجاري. وللمرة الأولى في تاريخ المملكة تتم دعوة قرابة 18 مليون مواطن لانتخاب نواب الغرفة الأولى للبرلمان والمجالس الجهوية في اليوم ذاته.
وبذلك، تحدد نتيجة هذه الانتخابات نواب الغرفة الأولى البالغ عددهم 395 عضوا، فضلا عن أكثر من 31 ألف عضو منتخب في مجالس المحافظات والجهات.
وبحسب وزارة الداخلية المغربية، تتنافس 1704 قائمة في الانتخابات التشريعية، وتشمل في المجموع 6 آلاف و815 ترشيحا، أي بمعدل يفوق 17 ترشيحا عن كل مقعد.
أما الانتخابات الجهوية والبلدية (المحافظات والمحليات)، فقد أفاد بيان الوزارة بأن عدد الترشيحات النهائية 1769 مترشحة ومترشحا، أي بمعدل يقارب 20 ترشيحا عن كل مقعد.
ويسعى حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات للاستمرار برئاسة الحكومة، وينافسه على صدارة الانتخابات حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه مستشار الملك حاليا فؤاد عالي الهمة عام 2008 لمواجهة الإسلاميين، قبل أن يستقيل منه في 2011، بحسب فرانس برس.
ويخوض المنافسة أيضا حزب التجمع الوطني للأحرار، برئاسة رجل الأعمال وزير الزراعة لعدة سنوات، عزيز أخنوش، فضلا عن حزب الاستقلال (يمين وسط).
وفي خطابه الأسبوع الماضي بمناسبة الذكرى 69 لـ"ثورة الملك والشعب"، قال العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إن إجراء الانتخابات التشريعية والجهوية والمحلية في نفس اليوم يؤكد عمق الممارسة الديمقراطية في المغرب، ونضج البناء السياسي المغربي.
وأضاف: "الانتخابات ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لإقامة مؤسسات ذات مصداقية، تخدم مصالح المواطنين، وتدافع عن قضايا الوطن".
وفضلا عن كل ذلك، تمر البلاد بظروف استثنائية تؤثر بأشكال مختلفة في مسار الانتخابات، من إجراءات احترازية فرضتها كورونا، ومشكلات سياسية داخلية، وأزمات خارجية مع أسبانيا والجزائر.
تحديات داخلية
منذ مارس 2020، سجل المغرب نحو 867 ألف حالة إصابة بكورونا، ونحو 12749 حالة وفاة. وبسبب وباء كورونا، فقد غابت التجمعات الانتخابية للمرة الأولى، بسبب حالة الطوارئ الصحية التي تمنع تجمع أكثر من 25 شخصا. وأعلنت بعض الأحزاب المتنافسة الخميس، إطلاق حملاتها وعقد مؤتمراتها وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي.
وترى المرشحة للانتخابات المحلية، ابتسام العزاوي، أن هذه الانتخابات غير مسبوقة في تاريخ المغرب، لأنها تأتي في ظل وباء كورونا، كما أنها تجمع جميع الاستحقاقات الانتخابية في وقت واحد سواء انتخابات المحليات أو البلديات أو البرلمان.
وذكرت العزاوي في تصريحات لموقع "الحرة" أن فيروس كورونا دفع الأحزاب والمرشحين للاعتماد على الحملات الرقمية علي منصات مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب قرار إلغاء التجمعات حفاظا على الصحة العامة.
وأشارت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي عوضت الأحزاب عن توقف التجمعات الانتخابية، مؤكدة أن الحملات الرقمية للناخبين خلقت نوعا من تكافؤ الفرص بسبب رخص تكلفتها مقارنة بالحملات الأخرى التي كانت تتطلب إمكانيات مالية كبيرة غير متاحة للجميع.
وقال الخبير في مواقع التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي، حمزة فرطاسي، لموقع "أصوات مغربية" الشقيق، إن "إعلانات مواقع التواصل الاجتماعي توفر استهدافا أكثر دقة ووصولا أكبر بمجهود وبمقابل مالي أقل بكثير من مصاريف الطباعة وتعويضات المتعاونين"، مشيرا إلى أن هناك "إعلانات من شأنها ترسيخ الوعي بعلامة حزب معين أو ترسيخ أهدافه لدى الجمهور المستهدف".
وأشار فرطاسي إلى أن "مواقع التواصل الاجتماعي ستتيح للأحزاب المغربية أدوات لاختيار الفئات المستهدفة ومواقعها واهتماماتها إضافة إلى قياس حجم هذا التفاعل سواء من حيث المشاهدة أو التعليقات أو مشاركة المنشورات".
وكشف أنه "بناء على الشفافية التي أضحى يعتمدها موقع "فيسبوك"، فإنه منذ مارس 2021 تم إطلاق 11,964 حملة إعلانية لها علاقة بالانتخابات سواء من طرف الأحزاب بشكل مباشر أو من طرف منصات إخبارية حول مقالات لها علاقة بالمنتخبين، وتم صرف أزيد من 350 ألف دولار لحدود الثلاثاء".
وحسب تلك المعطيات، فإن "حزب التجمع الوطني للأحرار" يتصدر لائحة الأحزاب السياسية على مستوى الإنفاق على الحملات الإعلانية المدفوعة بـ 3273 حملة إعلانية مقابل أزيد من 209 ألف دولار".
وبشأن عدد عمليات التفاعل لصفحات الأحزاب المغربية على فيسبوك خلال هذا الأسبوع، أورد المصدر ذاته صورة تظهر تصدر حزب "التجمع الوطني للأحرار" بأزيد من 4,3 مليون تفاعل، يليه "حزب الاستقلال" بأزيد من 950 ألف، ثم "حزب التقدم والاشتراكية" بأكثر من 548 ألف.
المشاركة.. إحصائيات غير مبشرة
إلى جانب أزمة كورونا، يشهد المغرب تجدد أزمة الصحراء الغربية، المطالبة بالانفصال عن المملكة، والتي عادت إلى الواجهة في نهاية العام الماضي مع تجدد الاشتباكات بين الرباط وجبهة البوليساريو.
وتصاعدت الأزمة في نوفمبر الماضي، عندما تحركت قوات مغربية لإبعاد جبهة البوليساريو عن معبر الكركرات الحدودي في الصحراء الغربية، الطريق الرئيس للمغرب إلى غرب أفريقيا، مما أعاد إحياء الخلاف القديم إلى الواجهة
ويستمرّ النزاع منذ عقود بين المغرب وجبهة البوليساريو في شأن الصحراء الغربيّة التي تُصنّفها الأمم المتحدة "إقليماً غير متمتّع بحكم ذاتي" في ظلّ غياب تسوية نهائيّة، في حين اعترفت إدراة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بسيادة المغرب على الصحراء.
من جانبه، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني، عز الدين خمريش، أن قضية الصحراء ليس لها أي تأثير على الانتخابات، مشيرا إلى أن الانتخابات تجري في الأقاليم الجنوبية في أحسن الظروف، وتكون نسبة المشاركة في منطقة الصحراء هي الأكبر، نظرا للاستقرار والأمن ووعي المواطن بأهمية المشاركة في العملية السياسية.
وأضاف خمريش في تصريحات لموقع "الحرة" أنه بالرجوع إلى أرقام المشاركة في الانتخابات السابقة سنجد أن نسبة المشاركة الأكبر في منطقة الصحراء، مؤكدا أن المشاركة في الأقاليم الجنوبية تشهد حضورا مكثفا من المرشحين والناخبين.
وعلى المستوى الخارجي، فقد زاد توتر علاقات المغرب مع جيرانه الجزائر وأسبانيا، وصلت لحد أن أعلنت الجزائر، الأسبوع الماضي، قطع العلاقات مع الرباط وسحب سفيرها، بعد اتهامها للمغرب بدعم انفصال القبائل، وهو الأمر الذي نفته الرباط.
ومنذ مايو الماضي، تصاعد الخلاف بين المغرب وإسبانيا على خلفية استضافة مدريد زعيم جبهة البوليساريو، من أجل العلاج الطبي باستخدام وثائق جزائرية مما أثار غضب المغرب.
وخففت الرباط بعد ذلك القيود الحدودية مع جيب سبتة الإسباني في شمال المغرب في 17 مايو، مما أدى إلى تدفق ما لا يقل عن ثمانية آلاف مهاجر تمت إعادة معظمهم.
من جانبها، لا ترى العزاوي أن يكون لمثل هذه الأزمات الخارجية تأثير على اختيار الناخبين، لأن الجبهة الداخلية موحدة في هذه الملفات.
وقالت إن ما سيحدد رأي الناخب برامج الأحزاب ومدى قدرتها على مواكبة تحديات المغرب وتطلعاته للريادة، بالإضافة إلى مدى قدرتها على حل مشكلات المواطن.
ويتفق خمريش مع العزاوي، ويقول إن مسألة اختيار الناخب للمرشح ليس لها على علاقة بهذا الصراع الإقليمي مع الجزائر أو إسبانيا، بل ينجذب الناخب إلى المرشح الذي يستطيع تحسين ظروفه المعيشية.
في غياب استطلاعات رأي لتوجهات الناخبين كانت نتائج دراسة حول مؤشر الثقة نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات في فبراير، أظهرت أن 64 بالمئة من المستطلعة آراؤهم لا ينوون المشاركة في هذه الانتخابات، بينما صرح 98 بالمئة منهم بعدم انتمائهم لأي حزب سياسي.
وقال المحلل السياسي مصطفى السحيمي لوكالة فرانس برس: "إقناع نحو 18 مليون مغربي بالتوجه إلى مكاتب الاقتراع "يبقى الرهان الأول" في هذا الاستحقاق بالنسبة لحوالى 30 حزبا مشاركا في هذه الانتخابات".
ويضيف "ستكون مفاجأة سارة إذا بلغت نسبة المشاركة 45 بالمئة"، علما أنها بلغت نحو 43 بالمئة خلال انتخابات 2016، مشيرا إلى أن جمع الانتخابات البرلمانية والمحلية في يوم واحد يهدف أساسا إلى رفع نسبة المشاركة.
وقال الباحث في المعهد المغربي لتحليل السياسات، رشيد أوراز، لوكالة فرانس برس، إن من بين تفسيرات هذه النظرة السلبية للعمل السياسي، "كون المغرب لم يصل بعد إلى مستوى الديمقراطيات العريقة التي يدرك فيها المواطنون أن الأحزاب السياسية تلعب أدوارها كاملة وقادرة على خدمتهم".
بدوره، يعتقد أستاذ العلوم السياسية أحمد بوز، في تصريح لوكالة فرانس برس، أن النقاش حول جدوى الانتخابات في الوصول إلى السلطة لم يتم تجاوزه بعد رغم إقرار دستور 2011، ولا يستبعد أن يرتبط تراجع الاهتمام بها "بوجود شعور بضعف هامش القرار لدى المؤسسات المنتخَبة، وعدم جرأة المنتخَبين في ممارسة كل السلطات التي يتيحها لهم الدستور".
بينما تتوقع العزاوي أن يكون هناك حماسة بين المواطنين للمشاركة في هذه الاستحقاقات الانتخابية، وتتوقع أن تتجاوز نسبة المشاركة مشاركة الناخبين في 2016.
وأشار خمريش إلى أن المغرب يعيش تغيرا سياسيا كبيرا على مستوى التجربة الديمقراطية، مؤكدا أن المواطن المغربي يعي أهمية مشاركته في هذه الانتخابات، ويعي جيدا بأن صوته ممكن أن يقلب جميع الموازين، متوقعا أن تكون نسبة المشاركة مرتفعة وأعلي من السنوات الماضية.
وفي العام 2011، أقرت المملكة في سياق الربيع العربي، دستورا يمنح الحكومة والبرلمان صلاحيات واسعة أقرب إلى معايير الملكية البرلمانية على النمط الأوروبي، مع الاحتفاظ بأدوار مركزية للملك.
رغم الصلاحيات الموسعة لرئيس الحكومة بقيت معظم القرارات الكبرى تصدر عن مبادرات ملكية في القطاعات الأساسية مثل الزراعة والطاقة والصناعة وتدبير المياه، من دون أن تتغير بالضرورة بتغير الحكومات، بحسب فرانس برس.
